الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
شعاب الشرم الروحية
 

طارق الصاوى خلف


استقبلت بوجهى شمس الأصيل.. من خلفى القمر دائرة بيضاء فى سماء زرقاء، خرير الموج الهادئ للخليج الصافى يشبه صندوقًا من زجاج.. تتقافز – داخله- ذريعة الأسماك فى بهجة.. عن يسارى مبنى بسيط من طابق وحيد لا شىء يعلوه تتناثر به طاولات مطعم شعبى فريد بين كافيتريات قرى سياحية.. جلست على حافة البحر أبلل قدمى بمائه.. فتحت الجريدة أتوارى خلف صفحاتها، أنظر للسائحات اللائى يدفن أنفسهن فى الرمال الساخنة.. تنهضن كحوريات البحر.. تلقين بأجسادهن الوردية فى طيات الأمواج.. خلعت النظارة الشمسية. طفت بنظرة فاحصة على المكان.. فتاة باسمه الوجه، طويلة القامة.. رشيقة.. تدور كالنحلة فى المكان، تلسع العاملات بلسانها.. توقفت بجوارى قارورة عطر سكبت حولى، سرعان ما وجدت كفها فى كفى بردًا يعادل حرارة وجدى، ببساطة ذكرت اسمها.. نطقت بدون وعى اسمى كاملاً.
استأذنت فى الانصراف.. غابت الشمس ولم يملأ الأفق بعد القمر عجزت أضواء الكهرباء عن سد الفراغ الذى خلفته.. فقدت شهية النظر بعين فاحصة للأجانب وشركة الجمال الوطنية دخلت على خط المنافسة.. بل كسبت السباق.. اكتفت النفس المتشوقة للورد بالصنف البلدى المفتخر.
قضيت شوطًا طويلاً مع نفسى، توالت المشروبات بالنزول على المائدة بطلب منى وبدون أى نية أو رغبة، تقدمها فتاة يغزو وجهها حبوب ذات رءوس سوداء، صورتها نشاز فى لوحة من الروعة، تقودنى إشارتها للمكتب الذى يجلسان عليه قائلة: المس تهديك التماسى.
طلوع الروح أيسر من مغادرة المكان.. سرت -مجبرًا- فاردًا جسدى، رافعًا للنجوم رأسى، مشمرًا القميص ليظهر تناسق عضلات الصدر مع الذراعين.. قاومت رغبة قديمة متجددة بطلوع النخل حاملاً اللقاح لغرسه فى تاج الجريد.
وضعت الأوراق المالية على المكتب، يتوغل لدروب النفس ضيق من التكلفة الباهظة لنزهة سأعانى منها طوال الشهر.. قبضت النقود بأناملها فردت كفى وضعتها فيها.. الرجل الجالس بجوارها ينظر ببلاهة للمغنية العارية على الشاشة الكبيرة.. يفتح فمه بابتسامة بلا معنى.. وأنا متسربل فى عرقى.. عقلى لا يجد تبريرًا لكرمهم المباغت معى. وقف الرجل منهيًا حيرتى، ترددى.. إصرارى على الدفع.. صافحنى.. دفع بكفه كتفى قهقه: شرفت.
قالت بدلال.. وأنا أسير على العشب الجاف: سننتظرك.
حمل قلبى جنينًا مشوهًا لحب طريقه مسدود.. الشرم تعرف ما يجمعها بهذا الكهل.. أعلم يقينًا أنه يقدس فى الدنيا عجلين المال وهذه الفتاة التى لا تدير فقط مشروعاته بل تتحمل مسئولية انهيار علاقته بأسرته.. هجرته – لأجلها- زوجته، شيدت من رفضها سدًّا منيعًا حال بين الأبناء واستمرار مشاعر الاحترام لمن أنجبهم.. وضعت همها فى إدارة بازار فى السوق التجارى.
ألقيت بهما خلف ظهرى.. أخذتنى طقوسى اليومية.. أمارس مهام عمل يسعدنى القيام به بكل همة، يتملكنى إحساس رهيب بالمسئولية. أعتبر نفسى راعيا لترس صغير فى دولاب الروتين الدائر بعمق خارطة نشاط الحكومة.
ساقتنى خطواتى لتحدى ذاتى بقضاء وقت التنزه فى مكان يشعرنى بالخوف فوبيا السقوط من الأماكن المرتفعة هضبة أم السيد ذات الطبيعة الانكسارية لصخورها تجد نفسك - فجأة- على حافة الهاوية، لو قدمت ساقك ستسقط من علو مئذنة.
 أمام الكافتريا المطلة مباشرة على الخليج أقيم سور جميل من الخشب المحفور برسوم فرعونية أنظر من ورائه للشعاب المرجانية فى الأسفل.. أفزعتنى يد رقيقة قوية تغطى عينى من الخلف، كأنها صديقة مقربة، جارة قديمة شاركتها فى لعبة الزفاف، توقعتها من عطرها.. كتمت فى صدرى غضبًا ليس له معنى منذ نمت لسمعى حكاية – متوقعة- لزواج الربيع من الخريف.
تمثل شرم الشيخ نقطة ضوء باهرة على خليج العقبة، تضمها الجبال فى أحضانها كأنها قلاع تقيها غدر متربصين لكنها -لأهلها – قرية بلا أسرار تسمع فى شوارعها، على مقاهيها ما لا تستطيع وسائل الإعلام معرفته، يتناوله الرائح والغادى داخل غرف الاسطف (عمال الفنادق) أو فى المصالح الحكومية.. عندما تجد فى المدينة كمائن الأمن منتشرة.. يكفى أن تشير بدوران يدك للأمين فيقول لك: الرجل الكبير هنا، (العيلة)، الهانم، الأولاد يقصد الأحفاد. يخبرك رجل المرور باسم رئيس، أمير، وزير خطير فى زيارة لم يعلن عنها.
يصنف أهل الشرم على أنهم من العالمين ببواطن الأمور، ذاع خبرها، سر حملها لم يطلع عليه إلا أصحابه لكنه أبى أن يبقى طى الكتمان.. شط بى حصان الخيال سوء النية، تصورت ترحيبهم بى خطة تحولنى لكوبرى يمر عليه موكب خطيئتهم.. استدراج لكى أكون غطاء لبالوعة مجارى.
لحق زوجها بها.. عانقنى.. هزنى، سبابة اللوم ترسم علامة تعجب على وجهى، يعاتبنى بود وفى حلقه مرارة بالغة كأننى واحد من ذوى القربى.. قاطع رحم لم أصله بالذهاب إليهم.. السؤال عليهم، جلست أسير إحسانهم، مربوط بالحزام فى المقعد الأمامى للسيارة والمدام تقودها لتوصيلى لحى النور حيث المساكن الشعبية للعاملين المميزين والمحظوظين فى المدينة.
أعترف لنفسى.. لست أبادلهم هذه المشاعر الجياشة الغير مبررة كأنها شعاب مرجانية أطبقت على مركب ضال أبحرت فى دروب الحياة، تذكرت سذاجتى حين أتانى النبأ شعرت أن شباكهم نصبت لتصيدنى لتحمل مسئولية وقوع الميل فى المحبرة.. اعتقدت أن الصفحة – وقتها- طويت.. لكن فوجئت بالسجل مازال مفتوحًا تضاف له كل فترة سطور جديدة ترتبط بلحظات حاسمة فى حياتهم.
شهدت لحظة قطف الثمرة، خروج المولودة للحياة فى عنبر النساء بمستشفى الهرم.. مصادفة مدهشة أوقعتنى فى يده.. تجاهلته فى البداية لكنه أتى نحوى، اقترب ببشاشة منى، ادعيت الانفعال، الاهتمام، شعرت بتعاطف عميق تجاه رجل ذهبت فى هذه اللحظة سحر أناقته.. شيخ لا يدرى ما يفعل، طلبات طاقم التمريض تحتاج سرعة الاستجابة، القدرة على الحركة بخفة، تمرد شيطانى على كونى قدميه التى يسعى بهما. فكرت فى الهروب من الموقف.. ردتنى بقية من شهامة.. حملت الطفلة، استندت المرأة فى مرحلة الإفاقة على ذراعى، قدت السيارة حتى الفيلا.. وضعت الطفلة على مهدها فى المرآة، لمحت فى وجهها صورة ولدى الذى ترفض أمه أن تترك موطن ميلادها، تتحمل معى هم الغربة، تشاطرنى فطيرة الوحدة.
عرفت ساقى طريق الفيلا، زاد ترددى عليهم.. بحثت عن تبرير أخلاقى لسلوكى أمام عيون مجتمع لا يغادر شاردة ولا واردة إلا علق عليها.. فسرها كما يحلو لمزاجه، حبكت قصة قابلة للتصديق زعمت فيها، أنها ابنة خالتى، أضفت لتصاعدها الدرامى فى رءوس من حشيتها بها أنها أختى من الرضاع.
عاهدت الله، أقسمت لنفسى يمينًا مغلظًا ألا أخون عجوزًا أصيب بمرض فى الكبد حتى ولو فى أحلام يقظة فى ليل الوحشة.. استسلمت للأمر الواقع أصبحت أقرب للرجل من ذراعه صدق المحيطون بنا الكذبة، رأيت فى عيونهم تقديرًا لعنايتى بهذه الأسرة الصغيرة الموسرة والمسالمة.
دمعت عينى بعد أن أسر لى الطبيب: لم يبقَ للشيخ من أنفاس على ظهر الكرة الأرضية سوى القليل سينفقها فى ساعات معدودة.
ملئت عينى بنظرة طويلة خزنتها بعقلى للرجل الراقد مستسلمًا برضا على فراش المعاناة والألم.. أخبرنى بلسان متلعثم عن سر حيرنى "أنه رأى فى وجهى شبابه.. شعر بانجذاب روحى غريب ناحيتى فرح يغمره كلما قابلنى كأننى ابن أخيه"
.. ضحك.. وزوجته تجلس على السرير بينى وبينه.
قال بسخرية أشعلت جوفى بالمرارة وهو يحرك سبابته بصعوبة يشير لنا:
 بنت، شايب وولد.
"أرفض تمامًا لعب دور ولد يجمع ما يتركه الآخرون على الأرض" قلت لنفسى.
شهق.. تقطعت أنفاسه.. تلون وجهه بين الصفرة والزرقة.. تحركت ببطء مؤشرات أجهزة تقيس النبض.. ضغط الدم.. ضغطت- بعصبية- زر الاستدعاء.. تقاطر الأطباء والممرضون على الغرفة دفعونا للطرقة.. أسلمت البنت للمربية.
انتحبت سيدة شابة عبرت عتبة الترمل.. لطمت وجهها، ضربت بكلتى يديها- بقسوة الحزن الساكن فى قلبها- كتفى.. تألمت، دمعت عينى.. مسحت دموعها، رقصت مفاصلها من الصدمة، لم تجد إلا صدرى تنحنى عليه، تلقى برأسها فوقه تدفن فيه ثكلها.. فتحت ذراعى أواسيها بدفء مشاعرى مررت يدى على ظهرها.. أخفف عنها حرارة همها.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قصة"
 

  » ابتسامة تختبئ هناك
  » الرجل القادم من هناك
  » المَثَّال
  » شعاب الشرم الروحية
  » صور باهتة
  » صوفيا هارون
  » عقوق
  » قشعريرة مفاجئة لرجل ميت
  » وصل عائدًا

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 9 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية