الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
ابتسامة تختبئ هناك
 

نهى محمود


لم يستطع أحد فى ذلك الوقت أن يتكهن بالمكان الذى سيصبح فيه جمال بعد سنوات طويلة. شابًا غاضبًا وعنيفًا، بإعاقة خفيفة فى قدمه اليمنى إثر طعنة مدية تناولها فى مشاجرة نشبت بينه وبين أصدقائه بسبب "نوال"، التى كانت ترافق نصف شباب الحى وتوهِم جمال بأنها تحبه وتستولى منه- أولاً بأول- على إيراد محل البقالة الذى تمتلكه أمه، ويديره هو، جمال حاد الطبع، ببصر ضعيف جدًا يرتدى نظارة سميكة لا تكاد عيناه أن تتبينا من عدستيها الثقيلتين، يخطط لقتل أمه كثيرًا ربما يقوم بمحاولة واحدة على الأقل كل شهرين، قال أحدهم إنه أوصل الكهرباء بحبال الغسيل المعدنية التى كانت تستخدمها، ربما فتح لها الغاز فى الحمام أكثر من مرة، أو وضع لها قشر موز على السلالم القليلة التى تستخدمها لتخرج من شقتها بالدور الأرضى للشارع أحيانًا، حاول بحيل كثيرة التخلص منها لأنها الطريقة الأسهل لاستيلائه على محل البقالة والشقة.. تلك الضيقة الصغيرة المظلمة مثل جُحر، حارب كثيرًا للتخلص من أمه بطردها من بيتها لكنها كانت سيدة قاسية وقوية مثله، لم يفلح معها سوى الهدية التى أحضرها لها، قفص عنب بناتى يحتوى على أكثر من خمسة كيلو، السيدة المصابة بمرض السكرى المحرومة من الحلوى والطعام الحلو التهمت العنب كله وماتت وهى تبتسم، كانت لها ابتسامة محيرة على وجهها الشاحب الميت، تبدو من بعيد ابتسامة سخرية أو شماتة. 
جمال الذى تزوج بعد ذلك من سنية بنت محاسن الخياطة، حيث كان الشارع كله يسمع صوت صراخها، كان يعضها فى كل جسدها وصوابع يدها عندما يتشاجران، والحقيقة إنهما كانا يتشاجران كل يوم، وفى اليوم أكثر من مرة، غالبًا ما تنتهى بأن تخبطه بشىء ثقيل على رأسه، وسط الصراخ والضرب تسمع صوت شتائم فتقول له يا أعرج يا أعمى، ويقول لها يا صايعة أنا لميتك من الشارع.
أنجبت سنية بنت محاسن شيرين وحلمى، وعاشت مع زوجها لتربى العيال، تتحمل طريحة الضرب كاملة وترد عليه بالسباب والخربشة، والضرب أيضًا.
لكنها ذات مرة، وبينما ساح دمها كالمعتاد وخرجت للشارع شبه عاريه وهو مشهد كان مألوفًا تمامًا للجيران قبل أن يخرج هو خلفها بملاية يغطيها بها ويسحبها للداخل، وهو يصفعها ويركلها ويصرخ: "ادخلى جوه يا فاجرة"، هذه المرة لم تدخل معه وإنما جرت نحو القسم وحررت له محضرًا، وعندما عرف ذلك وقبل أن يجىء أحد للقبض عليه، جذب البت والولد من ملابسهما وضمهما بعنف لصدره، وقال لهما وهو يلملم ملابسه فى كيس مخدة قماش: "أمكم فرقت بينى وبينكم.. أمكم خربت البيت"، ضم الطفلين لحضنه ربما لأول مرة منذ مجيئهما للحياة.
فتح الدولاب وأخذ الذهب الذى كان قد اشتراه لسنية قبل زواجهما، وكل الأموال التى كانت فى الدولاب، وغادر. 
لم يسمع أحد عن جمال بعد ذلك، ولسنوات طوال، حمل الطفلان كل الغضب والكره للأم التى كما قال أبوهم فرقت بينهم.. وخربت البيت. 
سنية التى اكتشفت- بعد أن فاقت من صدمة هجر زوجها لها وللعيال- أنه باع محل البقالة قبل أسبوع من هربه، وأخذ ثمنه كاملاً، تركها بلا أى رأس مال وفى شقة صغيرة مثل الجحر، وعليها سنوات من الإيجار المتأخرة، ما شجع صاحب البيت على طردها هى وعيالها للشارع، وهو شىء لم يكن يجرؤ على فعله من قبل أثناء وجود جمال. 
عادت سنية للعمل عند أمها التى سريعًا ما ضاقت بها وبعيالها، لأنها كانت تخطط للزواج، عادت سنية لصاحب بيت زوجها وأعطته جزءًا من الإيجار المتأخر وطلبت منه عقدًا جديدًا باسمها، وعادت للشقة الجُحر، واشترت ماكينة خياطة وكافحت وربت الولد والبنت.
سنوات طوال مرت، كبر الولد وعمل فى تصليح السيارات، بينما دخلت البنت الجامعة وتخرجت مُدَرِّسة.
عندما جاء عريس لطلب يد البنت رفضت البنت وقالت إنها لن تتزوج يتيمة هكذا وأبوها موجود، لم تعارض سنية كلام البنت، التى طالما عاملت أمها- هى وأخوها- بكل نكران وغضب، فلطالما رددا أن أباهما لو كان موجودًا كان اشترى لهما أشياء أحسن، وجعلهما يعيشان حياة أجمل من التى وفرتها لهما الأم التى كانت السبب فى تفريقهما عن أبيهما وخراب البيت.
منذ ذلك الحين اشتعلت الجذوة التى لم تخمد أبدًا داخل الولد والبنت فى معرفة مكان الأب، بحثا عنه كثيرًا طوال عامين، حتى وصلا أخيرًا لمكانه فى بلد ريفى حيث يملك بيتًا صغيرًا ومحل بقالة صغير فى الدور الأرضى من البيت.
كان اللقاء مهيبًا، به الكثير من الدموع والحكايات، واللعنات لسنية التى فرقت بينهم وخربت البيت، نقل الولد والبنت ملابسهما القليلة وأشياءهما وذهبا للعيش مع أبيهما الذى كان قد تزوج منذ سنوات بعيدة من سيدة عاقر قضت معه عشر سنوات وماتت وورث عنها بعض المال وقطعة أرض صغيرة. 
كان الولد يغدق على أبيه، يشترى اللحم والسمك والخضروات من حر ماله، والبنت تعد أصناف الطعام وتلف لوالدها سجائره.
أكثر من شهر وجمال يتمرَّغ فى نعيم وحنان ولده وابنته، وذات ليلة اقترح الولد والبنت على أبيهما بيع العقار والمحل وقطعة الأرض التى ورثها ليعود معهما للمدينة، حيث يسترد شقة والدته التى طمعت فيها "سنية" واستولت عليها، بإمكانه أن يشترى محلاً جديدًا هناك ويفتتح بقالة كبيرة تضم أصنافًا فاخرة يستخدمها الناس بكثرة فى المدينة ويجنى ثروة بسهولة.
اختمرت الفكرة فى ذهن جمال، وخلال أيام كان قد باع كل شىء واستلم حقيبة نقود حملها وأطبق عليها جيدًا، بينما حمل الولد والبنت ملابسه وحاجياته وعادوا للشقة الجُحر، فتح الولد الباب وخبطه بقدمه ودخلت البنت وجذبت سنية من ملابسها وطردوها للشارع، بينما ارتسمت ابتسامة شماتة كبيرة على وجه جمال وهو يرى المرأة التى فرقت بينه وبين أولاده وخربت البيت تخرج للشارع مهلهلة وشبه عارية.
أغلقوا الباب وصنعت البنت وليمة احتفالاً بعودة رجل البيت وسهر الرجل وعياله ليلة طويلة رائعة بالعمر كله كما قال وهو ينهض لينام. 
فى الصباح وعندما استيقظ لاحظ اختفاء ماكينة الخياطة التى تخص سنية والتى كانت بجوار الفراش، نهض من مكانه وفتش عن الولاد لكن الشقة الجُحر كانت فارغة من كل شىء، فقط الفراش الذى كان ينام عليه.
اقترب بحذر وانحنى ليلقى نظره تحت الفراش حيث وضع حقيبة المال لكنه لم يجد شيئًا سوى شبح ابتسامة ساخرة قديمة كان قد تركها فى نفس المكان منذ سنوات بعيدة.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قصة"
 

  » ابتسامة تختبئ هناك
  » الرجل القادم من هناك
  » المَثَّال
  » شعاب الشرم الروحية
  » صور باهتة
  » صوفيا هارون
  » عقوق
  » قشعريرة مفاجئة لرجل ميت
  » وصل عائدًا

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 9 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية