الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
قشعريرة مفاجئة لرجل ميت
 

عبد الله السلايمة


بدا حزينًا، وهو يقول: لم أكن أتصور أن الأمر بيننا سيأخذ هذا المنعطف.
صمت للحظة، ثم استانف فى حيرة: فحين أهديتها كتابى، كبطاقة تعارف بيننا، لم أكن أقصد غير تحفيزها على كتابة الشعر، إذ قالت يومها إنها تعشقه وتحلم بكتابته.
وفيما راح يعبث بأصابعه فى شعره شاردًا، باغته سائلاً: عمن تتحدث؟
تجاهل سؤالى، وراح يواصل تدخين سيجارته فى توتر، ثم قال بصوت حائر وخفيض، محاولاً السيطرة على توتره:
لم يكن سبب موافقتى على المشاركة كمراقب فى امتحانات الثانوية العامة، خوفًا من إحالتى إلى التحقيق، بل لأننى كنت أمر حينها بأسوأ حالاتى المزاجية، بسبب ما تركه لى موت أبى المفاجئ من شعور غريب بالفقد، لم أكن أتصور قبل رحيله أننى سأعانيه، أو حتى سأهتم لأمر موته بهذا الشكل، إذ كان فى نظرى قد مات من عدة أعوام سبقت .
حدق فى السماء القاتمة للحظة، ثم أردف فى حزن:
آه.. أسوأ ما يحدث لك فى الحياة أن تعيشها ككاتب، وفى محيط لا يؤمن بقيمتها، ولا تتعدى فى نظر أناسه أكثر من كونك غريب الأطوار! وأفضل ما فيها أن تحدث لك مفاجأة، أو شىء مدهش، حين تظن أن عالمك قد بدأ ينهار.
جذب نفسًا عميقًا من سيجارته، زفره وهو يقول: وهذا ما فعلته بى "هند".
- أهذا اسمها؟.. سألته متخابثًا.
وبعد أن سحقها سيجارته بكعب حذائه فى قرف، أومأ لى برأسه موافقًا، ثم قال بنبرة ندم: وليتنى لم ألتقِ بها، ولم أهدها كتابى اللعين.
وكأنه يشعل فتيل ذكرياته، أشعل سيجارة أخرى، ثم راح يشرح لى فى استغراب واضح:
كيف فوجئ بها فى صباح اليوم التالى تقف فى انتظاره، وما إن لحظته مقبلاً، حتى أسرعت لملاقاته فى لهفة، وبشكل يفضح مدى انبهارها به، ليس شوقها إليه، كما يكشف حقيقة أنها قضت ليلتها بين دفتى كتابه، ما أشعره للحظات بالغبطة، شعور ما لبث أن تحول إلى قلق حيالها، حاول إخفاءه بنبرة مرح، وهو يبادرها سائلاً:
- إياك أن تكونى قد فعلت ما أفكر به؟
وبشكل ينم عن قلة إدراكها، وربما لا مبالاتها، لا يعرف أيهما على وجه التحديد، وجدها تلقى فى وجهه بابتسامة مثيرة، هزت كيانه، قبل أن تؤكد له بإيمائة من رأسها، بأنها قد فعلت.
- هل جننت، وماذا بشأن امتحانك؟!.. سألها مستنكرًا
بدت غير نادمة، ما زاد من وطأة إحساسه بأنه قد ارتكب جرمًا فى حقها، حاول أن يخفف من ثقله على صدره، بنصحها:
- عليك أن تنسى ما قرأته من كتابى، بل التخلص منه على الفور.
أشفقت عليه، وهو يواصل سرده فى حزن:
بدت مندهشة، وهى تسألنى بصوت خلاب، تمتزج فيه الرقة باللامبالاة:
- ألست أنت بكاتبه؟!
- بلى، لكن دعك من هذا الآن، ولنناقش الأمر بتعقل.
وبضحكة رقيقة وخزت روحه المستفزة، أبدت استعدادها فى افتتان للإصغاء إليه.
بعد لحظة صمت، جاهد خلالها لطرد أفكار سلبية، تأخذه باتجاه أن يتعامل معها كحالة عابرة، أو كفرصة أخيرة لرجل، تصور له هواجس خريفه أنه يسير نحو منتهاه، وبذل مجهودًا أكبر لحشد صوته، والقول لها: 
- لأننى لا أريد أن أكون سببًا، يجعلك تعيسة وبائسة فى يوم ما.
ولم يمهلها وقتًا للرد، متذرعًا بضيق الوقت.
توقف ليلتقط أنفاسه، ثم واصل مؤكدًا: 
إنه لم يغمض له جفن فى تلك الليلة، إذ انتابته مشاعر متناقضة وعنيفة، بين حقيقة أن "هند" تروقه فى قرارة نفسه، وسيطرة فكرة أن كتابه قد أفقدها السلام الذى كانت تعيشه قبل أن تقرأه.
توقف فجأة، أمسك بهاتفه، راح يعبث فى أزراره فى عصبية، ثم ناوله لى، وهو يقول فى تأثر بالغ، لتقرأ هذه الرسالة، ورحت أطالع:
أيها المختلف، كلانا مخطئ.
أنا بسبب اعتقادى، بأنه يمكن لمثلى أن تبقى على شاعر مثلك على قيد حياتها، غير مدركة أنك كالطائر، إذا ما قيد انفرطت روحه..
وأنت، باعتقادك أنك غادرتنى، لا..، فأنا مازلت أتصور أنك خرجت فى نزهة وسوف تعود..
وفجأة، وجدته يبكى بشكل عرى تمامًا خداعه لى طول الوقت، بوهم أن عزلة الصحراء أكسبته ما يكفى من القوة  لتجاوز كل إحباطاته، وكشف لى حقيقة ما هو عليه من بؤس وهشاشة، بقوله ساخطًا:
- لتقل لى، ما الذى خرجت به بعد ما خسرته من أعوام؟!
وبدأ يرتجف بشكل أثار قلقى ومخاوفى.
كان يقشعر بدنه كلما سيطرت عليه فكرة أنه عاش عمرًا، أضاعه هدرًا بمحاولته إنجاز بضع كتب تافهة، لم يجنِ من ورائها غير المزيد من الشقاء، وخداع نفسى بأنه حى، مازال هنا..
حاولت انتزاعه من نوبة بؤسه مواسيًا: على الأقل، ستضمن لك كتبك الاحتفاظ باسمك فى مواجهة النسيان.
وعلى نحو غير متوقع، وجدته يفاجئنى بقوله فى غضب:
- فلتذهب أنت وكتبى والعالم أجمع إلى الجحيم.
وراح يقسم فى ثورة بأنه سوف يقوم بإحراق كتبه.
- كما أحرقت قلب هند.. مازحته على نحو غير متوقع
تصاعدت نوبة غضب بداخله، وشعر برغبة قوية فى أن يحطم شيئًا، ولما لم يجد، جز على أسنانه من فرط غضبه، ولاذ بصمته مستسلمًا لأحمال يأسه وإحباطاته.
فى تلك اللحظة الحاسمة، ارتفع صوت حاد لشاب بدت عليه علامات التوتر بدوره، وهو يجادل صاحبه فى أمر ما، ظهر النادل من خلفه فجأة، وجدتها فرصة لتفادى نظرات صديقى الغاضبة، وردة فعل شبه مؤكدة، حاولت تأجيل حدوثها بمحاولة إطالة حديثى إلى النادل، والتأكيد عليه بأن يأتينا بقهوة أخرى، وأفضل مما شربناها.
تلاشت ابتسامتى أمام قسوة نظراته اللائمة، على اتهامى الجائر له، وكأنه ينفىه عن نفسه، راح يوضح لى بنبرة تدين هند:
كيف ظلت تلاحقه بمكالماتها الهاتفية، حتى نجحت فى الحصول منه على وعد بلقاء يجمع بينهما.
بدا عليه الاستغراب واضحًا، وهو يواصل:
رغم أنه لم يجمع بينهما، غير كتاب، ولقاء وحيد، وبعض الرسائل والمكالمات الهاتفية، إلا أنها تعلقت به، بشكل جعله يشفق عليها، ليس فقط من شر فضول أدبى، كان يدفعه بقوة لكسر حاجز العمر بينهما، والدخول معها فى مغامرة جنونية، بل من هوس اشتهاء رجل أربعينى مثله، لفتاة لم تبلغ العشرين بعد.
بنبرة ماكرة، فاجأته سائلاً: ترى أهو فضولك الأدبى كما تدعى، أم تراك اتخذت من الشعر جسرًا لتصل إليها؟
وكأنه يعلن رفضه القاطع لاتهامى، انتصب واقفًا، وهو يقول فى حسم: من فضلك، أحتاج لأن أكون وحيدًا.
وغادر غاضبًا.
احترمت غضبه، واكتفيت بمراقبته فى إشفاق، فيما راح يشق طريقه عبر المارة بشىء من الضجر.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قصة"
 

  » ابتسامة تختبئ هناك
  » الرجل القادم من هناك
  » المَثَّال
  » شعاب الشرم الروحية
  » صور باهتة
  » صوفيا هارون
  » عقوق
  » قشعريرة مفاجئة لرجل ميت
  » وصل عائدًا

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 9 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية