الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
وَقتٌ شَبيهٌ بالغِيَاب
 

عبد العزيز موافى


على مشارِفِ الخامسةِ والستِّينِ أَيقَنَ أنَّه لَمْ يَقْرَأْ
كتَابًا أكثرَ غموضا من نفسِه، ولَمْ يُقلِّبْ صَفَحَاتٍ
أكثرَ فنَاء من أيَّامِهِ الغَابرة. فتُبَاغِتُهُ الهواجسُ 
إذا كُنَّا لا يكونُ الموتُ،
وحيثما يكونُ الموتُ لا نكونْ..
حينئذٍ يتسَاءَلُ:
إلى أينَ يمضى لهبُ الشَّمعَةِ حينَ تنطفئُ؟
عرف أخيرًا أنَّ اللهبَ يخبو لكنَّه لا يختفى،
أنه يلتبسُ علينا فلا نعرفُ كيفَ نراهُ فى هيئَتِهِ الأخرى.

وبينما يسهرُ المَوْتَى علينا، فى حاضرٍ ليس لنا،
كان يتساءَلُ مثلهم، ومثلهم أيضا لا يعْثُرُ
على إجاباتٍ مناسبة. حينئذٍ يدركُ أنَّهُ من
الغباء إذا أنْ نموتَ بعيدًا عن قبورنا.

عرف أيضًا أن للظلمةِ أقدامًا عمياءَ، ولكلِّ
عينٍ عتمتَها الخالصَةَ. ورغم ظلمتِها المدوَّيَةِ،
لمْ يكنْ أوضَحَ منْ صَمتها المأثور، يقولُ:
لمرةٍ واحدةٍ وأخيرةٍ سوفَ ألتَقى النهايةَ،
فيما يشبهُ التقاءَ اللَّهَبِ بالرَّماد، مما يعنى موتَ الشمعة.

كيفَ تَنَازَعَتْهُ الحياةُ والموتُ إذن، أكَّدَ أَنَّه ليس
لنقيضينِ أنْ يأتَلِفَا إلاَّ مِثْل طعنةٍ وجُرْحٍ. حينئذٍ
لم يكن جسدُهُ ليتَّسِعَ إلاَّ لتلكَ الطيورِ التى تهربُ
منهُ، ثم تغادرُهُ باتِّجاهِ سماءٍ أُخْرَى فيباغتُهُ الضِّدُّ:
ذلك الظلُّ الذى لمْ يعُدْ يُشْبِهُكَ صار حبلاً
مشدودًا فوق هاويةٍ مَلْأى بالظِّلالِ المهجورةِ،
فيهجِسُ: إنَّهُ الموتُ،
لا يخلف موعدًا أبدا.

فى تلك الظُّلْمَةِ الواثقةِ لمْ يكُنْ لعَيْنٍ أنْ تَتَعَرَّفَ
على عماها، فإذا بهِ يرى أنَّ الدموعَ المغلقةَ بعَيْنَيْهِ
ليست بماء. فوقَ أوراقها المعتمةِ ثمَّةَ كلمات
شاردةٌ، إنها الكلماتُ الأكثرُ شَبَها به:
أحيانا تَسْهو/
كثيرا تمَّحى،
لأنَّ مَثَلَها الأعلى هو النسيان.
فإذا بالحقيقة تومضُ بَغْتَة:
رغم الظلام والموت عادة ما يولدُ الحبُّ، ثم
يتوهَّجُ مثل برهان.

وها هو يهربُ من النهايةِ بالاحتماءِ ببداياتِهِ الأولى.
حينئذٍ يتذكَّرُ أصابعَ جَدَّتِهِ وهى تمشِّطُ
ذاكرتَهُ الغضَّةَ قبل أن يدهمَهُ السُّبَاتُ، بينما
شفتاها توقدانِ الأَلَقَ فيها عبرَ حَكَايَا
ملكِ الجانِّ الذى يعشِّشُ فى شجرةِ التوت/
أمنا الغولة التى هزمها أحد أسلافهِ بإلقاءِ السَّلامِ عليها/
الشاطر حسن وستِّ الحُسْنِ الضَّائعةِ فى عينيه..

وفى مصادفةٍ طفوليَّةٍ التقى امرأة، سرعانَ
ما استدرجَتْهُ كَىْ يهيمَ داخلَ فضَائها الشَّخصِىِّ،
حيثُ :السندبادُ، وشيخُ البحرِ/
علاءُ الدين، والبساطُ السحرى
ثم ألقتْ بِهِ فى دروبٍ ليسَ منْهَا رجوعٌ.

وبينما يلتقطُ ما تبقَّى منه، كانت الحكايا التى تتفتَّحُ،
وروحُهُ تقفُ به على حافةِ الوقت، ثم تمارس
انفجارَ الدِّفْءِ فيه.

فى تلك الدروبِ التى سرعان ما ارتوتْ من
عطشه، ظلَّ يسعى خلف ضوءٍ لا يكتملُ فى ثنايا
أوقاتِهِ المتعبةِ.. حينئذٍ يلتقى الإلياذةَ والإنيادةَ/
الشاهنامةَ وكتابَ الموتى ثم تعرُجُ به الأغانى
وعيونُ الأخبارِ صوبَ أعمدةِ الحكمةِ السبعةِ
وإخوانِ الصفا.

وإذ يغادرُهُ الموتى الذينَ بلا قبورٍ وحيدًا مع أفكارِهِ
المليلَةِ، كان يستغرقُهُ الوجودُ والعدمُ، فيدركُ أنَّ
ما سيفقدُهُ أمامَ موتِهِ سوفَ يصيرُ أكثرَ من حياة.

تعلَّمَ أنَّ فى الأشياءِ الصغيرةِ لغزُ الأشياءِ الكبيرةِ،
لذا كلما استغرقَهُ اليقينُ استدرجَهُ الشَّكُّ، وكلما
ازدادَ معرفة غلَبَ عليه جَهْلُهُ. وتعلَّمَ أيضًا أن أعظمَ
الكلماتِ صمتًا تلك التى نُصغى إليها بعيوننا/
وأضوأ الليالى نجوما تلك التى يتزوجُها الصباحُ.
فيهجِسُ مثلما الحلاج:
سلاما أيها الطائرُ الذى يمضى، ولا يتركُ أثرًا وراءه.

فى تلك العتمةِ التى تنتابُ ذاكرتَه، عادة ما كان يسهرُ
على بضع كلماتٍ أَرِقَةٍ، حينَ يشهرُ الظلامُ الضَّجَرَ
فى وجهه، ربما لأنه يخفى سرًا لم يعد ليقبلهُ الضَّوْءُ.
حينئذٍ تبدو الليالى مثلَ جرحٍ يكادُ يُنْكَأُ، وكلَّما أرادَ
أن يكون راعيًا للنومِ صارَ ذئبًا له.
هكذا يستعصى الرقادُ عليه، لذا ظلت الأحلامُ تتجنَّبُ
فراشَهُ المُدَرَّبَ على الكوابيس.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "شعر"
 

  » ارسمْ دائرةً ونَمْ فيهَا
  » استغمايه
  » المحاولات الرديئة للحزن
  » أَنَا أُشبِهُ الماءَ....
  » توافق
  » ريم الشيكولاته
  » شهادة ميلاد
  » طاسة الخضة
  » عبد الرحمن آدم
  » قصائد
  » قصيدتان
  » ما الشَّذَرة؟
  » وَقتٌ شَبيهٌ بالغِيَاب
  » وكتير أقل
  » يتركنا للبكاء

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 15 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية