الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
وصل عائدًا
 

نشوى سعيد


أخيرا.. يصبح وحده، يسير طريقا  طويلا، واسعا، الآن فقط لم يعد الطريق أمامه مألوف، لطالما أراد أن يخطوه، ظهرت المساحات الواسعة أمامه، نظر.. لم يدر أهى أرض صحراء أم عشبية، فقط رأى أمامه الفراغ، والسماء.. كانت السماء جلية مرحبة، الآن فقط يشعر أن صدره يتنفس جيدا، الآن فقط يشعر.. أنه مستريح.
 تمنى أن يصل، أخيرا  وجد السبيل إليه، كان الهواء حوله بعيدا  عن التلوث، هواء صباحى غير رطب، لا يستطع أن يصفه، شعر فجأة بلمسة هواء تلثم وجهه، هواء منعش، لحظتها أدرك أن قدمه تخطو على أرض مختلفة عما كان يخطو عليه، كانت قدماه حافيتان فشعر كأنه خطى على أرض رخامية، لم ينظر أسفل منه بل حوله، رأى تلك الحوائط الرخامية النقية، خطى داخل ذلك المكان، لاحظ أنه لم يرَ مثيلا  له من قبل، مكان بنفس المساحة التى كان يسير بها.. لم يرَ مكانًا مغلقًا بهذا البراح، كان بهو رخامى حوائطه رخامية ملساء، مكانًا يبعث على السلام والراحة، دارت عيناه بارتياح نفسى.
 كان ينشد الإتيان هنا لسنوات حتى يرتاح ويستطيع النوم بالمساء دون السهر بالتفكير، لم يعلم أبدا  شكل هذا المكان ولم يتخيله.. كان مكشوفا  يظهر السماء الزرقاء بلا أى سحاب، وفضاء منير بلا شمس، رأى أن المكان ينغلق عن باب أمامه، كان بعيدا  لكنه يسير تجاهه بسعادة.. يستمتع بالمكان، كان المكان يسوده الإحساس بالبرودة، والرياح الخفيفة الهادئة تحيطه، حتى قدماه كانتا تشعران بتلك البرودة، لكنه كان مرتاحًا إلى حد بعيد.
 وجد أنه وصل للباب، كان الباب مفتوحا، لا لم يكن بابًا كان مجرد فتحة بنفس مقاس الأبواب، خطى داخل الحجرة الأخرى وعبر ذلك الباب فوجده هناك، كان بنفس جمال المكان الأول لكنه كان هناك.. جالسا  على تلك الأرضية، كان أمامه كتاب ضخم يقرأ به ما إن رآه هناك جالسا  حتى تقدم إليه.
 رفع رأسه من كتابه وقال بصوت هادئ متناغم وذلك المكان:- هل أتيت؟
 وقف أمامه ثم جثا على ركبتيه وقال:- نعم.
 نظر إليه.. كان كهلا لحيته طويلة بيضاء جلبابه كذلك، رأى أنه بنفس لون المكان والحوائط الرخامية، شعر أنه جزء من ذلك المكان، حتى قال له بصوت خيل إليه أن له لونًا وهو أبيض ككل شىء حوله:
- وهل أنت متأكد أنك تريد ذلك؟
قبل أن يجيب وجد أنه يجب أن يتذكر ما يريد نسيانه.
 تذكر والده وهو طفل يلعب بالكرة داخل منزله الكبير؛ الملىء بالأثاث، كان والده يصيح به لأنه كسر شيئًا ما، حسنا  بما أنه سيتذكر الآن فلقد كان هذا الشىء ساعة حائط، نعم كسر بكرته ساعة حائط عتيقة على الجدار العتيق بدوره. لا لم يصح فيه فقط بل كان يضربه بشدة، لم تكن المرة الوحيدة التى يتألم فيها منه، كان يعلم أنه ضربه هكذا مرات عدة لكنه لم يتذكرها، تلك فقط هى التى تذكرها وأراد نسيانها ونسيان ذلك الألم، حتى دموعه التى انهمرت على وجهه يريد نسيانها، حتى جلسته على الأرض مكومًا على نفسه وهو ينتحب يريد نسيانها. لا.. لقد كان يريد نسيان والده أيضا.
 يجب الآن أن يتذكر بما أنه يريد أن ينسى.. تذكر والدته التى كانت تناديه من نافذة البيت وهو يلعب مع أقرانه بالحارة، كانت تريده أن يصعد حتى يأكل معهم، لم يكن يريد أن يأكل أو حتى يشعر بالجوع، كان يريد فقط أن يلعب.. حتى سكبت عليه ماء  بدا له شديد البرودة فى ذلك الشتاء الذى كان قد نسى برودته بلعبه مع أصحابه، شعر حينها كأن جسده قد التصقت به مئات الإبر ووخزت جلده. كانت تنهار عليه بالسباب التى لم تكن تؤلمه كثيرا  فى ذلك الوقت، اضطر بعدها إلى الصعود بع أن فشل استمراره باللعب بهذه الملابس المبتلة، وبمجرد صعوده استقبلته بالضرب على وجهه. حسنا  قرر أنه يريد أن ينسى تلك اللحظات، يريدها أن تمحى من ذاكرته، يريد ألا يتألم ولا يشعر ببرودة جسده كلما تذكرها، يريد أن ينسى حتى أمه.
 حبه الأول.. كانت جارته، كان شباك بيتها أمام شباكه مباشرة، كانت حبه الأول لأنها أول من رآها أمامه. كان صبيا  لم تكتمل مشاعره بعد وكانت هى أمامه، كان فقط يريد أن يحب فكانت هى. تذكرها.. كانت تكبره سنا وتزيده طولا، لم يطل حبه الصامت لها كثيرا حتى قرر الإفصاح عنه، كانت صدمته عظيمة عندما نهرته ولم ينتهِ اليوم إلا وقد أخبرت كلا العائلتين وأعلنت انتصارها على ذلك الطفل الذى قال لها إنه يحبها. الآن يتذكر ذلك اليوم المشين.. لا بل الأيام؛ فلقد طال حديث العائلتين عن الصبى قليل الرباية والأدب، كانت هناك أيضا صفعات من والده، وضحكات ساخرة من أخته الكبرى استمرت شهورا.
 الآن.. قرر أيضا  أنه يريد أن ينسى ابنة الجيران وينسى أخته، يريد حقا أن ينسى كل هذه السخرية والأفعال الصبيانية.
 أول أيام الجامعة، تعرفه على أصدقاء جدد، يتذكر الآن أنهم صاروا أعداءه، كانوا دائمى السخرية منه.
 أستاذ الجامعة الذى هدده بالسقوط فى مادته.. لقد جعله يعيد السنة فعلا ؛ سينسى إذن زملاءه وأول أيام الجامعة وسينسى ذلك المدرس.
 عمله.. كم كان يمتلئ بالمواقف الجديرة بالنسيان، ذلك المدير وذلك الزميل..
 ابنه.. الوحيد، هل فشل حقا فى تربيته كما يقول الجميع؟! لقد عامله مرات بأسلوب غير لائق لكنه لم يستطع أن يضربه، كان يبرر ذلك بأنه قد كبر على الضرب، لكنه لم ينسى كلماته له، شعر حينها أنه لم يستطع تربيته حقا.. يريد أن ينسى ذلك، نعم.. يريد أن ينسى كل ذلك، كل هؤلاء.
 هنا مد الرجل يده البيضاء هى الأخرى ووضعها على رأسه، تدلى من ذراعه كم جلبابه الناصع البياض بدوره وقال بصوته الصافى:
- حسنا.. طالما قررت ذلك فلك هذا.
هنا وقف وانسحب من تحت يده، وقف أمامه وقال:
- لا.. أعتقد أننى لن أستطيع.. لن أقدر.
التفت وسار باتجاه المكان الذى أتى منه سابقا، ولكن هذه المرة سار عائدا، تشمم نفس رائحة الرياح الخفيفة الباردة كأنه الفجر، خطا بقدماه على ذلك الرخام البارد، قال فى ذهنه:
- إذا نسيت كل ذلك ومحيت من ذاكرتى فكيف هى ستكون حياتى؟! لقد أوشكت أن أنسى حياتى..
هنا فقط نظر إلى السماء فوجد واحدة.. واحدة فقط رآها لأول مرة هنا.. رأى سحابة.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قصة"
 

  » ابتسامة تختبئ هناك
  » الرجل القادم من هناك
  » المَثَّال
  » شعاب الشرم الروحية
  » صور باهتة
  » صوفيا هارون
  » عقوق
  » قشعريرة مفاجئة لرجل ميت
  » وصل عائدًا

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 9 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية