الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
صور باهتة
 

محمد عبد الحكم حسن


وحده والبيت، سران لم تهتكهما العيون المتطفلة ولا التكهنات أو تداعى السير، العجائز اللائذون بالصمت والشماتة وبلل الجدران، حين يرمقونه، تهب على ذاكرتهم ريح الأيام البعيدة، حيث شجرة اللبخ وأجسادهم المربوطة، ولسع الكرابيج، وبصات العيون المتفرجة من خلف المشربيات، وسماء الله العالية تحتوى صرخاتهم المكتومة وآهاتهم الطويلة، تلك التى يجفل منها العابرون، فيتفرقون فى الدروب مبتعدين إلى أقصى درجة عن هذا الصراخ المتلاحق واللسع المرير.
المصابيح القديمة تبدد كتل الظلام القابعة فى الحجرات الواسعة، تحتوى الأريكة جسده المتعب، يستسلم لهذا النمل الخفى وهو يخرج من قدميه المتعبتين تاركًا الجسد يستشعر راحة ما، راحة ستتوحد مع هذا العبق والطلاء القديم ولوحات لفنان مجهول، وصور العائلة على الجدران تبص بعيون لا تطرف.
الهواء الرطب يتسلل من فتحات المشربيات، ويلملم النهار بقايا الضوء وينسحب بعيدًا متدحرجًا خلف الشاطئ البعيد.
ثمة حكايات بينه والأشياء، حين يومئ إلى الكرسى المقابل، ويدفع بيده شرابًا قُدم له من يدٍ مختبئة، يهز رأسه على موسيقى لا وجود لها، ويبدى اندهاشًا لحكاية لا يسمعها أحد سواه، يحرك شفتيه بموشح قديم، وينتشى لرائحة الصندل والبخور والطلاء القديم المزركش، كل الأشياء من حوله تنتصب، صور العائلة، لوحات الجدران وأحصنتها وطيور النورس، موسيقى قديمة تنبعث من إسطوانات متهشمة متناثرة على السجاد، ترقص الأثواب المعلقة والصور الباهتة.
يقوم، هو الجسد المعبأ بالترانيم والتراتيل وتدفق الدم العفى فى الشرايين، والوجه الشارب من العز البائد، ينتفض الآن مترعًا بالوجد والمجد والشوق، والأشياء حين تندفع إلى الصالة الكبيرة تدب الحياة فى رحابة البيت، ينحنى تحية للوفود التى أخذت أماكنها على الأرائك، وراحت تتابعه وقد بدأ رحلة الرقص، فدار كدبور على السجادة المزركشة، تاركًا لجسده الانطلاق والغوص فى عمق الزمن والحكايا ودقات الدفوف وتلاحم الأشجار، والظل الممدود، وصهيل الأفراس فى الإسطبل، وبريق الخواتم وفصوصها الماس، والتحف والتماثيل، والقصائد المنطلقة من شفاه سكريات، ورش ماء الورد على واجهات المشربيات، وصوانى الشركسية، وإسطوانات الآنسة أم كلثوم وعبده الحامولى وصالح عبد الحى ومنيرة المهدية.
يتقدم الآن، يلقى عليهم التحايا، وها هو الليل يشقه سيف الوقت شطرين، حيث ستصل رقصة المساء إلى ذروة بهجتها.
فكل العائلات التى رحلت اكتملت الآن، أخذوا أماكنهم، حتى خادمهم الذى غرق معهم فى الباخرة ها هو يقف بملابسه الجميلة وانحناءته المؤدبة، فى انتظار إشارة.
تميل الطرابيش وتنفتل الشوارب، وبإشارة من الجدة يبدأ فى توزيع الفناجين على الصينية المنقوشة بالذهب، واحدًا فواحدًا يأخذون ويشربون متلذذين، يقلبون الفناجين ويقرءونها.
وتشير الجدة بشموخها والرهبة الساكنة فى عينيها.
- ابننا رشدى.. وسناء.
الرشيقة تعدل من ثوبها وتقوم بوجهها المستدير وعينيها الواسعتين، ذراعاه المفرودتان تأخذانها، تلك التى ماتت فى حادثة، كانا قد أوشكا على إتمام الزفاف، فرقتهما البواخر والأوامر والأماكن، حين جاء أمر المغادرة وداست لأول مرة أقدام لا يرغبون فى دخولها هذا البيت، ودحرجوا الأشياء عن أماكنها، تلك الأشياء التى وضِعت ورصت بعناية، كل على حسب مكانته وذكراه واليد التى قدمته أو وضعته.
ووقف فى وجههم، قالها لهم صراحة: (خذوا كل شىء واتركونى وهذا البيت، إنى أحب مصر ولن أرحل).
وأصر، حتى عندما سحبوا الخيول والسيارات وعلب المجوهرات لم يتحرك من على هذه الأريكة، فقط امتلأت المطفأة أمامه بسجائره الفاخرة التى شربها ربما لآخر مرة، وأغلق الباب خلفهم فى عنف، وتركوه هنا وجاءه خبر غرقهم فى الباخرة، وظل وحيدًا يقاسى آلام الفرقة والجوع والتطفل على الأسر الفقيرة الباقية.
هى بين يديه الآن ـ سناء ـ خفيفة كطيف، كالظل يحملها، ويرقصان، والموسيقى حين تنطلق من الإسطوانات المتهشمة المتناثرة على الأرض تعيد ترتيب الأشياء، اندفاعها، انسجامها، والجالسون على الأرائك تهامسوا وحكوا وتمايلوا، وهما يدوران كظلين تحت المصابيح الشاحبة والشمعدانات الصدئة، العرق حين يسيل على الوجه الأحمر يزداد إشراقًا، يروح ويجىء وسط تصفيق المقاعد والجدارن والصور وخشب الصندل والعيون التى تلاحقه باستحسان ودقات الأرجل على الأرض الخشبية، الذراعان مفرودتان والجسد الممتلئ يدور، والزمن قد توقف عند الساعة القديمة، هو لا يريده أن يتحرك، لا يريد أن يتذكر الرحيل أو الحادثة أو وحدته بين هذه الجدران.. فقط هى بين يديه يرقصان وسط العائلة.
والليل.. لا ليل، ملتهبٌ هو الجسد الهائم فى رقة الطقاطيق وشدو الموشحات، فليحملها إذن على حصانه الأبيض ويمرقان بين الزروع الوسيعة والهواء البكر الندى.
لا يدرى كم من الوقت مَر وهى بين يديه، هينة، عذبة، دافئة، رقيقة كليل صيفى، تحتويه على فرُش السندس والوجد والارتحال.
لقد بدأ الضوء يدخل الآن من فتحات المشربيات، يحمل النسمات الصاقعة وصوت العصافير بالخارج، ويصافح بيد بيضاء هذه البراويز المعلقة على الجدران، نفس الوجوه الصامتة والشوارب المفتولة والطرابيش المائلة على الجباه، والمقاعد على هيئتها، غارقة فى الصمت، فارغة من الأجساد والدفء، الفناجين ممتلئة بالهواء والتراب الناعم، متبعثرة على السجادة اللدنة، يعبئها الضوء فتبدو نمنماتها واضحة ورسوماتها متقشرة، تنسحب الأجساد وتستقر فى البراويز صامتة.
والجسد، ذلك الملتهب بالحمرة والانسجام وانطلاق الروح فى عالم الوجد، يروح ويجىء وسط الصالة العريضة، وما يزال هو الهائم يستشعر وقع التصفيق فى أذنيه، وهى برقتها ودفئها بين يديه.
- صباح خيرات.
قالها النهار البكر المنسلخ من عتمة الليل، ودغدغ بحفنة من الضوء عينيه المسدلتين الهائمتين، وأطلق فى فضاء البيت عصفورًا، دار فزعًا وتخبط وعاد إلى واجهة المشربية.
يبص الآن، هو الجامح فى فضاء الصالة، حيث الأشياء غارقة فى الصمت، مكسوة بالتراب والهسيس، فيرقد متعبًا بين فناجينه والإسطوانات القديمة المتهشمة والأشياء المتبعثرة، تلك الأشياء التى سيعيد ترتيبها عندما يستيقظ.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قصة"
 

  » ابتسامة تختبئ هناك
  » الرجل القادم من هناك
  » المَثَّال
  » شعاب الشرم الروحية
  » صور باهتة
  » صوفيا هارون
  » عقوق
  » قشعريرة مفاجئة لرجل ميت
  » وصل عائدًا

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 9 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية