الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
صوفيا هارون
 

أشرف الخمايسى


عندما دخل العمرانى محمد إمام على زوجته وبنتيه، قادما من المركز الصحى، يحمل صغيرَه على كفيه كان ذاهلا، فأدركت زوجته أن ولديهما لن يعيش طويلا، لكنها تمنت لو ينطق زوجها بما يهدئ ضجيج قلبها قليلا، لو يقول لها إن الولد سيعيش بعدهم حتى لأسبوع واحد، فهذا فقط ما سيجعلها تفكر فى نهاية أخرى لحياة أسرتها التى سيقضى كل أفرادها فى نفس اليوم! هى والعمرانى وبنتاهما! وأن يموت الجميع دفعة واحدة فى نفس اليوم يعنى أن حادثة كبيرة مرعبة ستنهى آجالهم، قد ينهار البيت فوق رءوسهم، قد تنفجر أنبوبة البوتاجاز لتحدث حريقا يلتهمهم بلا شفقة، لا توجد احتمالات أخرى غير هذين، لأنها والعمرانى، بعد مناقشة طويلة، قررا عدم المغادرة وقت حلول الأجل والمكوث فى البيت، سبق أن اقترحت عليه توزيع أنفسهم فى هذا اليوم المشئوم على بيوت الأقارب والجيران، بهذه الطريقة فقط يمكن لهم أن يطمعوا فى ميتات عادية، مثل الناس، لكن العمرانى محمد إمام رفض الاقتراح تماما، وقال: نبقى طول حياتنا متجمعين فى بيتنا وعندما نموت نموت مشتتين فى بيوت الناس!
قالت سيدة عبد الرحيم الطيب ترد عليه: أنا خايفة من هدد البيت أكثر من الموت نفسه، نفسى يا عمرانى أموت بهدوء على سرير مثل بقية خلق الله! نفسى البنتين يموتا ميتة مستورة!
فقال لها: الليلة تلدين، وغدا أحمل ما جابه الله إلى المركز الصحى، وإن شاء الله الجهاز يحدد تاريخ موت للولد غير تاريخ موتنا، ونضمن أن النهاية لن تكون بهدد ولا حريق.
- يمكن يكون هدد وكلنا نموت والولد ينجو!
زعق العمرانى محمد إمام: لكن نقدر نفكر فى مصايب أخرى غير الهدد والحريق يا سيدة!
كانت ستقول له: "طيب هدى أعصابك"، لكنها سكتت، إذ كيف يمكن له أن يهدئ أعصابه وهو يعيش مثلها ما لا قبل لبشر به، حتى لو كان بشرا نبيا!
ولدت سيدة عبد الرحيم الطيب الولد المنتظر فما فرحا به لحظة واحدة، بل تحول من أمل جميل فى امتداد ذريتهما إلى مجرد مؤشر مرعب ينتظران استقراره كى يتوقعا أى ميتة فيها نهايتهما، ونهاية كل الأسرة!
وها هو العمرانى محمد إمام قد عاد بوجه ذاهل، وعندما نظرت زوجته فى عينيه، لوى شفتيه، وهز رأسه باليأس، فعرفت أن القدر قد أحكم الخناق عليهم جميعا، وأن الميتة فظيعة.
يومان فقط وستحل الكارثة، انكمش العمرانى محمد إمام انكماشة مفاجئة، رغم أنه يعرف منذ زمن طويل أن هذه المصيبة كائنة، منذ عشر سنوات وهو يعرف، بالتحديد منذ أن حدد جهاز الصحة يوم وفاة سناء، ابنته الصغرى، تجرع الصدمة يومها بغصة مزقته آلاما، أربعة أنفس فى يوم واحد! أسرة كاملة! يومها ارتفع وجهه لا إراديا للسماء وقال: "ما فاهم شى!". 
أمور كثيرة غير مفهومة يا عمرانى، العالم كله من حولك غير مفهوم يا عمرانى، وإذا حاول أحدهم الفهم يمنعه الجميع، معهم حق! هذا كون لن تستطيع العيش فيه إلا بعقل حمار، يأكل ويشرب ويساق ويرضى ويصبر، اقض حياتك يا عمرانى على مراد الله، وبنفس الكيفية التى يمارسها كل حمير خلق الله!
لكن القلب المقطوع غير القلب المجروح، وقلب العمرانى محمد إمام قُطِّع حد التمزق، كلما حاول الصبر بالتلهى، وطلب من زوجته إعداد أكلة شهية، أو مشروب حلو، أو حتى نومة خضراء فى ليلة حمراء، تطلع له صورة أربع جثث مكفنة يحملها الناس فى يوم أغبر ويخرجون بها من باب بيته. فى الأول كان يبكى، ويتخيل لو أن المشهد يكون ألطف! لو أنها جثة وحيدة هى التى تخرج! يخرج ممددا على خشبته مودعا بصرخات سيدة عبد الرحيم الطيب، وبكاء ابنتيه وقد بلغا سن العرائس، لكن...
بعد "لكن" هذه ينظر إلى السماء، يريد رؤية هذا الإله الذى يجلس خلفها على عرشه، يدير الكون بحكمة يصفها كل الأنبياء والمشايخ والصالحون بأنها حكمة بالغة، يريد أن ينظر فى عينى ربه قبل أن يزفر زفرة حارة، مشتعلة، ثم يهمس له: "طيب نفهم الحكمة البالغة يا رب!". لكن السماء ليست هواء صافيا ولا زجاجا شفافا يتيحان رؤية ما خلفهما، إنها حاجز حديدى مخادع، لونه بهيج لكنه قاس مصمت.
وأصل العمرانى محمد إمام حيوان منوى تكون من عصير حبات العنب اخترق بويضة تكونت من معجون حبات البلح، إنسان متقلب المزاج، متغير الأهواء، طيب القلب، إذا حوصر فى ضيق يقدم على ارتكاب أى حماقة بسهولة!
لم يقض يوميه الأخيرين يملأ عينيه من عياله كما يجب أن يفعل من فى مثل هذا الظرف، لم يحضن سيدة حضنا واحدا، ولم يخرج من بيته، وإنما استقبل المودعين بصمت بارد، وكره مشتعل، إنهم لا يودعونه بقدر ما يلبون شهوة داخلية تدفعهم إلى الفرجة على هذه الأسرة المنكوبة، يسلون أنفسهم على حسابه، يرتاحون كون الله خصهم بميتات عادية، وحتما يدور فى أنفسهم أنه، وربما بصحبة زوجته سيدة عبد الرحيم الطيب، عمل عملا أسود أغضب الله ليقضى عليهم جميعا بهذه النهاية التى لا يتمناها عدو لعدوه، هدد البيت أو الحريق! ميتة وخراب!
أغلق الباب فى الليلة الأخيرة، ورفض فتحه لأى طارق، اتجه إلى الثلاجة، أخرج منها كل ما فيها من بقايا طعام، وفرخة كبيرة كاملة كانت فى "الفريزر"، وطلب من سيدة طهيها فورا، وجلس أمام التليفزيون، أجساد بشرية تتلوى على الشاشة، وأصوات تختلط، لم يركز معها، إذ إن رأسه مال إلى الوراء ليرفع وجهه ناظرا إلى فوق، صدره يجيش بموار غضب مؤطر بالخوف، يريد أن يسب الله لكنه خائف، فيهمس محتجا: "طيب نفهم الحكمة البالغة!". 
التفت لسامية، ابنته الكبرى، ذات الخمسة عشر عاما، وهى تقول محتجة: فهمنى حكمتك يا والدى! لم نفرغ الثلاجة من كل الطعام طالما إننا لن نسافر!
صمت صمت الله فى عليائه، لكن صمته صمت حائر ضعيف، بينما صمت الله صمت الواثق الجبار!
البنتان لا تعلمان توقيتى انتهاء عمريهما، فما زالتا لم تبلغا الثامنة عشرة بعد، لكنهما لاحظتا أن جو البيت تعربد فيه عاصفة قتامة، تعفن برائحة الركود، أناس كثيرون دخلوا وخرجوا، لكن بشاشة مرح استقبال الزوار لم تتضح على أى من وجهى أبويهما، وإنما ذهول يغطى وجه العمرانى، وسيدة كالحة، وأخوهما فى اللفة يبكى كثيرا حتى وحلمة بز أمه مغروسه فى فمه، يلوى شفتيه الرقيقتين كأنه يرضع الحنضل، لا اللبن!
فى غرفتهما قالت سناء لسامية: يمكن أبى سيموت، أو يمكن أمى.
وقالت سامية لسناء: ويمكن واحدة منا، ويمكن أخونا، إنهما لم يسميانه!
وفى المطبخ سألت سناء أمها: "من منا سيموت؟". لم تجب سيدة، ووأدت دمعة قبل بزوغها، وخرجت إلى الصالة، وقالت للعمرانى محمد إمام بصوت هامس: "نترك الثلاجة فارغة تماما! ماذا يقول الناس؟". لوى شفتيه، ودون أن ينظر إليها قال: "الهدد أو الحريق لن يبقيا ثلاجات يمكن فتحها، اسمعى الكلام واطبخى كل الأكل، يلعن دين الناس".
"أستغفر الله العظيم"، همست سيدة واستدارت عائدة إلى المطبخ، وبينما تمرق إلى داخله سمعت صوتها يدب فى أذنيها: "آخر مرة تطبخين فيها يا سيدة". ترنحت عندما دارت الأرض فجأة تحت قدميها نصف دورة، ثم ثبتت بعد أن استندت إلى الثلاجة، أغمضت عينيها وفتحتهما لتشعر وكأنها تقف فى مطبخ غير مطبخها، نفس تقسيمته، نفس الأثاث، لكن الألوان! يد السكين برتقالى ناصع، حمالة الخضار البلاستيكية طبقة صفراء وطبقة ليمونى ناصعين، الثلاجة ترهج بالفضى الناصع، والبوتاجاز أحمر قانى ناصع كأنه يسكب دماء صخابة، وأعواد الملوخية تنفض اخضرارا ناصعا، حتى البصل لمع بالذهبى الناصع!
انتفض قلبها، ازدهت الألوان قبل المغادرة الأبدية! وأحست بما لم تحسه من قبل، هذا الوقع لخطى الثوانى، أقدام عساكر فى أحذية ثقيلة تسحق كل جسدها. 
لماذا لم تكن ألوان المطبخ ناصعة هذا النصوع من قبل!
حتى أوراق الملوخية شذت برائحة الندى، البصل شع برائحة الشروق، الماء ينسكب من الصنبور شلالا عطريا يفوح بالدفء! المطبخ تأجج بروائح لم تشمها فيه من قبل!
كما داهمها حنين جارف للعمرانى! 
مسكين العمرانى! ظل طول حياته معها يسمع الممثلات فى التليفزيون وهن ينغجن بكلام الحب للممثلين فى المسلسلات والأفلام، ولم يسمع منها كلمة حب واحدة، مع أنها تحبه! أخلصت له حتى إنها لم تر رجلا يناظره، هو الرجل الوحيد والباقون ظلال يتحركون فى عالم ما كان للرجال أن يكونوا فيه إلا لحتمية وجودهم! إذا سافر ضربتها الوحدة، وإذا حضر نامت بعمق، وإذا خرج تقف فى النافذة تراقبه وهو يهز سمنته فى الشارع حتى يختفى عن ناظريها، وإذا دخل لا تستقبله على الباب، تكون فى المطبخ تعد له الطعام، لم تنشغل عنه إللا به، أو له!
وبينما جلس العمرانى محمد إمام أمام التلفزيون، سارحا فى ترتيب وضعية موت الأسرة، رقصت البنات ضاحكات على سطح الشاشة، يعلنَّ عن أقراص "الملاك الحارس"، التى إذا تناولها الإنسان قبل وقت رحيله ساعدته على عبور الموت بدون ألم أو إزعاج، أصواتهن نعناع، وأجسادهن أفاع، يغنين: "وانت بتعبر لازمك ملاك، إياك تخاف إحنا معاك"، وينبثق صوت رجل متعجل: "ملاكنا الحارس حارس بجد" ثم يخفض صوته ويمطه قائلا: "مع الملاك الحارس هاتموت بالرااااحة".
- أ.. أأ.. أنا.. بحبك.
عاد من سرحته على الصوت الهامس المرتبك لزوجته، ونظر لها يستغربها! وامتعض كأنها قالت كلمة قبيحة، ثم زعق: يلعن دينك يا سيدة، روحى أكملى طبيخك.
 بغتة شعر بفوران من ضيق النفس يمور فى صدره، فوقف، وتحرك داخل البيت، واجهته مرآة شيفونيرة عتيقة ارتكنت إلى أحد جدران الصالة، رأى وجهه ملونا بمزيح من الأحمر والأسود، وعضلات فكيه تتحرك، كأن أفعى تتلوى داخل فمه! ساعات وسيختفى هذا الوجه من الوجود، وستختفى المرآة، والشيفونيرة.
"ما يلزمنى كلام حب الآن يا بنت الناس".
تحرك ناحية غرفة البنتين. ستختفى سامية، وستختفى سناء، وسيختفى وش الفقر الذى تحمله سامية بين ذراعيها تداديه ليكف عن البكاء، الشباشب ذات فيونكات الورود البلاستيكية ستتبعثر بين تراب الهدد، وربما ستسيح بنيران الحريق المحتمل، جثثهم ستخرج أشلاء ممزوجة بالطوب وحديد الخرسانات المسلحة، أو ستكون هياكل متفحمة شكلها شكل عفاريت الجن.
"كلام الحب الآن يزيد وجعى". 
أوشك صدره على التحطم إثر فراغ ضيق النفس، فجحظت عيناه، عاد إلى طرقة المطبخ، يفكر فى أى الأماكن من الشقة أنسب لانتظار الموت، إنه يريد أن يكونوا كتلة واحدة، يواجهون جميعا بشاعة ما سيحدث، يعبرون الرعب مؤتنسين، يريد مكانا يحاصرهم إن حاول الموت تشتيتهم بمحاولات فرار بائسة فى اللحظات الأخيرة.
دخل المطبخ، رأى سيدة عبد الرحيم الطيب تلتفت حولها دون داع، تنظر للأشياء كأنها تراها أول مرة، قال: مخنوق يا سيدة وقلبى يحترق، تشمين رائحة دخان طالعة من صدرى؟
قالت له: أنا مستعجبة يا عمرانى من جمال هذه الألوان، لم تكن هكذا من قبل!
إنه لا يرى أية ألوان، يرى الرماد أو كلاحة هدد المبانى، سيدة عبد الرحيم الطيب أصيبت بالجنون! 
خطف السكين الملقاة على صاج حوض غسل المواعين وأخذ يغز بها سماء المطبخ رافعا وجهه إليها، وجأر: "فهمنى الحكمة البالغة أو اقتلك وارتاح منك". ارتمت سيدة عبد الرحيم الطيب عليه، أحاطت خصره بذراعيها، ونشجت وهى تقول: إياك عقلك يخف فى الآخر يا عمرانى! كلها كم ساعة وتقابله، إياك تخسر آخرتك، يكفينا خسارة الدنيا".
استمر يغز سماء المطبخ بنصل السكين وهو يجأر: "سيبينى يا امرأة، حركاته كلها حركات نذاله، يمكن فى الآخر ما يقابلنا ولا نلاقيه". 
وزعق موجها كلامه إلى سقف المطبخ: "حالا تفهمنى حكمتك البالغة أو أقتلك". وجاءت سامية تجرى، وأفزعها منظر أبيها، وصوته الملبوس بصوت جنى، فعادت تجرى إلى الغرفة، وانكمشت بجوار سناء، وبكتا مع الولد.
تعب العمرانى محمد إمام من طول ما أشاح بذراعه فى الهواء يطعن السماء فاتجه إلى الصالة، وجلس أمام التليفزيون، صدره يرتفع وينخفض، أصابعه تحيط متشنجة بمقبض السكين، تتوالى الصور على الشاشة، لكنه لا يراها، بينما صوت رخيم ينبثق منها متسائلا: عمرك قُصيَّر؟ باقى لك سنة؟ شهر؟ أسبوع؟ يوم؟ اتصل على 00010005550 نحن الوحيدون القادرون على أن نجعلك تعيش مائة سنة فى يوم واحد.
لم يسمع هذا الصوت، لكنه سمع صوت نفسه وهو يمزق فضائى أذنيه: "لن تقدر على قتله، لكن تقدر تغيظه، لا تحقق له كل مراده، هو يريد أن يقتلك وكل أسرتك، لا يكتفى بذلك، لا يرحم، يخرب بيتك أيضا، يشمت فيك الناس! أنت لن تهرب من الموت، وأسرتك، الجهاز ابن القحبة لا يخطئ". 
ومع كل ذلك البؤس المجنون تمكنت سيدة عبد الرحيم الطيب من إعداد الطعام على أشهى ما يكون، وتحلقت حوله الأسرة المنكوبة، يأكلون بينما أعينهم تتبادل النظر متوجسة، عينا العمرانى محمد إمام كانتا فى عالم آخر، شعروا جليا بأنه ليس معهم، كان يفكر فى أمر عظيم:  كيف يغيظ الله!
وقبل أذان الفجر بقليل، اتجه إلى غرفة العيال وتمدد بطوله بين بنتيه وزوجته التى مالت ترضع ابنهما، أدركت سيدة فى هذه اللحظة أن العمرانى قد اختار هذه الغرفة لتشهد مصرعهم الجماعى، إنها أبعد غرفة عن المطبخ، أى أبعد غرفة عن أنبوبة البوتاجاز، إنه مثلها حريص كل الحرص على ألا يموتوا حرقا، لذلك فصلت الأنبوبة نهائيا عن توصيلتها، وأحكمت غلقها.
لثانيتين لاحت ابتسامة على شفتيه، ابتسامة مهيضة لإنسان يشعر أنه نجح للتو فى الإفلات من نصف مأزق، قبل أن يقول بصوت خفيض: قومى اعملى لى كوب شاى ثقيل يا سيدة.
- أرضع الولد وأعمل لك الشاى.
- براحتك.
اعتدل، ونهض واقفا، وغادر الغرفة، سمعت كركبة فى المطبخ، قبل أن يعود ليتمطى بينهم مرة أخرى!
الولد أغمض عينيه، فتركته بجوار العمرانى وغادرت الغرفة إلى المطبخ لتعد الشاى.
وضعت سيدة الماء فى الكنكة، وأراحتها على النار الزرقاء الناصعة، ووقفت مضغوطة بثقل الوقت الكئيب، الدقائق تضع فى أقدامها أحذية ميرى، لكنها ترى الماء زجاجا مصهورا يترقرق داخل ألمونية ناصعة كأنها فضة نقية، وعندما تلقى بمسحوق أوراق الشاى داخله ينبعث بخاره ناثرا رائحة حب!
حملت الكوب فى صينية ملونة بزهور وخرجت من المطبخ، رأت العمرانى فى الصالة يتجه نحوها ثم يقبض على عضدها ويسوقها إلى غرفة نومهما، همست تتمنع: العيال! همس: غرقانين فى النوم. قالت: الشاى! قال: ادخلى.
عادة سيدة عبد الرحيم الطيب عند دخول غرفة النوم لمعاشرة زوجها العمرانى محمد إمام أن تبدأ، وهى واقفة، فى خلع ملابسها الفوقانية، حتى إذا صارت فى التحتانى فقط تمددت على السرير، ويقوم العمرانى، إذا كان عالى المزاج، بالتخلص من التحتانى ليعريها تماما، ويبدآن الالتحام، والعمرانى يركبها بعنف، ينخسها بأظافره يحضها كى تقطع به المسافات الشاسعات فى عالم اللذة المترامى الأطراف، يدكها بفخذيه، ويصهر ثدييها بصدره، وحين يلوح المنتهى له يحيط رقبتها بأصابعه، يضغط عليها يريد خنقها،  كم مرة تمنى لو يستخرج روحها من جسدها فى هذه اللحظة؟ أكثر من مرة يدمى رقبتها بأظافره، ومع ذلك لم تشتك من عنفه الجنسى أبدا.
فى مرة، وبينما يخور من فرط اللذة، قال لها: "سأخنقك حتى تموتى". وعندما لم تجبه عرف أن روحها فى هذه اللحظات تضل فى عالم الشبق، فلا تشعر بشىء!
فى هذه المرة الأخيرة، التى ستبقى الأخيرة إلى الأبد، لم يدع العمرانى زوجته تخلع ثيابها الفوقانية، هو فعل ذلك، قبل أن يهبدها على السرير، ويخلع ملابسها التحتانية، ويخلع ملابسه، ويشتبكا؛ مهرته مطية سريعة القفز من وضع السكون إلى الحركة، فى ثوان قليلة ترمح، وفى لمح البصر تنطلق به نحو المتعة مثل سهم شمسى، كانت الألوان تزغلل عينيها، فتمرق فى عماء، لكنه آمن، حيث فضاءات خلف فضاءات كلها تعبق ببخار شاى معطر بالحب!
وعندما لاح المنتهى للعمرانى أحاط رقبتها بأصابعه الغليظة مقررا ترك اللجام لمتعته حتى النهاية، فغرس أظافره فى رقبتها، وظل يضغط، يضيق على روحها مسار الرجوع من ضلال الشبق، انتفضت مرة واحدة، انتفاضة قصيرة، ثم سكنت تماما، وبينما الميت خنقا غالبا ما تجحظ عيناه إلا أن عينى سيدة عبد الرحيم الطيب انغلقتا مسبلتين، كأنها نائمة! 
ارتدى ملابسه، وألبسها أرديتها المحترمة، وغطاها بملاءة خفيفة حتى رقبتها، وخرج إلى غرفة العيال، قبل أن يدخلها كاد يرفع رأسه لينظر إلى عل، لكنه لم يفعل، اتجه إلى سامية، وبيديه الاثنين انقض كالصقر على رقبتها، مقيدا جسدها الضئيل بركبتيه وبطنه، عصرها حد تهشيم فقراتها، فماتت دون أن تشهق، وكذلك فعل بسناء، وبالولد وش الفقر! ثم رتب وضعياتهم متجاورين، وخرج إلى الصالة.
جلس أمام التليفزيون، شغله، ظهرت البنات ترقص على شاشته، يتمايسن بأصواتهن وهن يغنين: وانت بتعبر لازمك ملاك، إياك تخاف إحنا معاك"، كانت يده تسحب من جيبه السكين ذات المقبض البرتقالى الناصع، ثم ترتفع به كى يركز سن نصلها بين ضلعين مقابلين لقلبه، أراد أن يرفع وجهه ليسأل الله: "طيب فهمنى الحكمة البالغة!"، لكنه شعر بأن الإجابة ما عادت ذات جدوى، مهما بلغ عمقها وقوة إقناعها، إن كان لها عمق مقنع.
يكفيه أن سيدة عبد الرحيم الطيب ماتت فى سريرها، وأن الأحجار لم تمزق أجساد عياله، لم يتهدم البيت؛ وسيموت بيده عزيزا فى كرسيه وهو يشاهد التليفزيون!
حلق كروان مرفرفا بمحاذاة أسطح البيوت، صدح بائسا بأنشودته الشجية: "الملك لك لك لك يا صاحب الملك". بدت الأرض مستسلمة تماما ليوم جديد، وتمطى صوت مؤذن الفجر نوَّاحا كثكلى: "الله أكبر الله أكبر".
مجتزأ من رواية قيد الكتابة تحت عنوان "صوفيَّا هارون"

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قصة"
 

  » ابتسامة تختبئ هناك
  » الرجل القادم من هناك
  » المَثَّال
  » شعاب الشرم الروحية
  » صور باهتة
  » صوفيا هارون
  » عقوق
  » قشعريرة مفاجئة لرجل ميت
  » وصل عائدًا

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 9 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية