جريمة أشرف عبد الباقى فى «الريحانى»

جريمة أشرف عبد الباقى فى «الريحانى»

العدد 588 صدر بتاريخ 1ديسمبر2018

حين دعاني أحد الأصدقاء، الذي أثق فى خبرته وذوقه المسرحيين، إلى مشاهدة عرض مسرحي جديد لأشرف عبد الباقي، اندهشت، وربما سخرت في البداية من دعوته. إلا أنني، ومع إلحاحه وتأكيده على أن ما يقدمه أشرف في مسرحه الجديد الذي هو مسرح نجيب الريحاني بوسط البلد مغايرا تماما لما قدمه في فرقته القديمة المسماة “مسرح مصر”، قررت بدافع الفضول أن أذهب لأرى، ممنيا نفسي أن يخيب ظني هذه المرة وأجد عرضا مسرحيا لأشرف عبد الباقي يقترب ولو من بعيد من فن المسرح.
مع خطواتي الأولى داخل المسرح، بدأت أشعر أنني سأرى اليوم شيئا مختلفا، فالخطاب كما يقال يبين من عنوانه، فمدخل المسرح يرتدي ثوبا راقيا، أهم ما يميزه ذلك التجديد المبهر الذي حرص أشرف فيه على أن يحافظ على أجواء مسرح الريحاني القديم، الحوائط تتزين بصور فنانين عمالقة من أجيال مختلفة، وبعضهم نحتت لهم تماثيل اصطفت على الجانبين. والممر تفترشه سجادة حمراء، والمستقبلون شباب يرتدون سترات موحدة أنيقة يصطحبونك بابتسامة مرحبة إلى مكان الانتظار الذي يتميز هو الآخر ببساطة أنيقة ومبهجة.
أما المفاجأة الكبرى فكانت العرض نفسه الذي اختار له أشرف اسم “جريما في المعادي.. مسرحية كلها غلط”، ومع بداية العرض وطوال أحداثه ستفهم لماذا أصر أشرف أن يكتب كلمة جريمة بالألف لا بالتاء المربوطة، ولماذا أكد في عنوان فرعي على أنها “مسرحية كلها غلط”.
فالعرض يعتمد في الأساس على فكرة (تمثيل التمثيل) عبر فرقة مسرحية تحاول تقديم مسرحيتها الأولى، فيقعون في أخطاء تسبب لهم حرجا شديدا، ولأنه عرض لا بد له أن يستمر طالما بدأ، سيحاول الممثلون التغلب على هذه الأخطاء بتجاوزها، فإذا بهم يقعون في أخطاء أكبر وأكبر للتتفجر الكوميديا من تفوق المتفرج الذي يعلم أن ما يحدث أمامه لعبة يحاول الممثلون إيهامه بأنها حقيقة لكنهم يفشلون أو بالأحرى يقنعونه أنهم يفشلون. بل سيصل الإيهام بالفشل إلى حد هدم الديكور بكامله قطعة بعد قطعة في تصاعد مثير للدهشة والإعجاب والأهم الضحك.
الخط الدرامي للعرض الذي تحاول الفرقة المسرحية (المدعاة) تقديمه، بسيط للغاية، يعتمد على جريمة قتل وقعت في قصور أحد بكوات زمن الأربعينيات، ويستدعي سكان القصر رجل بوليس محنكا ليفك اللغز ويكشف عن القاتل ودوافع الجريمة. ولأن زمن الأحداث قديم، والفرقة بلا خبرات، سيكون اللجوء إلى المبالغة في الأداء اختيارا موفقا يسخر من أداء ممثلي أفلام ذلك الزمان.
ولأن الأخطاء ومحاولة إصلاحها بأخطاء أشد ضخامة هي قوام هذا العرض، سيكون الإحساس بالعشوائية والتلقائية هو التحدي الأكبر أمام مجموعة الممثلين الشباب (من الجنسين) ليقنعونك كمتفرج أن ما يحدث أمامك هو وليد هذه اللحظة التي تشاهدهم فيها. وهو ما نجحوا فيه نجاحا مبهرا يشي بكم التدريب الشاق الذي بذلوه في البروفات.
مع نهاية العرض، وجدتني – كما كل جمهوره - أقف محييا بحرارة ممثليه ومخرجه الفنان أشرف عبد الباقي، ومرددا بيني وبين نفسي “برافو يا أشرف.. حمد لله على السلامة”.
وها أنا أقولها بضمير مستريح إن تجربة “مسرح الريحاني” لصاحبها أشرف عبد الباقي تجربة تستحق المشاهدة والمساندة.. فاذهبوا على مسئوليتي لتستمتعوا بعرض كوميدي راقٍ.. وانسوا خبرتكم مع “مسرح مصر”، فهناك.. في وسط البلد.. وفي رحاب “الريحاني”.. سيستقبلكم أشرف عبد الباقي -مخرجا ومنتجا - مغايرا تماما.


محمد الروبي