الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
الرجل القادم من هناك
 

شريف الجهنى


هذا المجنون الذى يتربص بى، حاول قتلى ثلاث مرات، طعننى ذات مرة فى الزقاق المظلم، ولكن شاء القدر أن تمر الطعنة بجوار القلب، أبصرته من الخلف وهو يعدو.. بعدها بشهرين صدمنى بسيارته؛ فانكسرت ساقى وظلّت مجبرّة لشهرين، لم أستطع تحديد ملامحه للشرطة، فالضوء الذى انعكس على وجهه وهو خلف المِقود لم يكن كافيًا لأرى سوى عينه اليمنى وصدغه قبل أن أغيب عن الوعى، أمس الرصاصة مرت بجوار رأسى قبل أن تخترق زجاج محل الأحذية فيتكسرـ انحنيت وعرجت إلى حارة جانبية لأهرب من الرصاصة الثانية، أنا إنسان مسالم لم أتسبب فى ضرر لمخلوق فى حياتى، لا أعرف ماذا فعلت لهذا الشخص حتى يطاردنى هكذا، لا يوجد لدى خلافات مع أحد، ليس لى أقارب يرثون تركتى فيسعون لقتلى، وحتى لو كان لى، فأنا لا أملك من الدنيا سوى تسعمائة جنيه فى حسابى البريدى، وقُرطًا ذهبيًا أعتز به كثيرًا ورثته عن أمى، قال صديقى فى المكتب: استأجر بلاطجة يمشون خلفك ليمسكوا بهذا المجرم، فالشرطة لديها ما هو أكثر أهمية من حياتك.
- والكُلْفة؟
- ثلاثة آلاف جنيه فى الشهر الواحد.. ألا تستحق حياتك هذا المبلغ يا مغفل؟
قالها بنبرة تهكمية.. من أين لى بهذا المبلغ؟ ولو دفعته ما الضامن لى أنه سيظهر- هذا المجرم- قبل انقضاء الشهر، وربما ينجح فى قتلى، أو يخفقون هم فى الإمساك به، ويضيع المال هباء، الرغبة فى معرفة دوافع هذا الشخص وكنهه كانت أكبر عندى من الخوف على حياتى، فليس لدى ما يدفعنى للتمسك بها، فكم من مرة فكرتُ فى الانتحار، ولكننى أجبن من أن أفعلها، وقفت ذات ليلة على حافة الجسر النيلى، وقفت طويلاً، لم تواتنى الشجاعة لأقفز، جاءنى شاب تبدو عليه علامات التشرد، وقال لى: إما أن تقفز، أو تنصرف.. أراقبك منذ ربع ساعة من تحت الغطاء من على الرصيف المقابل، وأريد النوم يا جدع، وأنت تخايلنى.
كان يلوح بذراعه المشوه من كثرة الوخزات. نزلت من أعلى السور وانصرفت مشيعًا بضحكات ذاك المخدَّر المأفون.. بِعتُ القرط الذهبى، واستأجرت اثنين من البلاطجة ملامح الإجرام تكسو وجهيهما.. حقيقة الأمر أشعر بالخوف منهما أكثر من خوفى ممن يتربص بى.. ثم إنهما يأكلان كالبغال، استنفدا ما بقى من ثمن القرط فى أسبوعين فقط، وسحبتُ ما لدى من رصيد فى مكتب البريد أيضًا، فلقد أخذت خطوة ولا بد أن أكملها، كانا يسيران بعيدًا منى حتى لا يلفتا انتباه المجرم فيبتعد، كنت أتعمد السير فى الأماكن المظلمة لأشجعه على الخروج.. ولكن لا فائدة.. هسسس ماذا؟ الآن أشعر بخطوات هامسة خلفى.. هل يكون هو؟ ولا أسمع صوتًا لزوج البغال اللذين يقومان بحراستى.. يا بهائم! سارعت الخطو، فتسارعت خطوات من يتبعنى، لا أريد أن أنظر خلفى، فلن أُضيّع الفرصة، ولجت زقاقًا جانبيًّا، ولج خلفى.. لا بد أنه هو.. هرولتُ، هرول ورائى، عدوت، فعل مثلى.. وجدتنى أمام حائط مسدود، أين المفر؟ ها هو يتقدم نحوى، أريد أن أرى ملامحه.. من أنت؟ اتَّجَه مُسرعًا نحوى.. أمسكنى من رقبتى بيده القوية، دفعنى إلى الحائط ويده اليمنى مشرعة بسكينٍ كبيرٍ.. قلتُ له: قبل أن تقتلنى أريد أن أعرف من أنت؟ ولِمَ تريد قتلى؟ ماذا فعلت لك؟! اقترب منى فانعكس ضوء المصباح الوحيد فى الحارة على وجهه فأبصرته؛ إن له نفس أنفى، عيناه مثل عينى.. يبدو كأننى التقيته من قبل.. عرفته قبل الآن.. أكلنا وشربنا سويًا.. كررت السؤال؛ فوجدته يغالب دموعه وهو يقول: جئت لقتلك لأمنعك من ارتكاب جريمتك فى حقنا، قلت: حقنا! عمّن تتكلم؟ وما جريمتى؟! ومن أنت يا رجل؟ هل تعرفنى؟ فقال والسكين يهتز فى يده المرتعشة، وقد انعكس الضوء على نصلها: أنا.. أنا من أبناء أحفادك، وجئتك من عالم لم يأتِ موعده بعد؛ أرسلنى أحفادك حتى أمنعك من جريمتك..
- أحفادى! هل تهذى يا رجل؟ وعن أى جريمة تتحدث؟
- أكبر جرائمك أنك كنت سببًا فى أننا أتينا هذه الحياة؛ لذا سأقتلك حتى أمنعك من فعلها، حتى لا نولد ولا نكون.
فى هذه اللحظة انشقت الأرض عن الحارسين، وأمسكا به بأذرع قوية.. أسقط أحدهما السكين من يده.. حاول التملص منهما فلم يستطع، أحطتُ وجهه بكفى فتبللتا من دموعه. نظرت لعينيه طويلاً ثم قلت للحارسين: دعاه إنه صديقى، وكان يمازحنى.. لم يتركاه، فكررت عليهما الأمر وأخرجت ما تبقى معى من مال وأعطيتهما إياه، فنظرا إلى بعضهما البعض بتعجب ثم تناول أحدهما المال وجذب زميله المشدوه وانصرفا.. تناولت السكين من على الأرض، ودفعت بها إليه وأنا أقول: فلتفعلها إذن ولكن سريعًا.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قصة"
 

  » ابتسامة تختبئ هناك
  » الرجل القادم من هناك
  » المَثَّال
  » شعاب الشرم الروحية
  » صور باهتة
  » صوفيا هارون
  » عقوق
  » قشعريرة مفاجئة لرجل ميت
  » وصل عائدًا

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 9 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية