تخففوا.. تبحر سفائنكم

تخففوا.. تبحر سفائنكم

العدد 559 صدر بتاريخ 14مايو2018

كنت - وما زلت - من المؤمنين بشعار “ما يمكن الاستغناء عنه يجب الاستغناء عنه”. فالفن، والمسرح خاصة، لا يحتمل الثرثرة، لا يطيق الزوائد. لذلك كنت - وما زلت - أنصح أصدقائي وكل معارفي دوما بهذه الحقيقة، ولا أملّ من تكرارها أمامهم “ما يمكن الاستغناء عنه يجب الاستغناء عنه”.
الأمر هنا لا يتعلق فقط بالكتابة، لكنه يمتد ليطال عناصر العمل المسرحي كافة، وعلى رأسها المنظر أو الديكور أو كما يحلو لبعض المسرحيين أن يسمونه بـ”سينوغرافيا” مقلصين معنى المصطلح إلى أضيق حدوده.
في المسرح، كان - وما زال وسيظل - الممثل هو العنصر الأهم، ومهما حشدت الخشبة بكتل وألوان وستائر، فلن يغنوك شيئا عن ممثل لم تبذل معه جهدا بالقدر الكافي.
في المسرح، تكفي الإشارات (شال، صندوق، دلو، بؤرة إضاءة...، ...،) وبقدرة ممثلك/ ممثليك، ستحيل هذه الأشياء البسيطة إلى عوالم أرحب، وستدعو متلقيك أن ينتبه إلى ذلك الكائن (الممثل) الذي يقف وحيدا عاريا من مشتتات الانتباه، ينصت باهتمام إلى كلماته التي تخرج من آلة نطق سليمة ومدربة، فتأخذه إلى آفاق ومعانٍ تزداد سحرا حين تمتزج بحركات جسد لين وانفعالات وجه قادر.
فبالكلمة والحركة وانفعال الوجه، سيندهش متلقيك وسيبحر معك في عوالمك مشاركا في صنع لوحتك التي يقف الممثل في القلب منها.
حافظ على كون المسرح عالما من الكذب الجميل، يكمن جماله في بساطته، والبساطة لا تعني أبدا الاستسهال. على العكس، البساطة تتأتى من مزيد من جهد، مزيد من تدريب، مزيد من التعمق في تحليل النص الذي بين يديك، والتأمل في كيف تحيله إلى عالم من السحر، سحر المسرح لا سحر السيرك. وسحر المسرح عماده الأساسي هو الممثل. درب ممثلك على كيفية الوقوف عاريا في صحراء الخشبة، فيحيلها وحده واحة من الأداء الأخضر الناصع. علمه كيف يبحر في ذاته ليقتنص لآلئ تكمن في الشخصية التي يرتديها.
فالمسرح - يا صديقي - هو ممثل، ثم ممثل، ثم ممثل، ومن بعده تأتي - أو لا تأتي - بقية العناصر، كل حسب الحاجة الملحة (وما يمكن أن تستغنى عنه يجب عليك أن تستغنى عنه). فكم من نصوص محكمة الصنع، وذات رسائل هامة، وعاشت عبر أجيال وأجيال، ماتت على الخشبات وضاعت معانيها وغيبتها رياح التحذلق وماتت تحت ثقل الكتل وصخب الألوان وبيد ممثل بليد.
من دون ممثل تبذل معه جهدا في التحليل والتفسير ومن بعده التدريب الشاق، سيمر عرضك مرورا عابرا مهما كان النص الذي اعتمدت عليه.
فيا أيها المخرجون! تخففوا من كتلكم وألوانكم وصخب موسيقاكم كي تبحر سفائنكم.. فهل تفعلون؟!


محمد الروبي