عندما تكتب عن فنان.. ماذا يحدث؟

عندما تكتب عن فنان.. ماذا يحدث؟

العدد 550 صدر بتاريخ 12مارس2018

انشغلت طوال الأسابيع الماضية بتأليف كتاب عن مسرح محمد صبحي، قرأت كثيرا من المقالات التي كتبت عنه وأعدت مشاهدة مسرحياته منذ تجربته الأولى “هاملت” التي قدمها لأول مرة عام 1970، وأعاد تقديمها عدة مرات، منها مرة للقطاع الخاص، وتطورت مسيرة الكتاب النقدي لتشمل تجربة “استوديو الممثل” وعروضها من المسرح العالمي من مثل “روميو وجولييت، طبيب رغم أنفه، المتحذلقات”.. ومرورا بالتجربة المهمة في حياته وهي شراكته مع الكاتب لينين الرملي التي أنتجت مجموعة مهمة من العروض المسرحية منها “وجهة نظر، تخاريف، بالعربي الفصيح”.
وكنت في تحضيري لهذا الكتاب، وفي مرحلة الكتابة أقف على الحياد تماما، على تلك المسافة التي يجب أن يعتمدها الناقد، فلا أنا وقعت في غرام مسرح محمد صبحي ولا رفضته، فهاتان الحالتان مرفوضتان، فالرجل قدم إسهاما كبيرا طوال ما يقترب من الخمسين عاما في المسرح، وبالتالي تراكمت لديه تجربة مسرحية متنوعة حافظ فيها على عوامل النجاح والجماهيرية، وذلك لأنه يقف في تلك المنطقة التي تتوسط مسرح القطاع العام في عموم تجاربه التي تميل في جمهورها المستهدف للنخبة ومسرح القطاع الخاص الذي انتشر في الثمانينات والتسعينات أو ما كان يطلق عليه المسرح السياحي، وذلك لأنه كان موجها للسياح من كل الدول العربية وخصوصا الخليج.
وإذا ما تأملت مسرحه ستجده يعترف بأدبيات المسرح وبصرامة شديدة، فالستار يرفع في ميعاد محدد، وهناك التزام - إلى حد كبير بالنص المكتوب، كما أن هناك كلمة يقولها هذا المسرح، كلمة محترمة تناسب العائلة ولا تبتذل نفسها في أغانٍ زائفة أو رقصات خليعة، أو نكات جنسية.. فالمثلث الذي كان مشهورا في الثمانينات والتسعينات في المسرح الخاص كان يتمثل في: “المطرب الشعبي، الراقصة، النجم والنجمة”، وليس مهما أية عوامل أخرى بعد ذلك، والمكسب المادي لا دين له، فكل ما كان يهم المنتج وقتها هو تحصيل أضعاف العائد المادي من دون النظر لأية اعتبارات إنسانية أو أخلاقية.
وكون مسرح صبحي قد حافظ على تقاليد المسرح المحترم وراعى تلك الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، فهذا يحسب له لا عليه، لكنني رغم ذلك لست مع المزايدة في فكرة الشعارات والخطابيات التي تفرض نفسها على النص، وبالتالي العرض سواء لدى صبحي أو غيره، كما تحاول أيضا توريط المتفرج في تبنيها، فليست كل وظائف المسرح تكمن في هذه النقطة، للمسرح وظائف أخرى ولصبحي أهداف أخرى من وراء مسرحه، قد يكمن جزء من أهدافه في نشر فكرة الوعي الثقافي والسياسي لدى الناس البسطاء، وبالطبع قد يظهر ذلك بسيطا بالنسبة للنخبة رغم أنه ممتع لهم ومهم في نفس الوقت لهؤلاء البسطاء.
وسعر تذكرة مسرح محمد صبحي إذا ما تأملناه بالنسبة لمسرح القطاع الخاص لدى غيره، ستجده مناسبا للجميع، وفكرة الجميع هذه قد أسس لها مهرجانا مسرحيا أسماه “المسرح للجميع” وأنتج صبحي فيه عددا مهما من العروض بهذه الأسعار، ومن تلك العروض: لعبة الست، كارمن، سكة السلامة، وأخيرا غزل البنات، وما زال الرجل يحاول رغم توقف إنتاجات القطاع الخاص للمسرح إلا من تجارب نادرة جدا لا تهتم بغير المكسب المادي، ربما كان ذلك المشوار الطويل، وهذا الكم من العروض التي يعرفها معظم الناس من غير المتخصصين، وهذه الوسطية وذاك الاعتدال أهَّلا صبحي لتبوُّء مكانة مسرحية خاصة به قد تميزه عن الكثيرين، ولكن في النهاية يظل له إسهامه الذي لا يعلو على النقد شأنه شأن أي عمل فني قابل للنقاش والتحليل.
لذا، كان من الأسس لدي تلك الفكرة، فكرة عدم الوقوع في غرام من تتم الكتابة عنه أو حتى الانحياز لفكرة الرفض، فدائما ما أحاول الوقوف منحازا لأفكار النقد والفن، وللمضامين المتحررة والمتخلصة من أية آيديولوجيات جاهزة، نحن نتعامل مع الفن بصفته فنا في المقام الأول والأخير بغض النظر عمن أنتجه أو أخرجه أو قام ببطولته، ودائما ما يكون له، ودائما أيضا ما يكون عليه.


إبراهيم الحسينى