الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
سؤال ما بعد يناير
 

عزت إبراهيم


قد يتساءل البعض عن السبب فى طرح هذا السؤال على كتابنا وقرائنا الأفاضل الآن: "ماذا بعد يناير؟" وقد مضى على هذا الحدث خمسة أعوام كاملة، وما هو السبب فى تأخرنا كل هذه السنوات، والحقيقة أن إجابتنا قد لا تقنع البعض، لأن مبررات التأخير كانت غير مكتملة فى أذهاننا أيضًا شأننا شأن الكثيرين من المصريين ممن غابت عنهم كل الحقيقة، ولأن جميع المحللين لأحداث الثورة وموجاتها المتلاحقة اختلفوا فيما بينهم وأن المعطيات كانت ولا تزال مختلفة وغير مؤكدة أو موثوقة، ففى هذه السنوات الخمسة ترددت ألوف الأسئلة ولم تجد سبيلاً لأى إجابة مقنعة أو شافية.
ولكن ربما كانت الذكرى الخامسة للثورة هى محرضنا الأول لنسأل أنفسنا قبل أن نسألكم، خصوصًا أن جميع مؤسسات الدولة قد اكتملت الآن ببرلمانها الجديد وصار علينا وضع عجلات العربة فى مساراتها التى حلمنا طويلاً بالسير فيها، بل ومنعها من الانحراف مرة أخرى، وهذا قد يصبح هدفنا الرئيسى من السؤال فى هذا التوقيت، وأقصد بالفعل هذا التوقيت، حيث لا وقت للتجريب مرة أخرى، ولا توجد فرصة جديدة لنضيعها حتى يدرك المسئولون الجدد أن العربة قد دارت, وأن عليهم التقدم للأمام, لا المشاهدة من بعيد, حتى يضمن هؤلاء بقاءهم, ويطمئن المصريون على مستقبل أبنائهم وعلى أنفسهم. 
أما عن السؤال الأهم وهو: لماذا تهتم مجلة "الثقافة الجديدة" بالشأن السياسى، وما دخل المثقفين بهذا الحراك الردىء؟ نقول: إن المناخ العام وحالة الاستقرار دائمًا ما تنتج أدبًا بناءً وإبداعًا صادقًا وحالمًا يقف صانعوه على أرضية قريبة من الناس ترصد واقعهم وتحلله وتبنى واقعًا جديدًا يتبناه المجتمع ويعتمده ويقره، فإذا كانت أحوال الناس غير مستقرة فإن انعكاساتها تظهر بالضرورة فى الكتابات والفنون كافة، وقد تؤدى فى لحظة ما إلى حدوث هبات شعبية، أو ثورات كبرى، وقد تجلى هذا فى يناير 2011م، فمنذ حرب الخليج الأولى فى أوائل التسعينيات اهتزت قناعة الشعوب العربية أو تفاقمت غضبتها على حكامها وظهرت كتابات كثيرة ترصد هذه الاهتزازات، وتحذر منها، وكثير منها تنبأ بحدوث ثورات فى أكثر من دولة عربية وهذا ما حدث بالفعل، فقد نشأت الحركات المناهضة منذ ذلك الحين لسياسات الحكام وانحرافهم عن قضايا أوطانهم وهموم رعاياهم ولجأت الشعوب إلى معالجتها بأنفسها بنشر الكتابات الساخرة، وإنتاج الأفلام والمسلسلات والمسرحيات الناقدة، والمعبرة عبر أنواع الفنون كافة عن رفضها لهذه السياسات, ولكن ضعف هؤلاء الحكام جعلهم غير قادرين على مجابهة هذه الغضبة الكبيرة فلجأوا إلى حماية أنفسهم ومكاسبهم بتشديد القبضة الأمنية التى زادت من غضبة الشعوب، وتحقق للأدباء ما تنبأوا به من ثورات لم تصل فى أذهان من صنعوها إلى هذا الحد وهذا الانتشار، فقفز عليها من قفز، وانحرف بها من انحرف، ونجا بها من نجا.
أما وقد تحقق الحلم وتم للشعوب ما أرادت من تغيير، ومر على هذا التغيير عدد من السنين، نصل الآن إلى السؤال المهم: "ماذا بعد؟" هل الأمور تسير وفق ما أردنا؟ هل وصلنا أو فى سبيلنا للوصول إلى ما كنا نحلم به؟ فإن الجواب دائمًا نسبى حيث يرى المتفائلون أننا بدأنا منذ 30 يونيو 2013م نسير وفق ما أردنا من ثورة يناير، وخاصة إصلاح أخطائها، وأهمها أنها لم تختر قادتها الحقيقيين، فخرجت عشرات الأصوات التى ادعت أنها من فجرتها، ووصلت الأمور إلى ادعاء كيانات طالما أعلنت عداءها للثوار وللثورة فى بدايتها أنها صاحبتها، وأنها قدمت من أجلها الدماء وضحت بالشهداء والمصابين، ونجحت هذه الكيانات فى الانحراف بها بعيدًا، وحولت مطالبها من "العيش"، "والحرية"، "والعدالة الاجتماعية" إلى مطلب وحيد أسمته "الشرعية"، ما دعا مانحى هذه الشرعية إلى الخروج مرة أخرى فى منتصف 2013م ليسقطوا هذه الشرعية عن هذه الكيانات ويعيدوها مرة أخرى لأنفسهم ويعيدوا إلى الثورة مطالبها الأولى: "العيش"، "والحرية"، "والعدالة الاجتماعية"، وعهدوا بهذه المطالب إلى قيادة تبنتها وسارت نحو تحقيقها فى وقتٍ كانت مؤسسات الدولة قد تأثرت وضعفت بل انهار اقتصادها وأصبحت فى حاجة للبناء من جديد حتى تستعيد الدولة هيبتها ومكانتها فى الداخل والخارج وأيضًا تقاوم الإرهاب والأعداء فى الداخل والخارج أيضًا.
أما المتشائمون فقد لا يرون هذا وقد يقولون: إن شيئًا لم يتحقق، فلا عيش آمن حدث، ولا حرية شعرنا بها، ولا عدالة اجتماعية تحققت، ولذلك قلنا إن الجواب دائما نسبى، وحتى لا نقع فى شرك نظرية المؤامرة، تركنا لكتابنا حرية الجواب بحيادية تامة، ووضعنا نصب أعيننا ما تحدثنا عنه فى البداية وهو توفير المناخ المناسب لإبداع بناء وفكر منضبط وقضايا حقيقية غير زائفة، فهل يرى كتابنا أن ثمة علاقة حقيقية بين ما يدور فى الشارع السياسى من حراك سلبى أو حتى إيجابى وبين الإبداع الفنى، وما يكتبه الشعراء والأدباء وينشرونه من أعمال؟ وهل حقًا ما زال للإبداع هذا التأثير القوى على وعى المجتمعات؟ وهل لفعالياتنا الثقافية الكبرى فى الشارع هذه القدرة على التغيير وإيقاظ الوعى وتوجيه الرأى العام؟ أم أن العبارة الشهيرة للرئيس الأسبق، مبارك: "خلوهم يتسلوا" كانت حقيقية، وأن الواقع يختلف كثيرًا عما نحلم به أو يظهر فى كتاباتنا وأننا نبدو فى وادٍ وواقع المجتمعات فى وادٍ آخر؟ وهل إذا ثبت أن خطابنا الثقافى ضعيف وهش وغير فاعل فى الشارع هل يمكننا تعديله؟ هل لدى النخب الثقافية الرغبة والقدرة على تصحيح الخطاب بما يتناسب مع ظروف المجتمع وإمكاناته المعرفية؟ أم ستأخذها العزة بالإثم ونعود إلى مقولات عمقت عزلتنا فى ربع القرن الأخير مثل ما معناه: إن "على المجتمعات أن تتعلم حتى تفهم ما نكتب وليس علينا أن ننزل إلى القاع لنكتب لمجتمعات جاهلة"، هذه المقولات التى استغلتها نخب أخرى ظلامية، ضمنت الأريحية التى هيأئت لها ساحة خالية من أى منافس، فعمقت الجهل حتى يجد خطابها أرضًا خصبة، وحدثت الناس فى أدق خصوصياتها وأبسط شئونها وأرجعت ما تعجز عن حله إلى سلطة غيبية لا يصح معها الجدال ولا النقاش فسيطرت على القلوب قبل العقول، وما زالت حتى الآن تقاوم كل محاولة للخلاص والتطور.
لذا علينا الآن أن ننتبه، فقد سبقتنا الشعوب وعادت لتلقى بالكرة فى ملاعبنا, فقد أنهت استحقاقات الدولة ووضعتها من جديد على الطريق, فإما أن نسير بها نحو مستقبل يليق بنا أو نعود إلى الخلف، فالقوى الناعمة المتمثلة فى: الكتاب, والمفكرين, والفنانين, والعلماء, ورجال الدين المعتدلين, وحتى الرياضيين, مطالبين فى هذا الوقت بالعودة بحساباتهم إلى الخيار الأهم, وهو الإصلاح بمعناه الشامل, ومعالجة الأمراض التى خلفتها حقبة التردى الأخيرة, وتنقية المجتمع من بعض السلبيات التى انتشرت فى سلوكيات الشباب والكبار ورسختها للأسف أعمالاً سينمائية نسبت خطأً للفن وللذوق العام، والفن والذوق العام منها براء، فقبل أن نحاكم مجتمعاتنا أو ندينها علينا إدانة أنفسنا فلو رأوا نماذج منتجة وكادحة تنجح فى تغيير واقعها بشرف عبر أعمال فنية ودرامية لما أصبح قدوة الشباب ومثلهم الأعلى ذلك الشاب السكير العربيد المطارد من العدالة دائمًا وأبدًا.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "مدخل"
 

  » سؤال ما بعد يناير

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 1 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية