الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
الأمل والرغبة فى التمرد وكسر الطوق|..فى نصوص "شيماء الصباغ
 

محمد عطية محمود


من خلال بعض الآثار الإبداعية للشاعرة الشابة الراحلة "شيماء الصباغ" تلوح تلك الروح الحميمية للتعانق مع الأشياء وأنسنتها، وتحويل الفضاء المادى بمفرداته، إلى فضاءٍ معنوى كبير يتسع ليحتضن العالم من حولها بطريقتها الخاصة نحو كسر نمط المعتاد، وإن كان من خلال الاشتباك به، فى خضم لهفة التفاعل الخاطف مع الحياة والصراع معها.
ربما كانت هذه الرؤية الخاصة التى نفذت بها هذه الإطلالة على ما أنتجته قريحتها الإبداعية التى كانت تلهث فى مضمار الكلمة بحثًا عن فردوسها المفقود.. ذاك الفردوس المشغول دائمًا بهاجس التمرد والحرية والثورة على المعتاد من خلال تقديمه وتأطيره بهذه الروح المنطلقة لتعانق أشياءها، من خلال مفردات دالة عميقة وإن التحفت بالعادى والمتاح من التفاصيل اليومية التى ربما لا تشغل بال أحد ويمر عليها مرور العابر، ربما تعبيرًا منها متعمقًا عن هذا الشعور بفقد الاطمئنان أو الرغبة فى التعبير عن التمرد على الحالة بوضعيتها الآنية المفروضة عليها أو على الشريحة العُمرية التى تمثلها، إيمانًا بأن الإبداع هو ناتج التفاعل الإيجابى المشبوب بالرغبة فى التغيير والتحول مع الواقع والبيئة المحيطة، وإن كان من خلال التوحد والتآلف مع تلك المنمنمات الدالة على الكمون والاستسلام أكثر من دلالتها على التفجر والانطلاق من هذا الرحم.
فنجد ذلك التمازج مع الأشياء وملامح الأنسنة، وربما الحوار مع الجماد المتمثل فى "شنطة"، فى نصها: "جواب فى الشنطة" 1، والذى تطرح تساؤلاتها الملحَّة من خلاله، كبداية حكى يتضفر فى نص ليعطيه هذه الحيوية والاستمرارية وتدفق الصورة/ المشهد المعبر عن الحالة: "مش عارفة/ هى صحيح مش أكتر من شنطة/ بس لما ضاعت كان فيه مشكلة/ إزاى أواجه العالم من غيرها"
هذا التمهيد للسؤال فى عبارة السؤال: "إزاى أواجه العالم من غيرها؟"، كى تعطى مفتاحًا، شديد الخصوصية، فى نص يتوافر فيه شرط الحكائية التى تتلمس أطراف تلك العلاقة الحميمة مع الشنطة، كجزء منها وملازم من ناحية، ومن ناحية أخرى فرض تلك السمة من الحميمية والبساطة مع المتلقى الذى يتلقف منها أطراف الحكى والحديث الذى يكون متبادلاً ربما حسيًّا ودلاليًا بالإيماء أو بالهمس على حد السواء، والنص سادر فى حكيه، ملتمسًا تلك الدرب التى يسلكها من خلاله كى يتأصل الإحساس بهذا الجماد الذى يعطيه النص حاكمية دفع العلاقة/ السمة الإنسانية التى ترتقى إلى التوحد الدال على مدى الإحساس بالاغتراب، والذى يوازيه هنا الإحساس بألم فقد الشنطة التى ربما كانت جزءًا أصيلاً من الذات ودالاً على ملمح من ملامح الوجود لديها: خصوصًا/ والشوارع حافظانا سوا/ المحلات عارفاها أكتر منى/ إكمن هى اللى بتحاسب.
بحيث يكون الاسترسال فى الحكى وسرد التفاصيل دافعًا مهمًا وأداةً من أدوات جذب انتباه المتلقى الذى يتفاعل ويلهث، برغم النص الذى قد لا يكون طويلاً، ليتنفس من كل جزءٍ من مساحته، أطراف تلك العلاقة الاستثنائية بين الكائن البشرى، والجماد المتمثل فى الشنطة التى تتوغل أكثر لتأخذ سمات الكائن البشرى اللصيق، ويكون الطريق شاهدًا على تلك التفاصيل كفضاءٍ مفتوح تتحرك فيه هذه العلاقة، وتتلاقى مع المكان المتمثل فى الشارع والمحل، حتى يكون الاستغراق فى التوحد متمثلاً فى عبارة تالية ربما كانت مبررة لكل هذا الفعل، وإن كانت على سبيل المبالغة أو تبادل الأدوار فى قولها: "أكمن هى اللى بتحاسب"، لينتقل الحس إلى منطقة أكثر خصوصيةً وحميمية عندما تلتصق بالجسد/ البوتقة التى تتنفس فيها الروح وتتحرك فيها هذه الثنائية: "عارفة ريحة عرقى وحابّاها/ عارفة المواصلات/ وعاملة علاقة مع السواقين/ حافظة الأجرة/ ودايمًا جراب للفكّة"

الشنطة كمعادل موضوعى للذات
ذلك الفضاء الذى اتخذته الشنطة لتكون اختزالاً لكل مراسم الحياة، دلالةً على الرغبة فى التحرر والانطلاق، وإن كان من خلال القبض على كل تلك المفردات الدالة على الحياة من خلال حيازتها/ حبسها، فى هذا الحيز الضيق/ الشنطة التى تأخذ بذلك رحابة المعنى واتساعه ليكوِّن العالم الخاص، والذى يعكس الرغبة فى القبض على الحياة بمفهوم خاص، قد يعبِّر عن أزمة جيل يحاول إثبات وجوده على خارطة الحياة لبناء أيديولوجيته الخاصة، ومن ناحية أخرى من خلال تلك الحواس التى أسبغتها على الشنطة كبوتقة موازية لها/ لجسدها المتحرك؛ لتكون جديرة بأن تكون لصيقة بها حدَّ التوحد، حتى لتعبِّر عنها ذاتها، ربما لتصل كى تكون معادلاً موضوعيًا لذات الشاعرة، التى تعبِّر عن ذلك بقولها: "على فكرة/ هى كمان بتحب عيلتى/ ودايمًا كانت شايلة صورة/ لكل واحد بتحبه".
لتتعمق رؤية النص للشنطة التى اختزلت فيها الشاعرة أيضًا كل تاريخها المتعلق بعائلتها/ وسطها المحيط بها/ جذرها فى الوجود وفروعه.. وبرغم ذلك إمعانًا فى الإحساس بفقد الذات واغترابها عن واقعها، تعالج الشاعرة ألم الفقد بالاتكاء على السؤال الذى يعتبر إلى حد كبير سؤال الوجود على أرض هذا الواقع الذى تحاول الهرب منه وإليه، وانغماسًا فى هذه التيمة المعبِّرة عن التغييب كعنصر ضد عنصر الوجود فى واقع رافض لتلك التطلعات التى ربما كانت عاملاً من العوامل التى تقف فيما وراء الكتابة والتعبير: "يا ترى هى عاملة إيه دلوقت؟".
وجوب علامة الاستفهام هنا (الناقصة فى النص المنشور بموقع "كَ تَ بَ") يكاد يكون ضروريًا ومهمًّا لهذا السؤال الذى تتعاظم قيمته كلما اتكأ عليه النص/ الذات المغتربة المتوحدة بشنطتها التى ضاعت، باعتبارها (هى)، أو جزء عظيم منها/ نسخة قد لا تتكرر من ذاتها المفقودة، والتى تتأسى عليها كما لو كانت أكثر رهافةً وحسًّا من هذا العالم المحيط بها، والإلحاح بالسؤال الذى ربما وصل إلى حد السخرية من كل من الذات والواقع المحيط فى ذات الآن، ما يدفع بالاستطراد واستكشاف منابت الخوف التى تعتريها هى ذاتها لتسقطها على الشنطة من خلال براعة أنسنتها وتحويلها إلى إنسان أكثر رُقيًا من دم ولحم ومشاعر حسَّاسة قد تكون انعدمت من الواقع الذى يدور حولها أو تعيش فيه كحقل من حقول الحياة، وكسؤال جسور من أسئلة الوجود: "حاسّة بالخوف!/ قرفانة من ريحة عرق حد ما تعرفهوش!/ متضايقة من الشوارع الجديدة!".
كل الإحالات التى أحالها النص على الشنطة، بعلامات التعجب الموفقة هنا، والدالَّة على نبرة السخرية والاستهزاء بالواقع المحيط وربما عدم الاعتراف به، هى إحالات ذاتية نجح النص فى تدويرها، ووضعها بتلقائية شديدة فى إطار هذه العلاقة الحميمية التى تصل إلى حد الهذيان بالشنطة/ الذات، التى تبكى ذاتها وتفتقدها فى ذات الوقت، وتبحث عنهما، وتترقب عودتها إليها، لتعمِّق هذا الحس بالانفصال والانشقاق عن الذات، وهذه الحالة من الشتات الذهنى التى تؤكد عليها العبارات المنسابة بتلقائية وفطرية فى التعبير، كمن يرتجل نصًّا على مسرح، ليكون ارتجاله، الذى قد لا يتكرر، أوقع بكثير من نص محفوظ، ومُدرَّب عليه بشتى وسائل الحفظ والإقناع، لتبدو دائمًا بكارة الإحساس وطزاجته، لتصل الحالة إلى هذا اليقين/ الثقة الأكيدة فى العودة المزدوجة (عودة الرمز والمرموز له) إلى الحياة مرة أخرى كأمل للذات ومعادلها الموضوعى المفتقد (الشنطة): "على العموم هى معاها مفتاح الشقة/ وانا مستنياها".
هذا الختام الذى يعكس البراءة والفطرة، وطزاجة الطرح الذى يكمن فى أرض صلبة قد لا تحتملها رقة الكائن المرهف الذى ينبت فيها، ويظل يدور فى فلك اغترابه عن عالم صلب شديد القسوة، قد لا ينظر إلى زهرة تتمخض عنها قسوته.

بقسماط الحزن، وفلسفة الوجود
تلك اللمحة/ الرغبة فى التغلب على القسوة ورد الفعل عليه من خلال التعبير بالحزن، والتى قد نجد فيها هذه الرغبة فى الخروج من عنق زجاجة الأحزان، أو المرور العابر على بساتين الفرحة والأمل فى علاقة مُخاطبة "ضد الحزن"، كما فى تلويحة من تلويحاتها الباكرة، وإن كانت فى نص غنائى بعنوان "بقسماط" 2، حيث تأخذ المفردات هنا شكلاً وإيقاعًا مغايرًا، يرتبط بالصورة الشعرية ربما أكثر من النموذج السابق، ويشتغل على المجاز الذى يبيِّن قدرة على التعبير المجازى المقترن أيضًا بمفردات الواقع والمشتغل عليه، وتقديمها فى صورة مغايرة تتسق والحالة النفسية التى ربما تتعاطى علاجًا قد لا يكون ناجعًا، ولكنه علاج مثبط للوجود فى الحياة والتماسها على نحو ما أو آخر، ومن خلال تفصيلة بسيطة أيضًا من تفصيلات ممارسة الحياة: دوّب حزنك جوّة الشاى/ خد ضحكاية وسقّى فى حلمك/ شوف امبارح عدّى ازاى.
من خلال هذا الإيقاع المتموسق مع الحالة، والمنطلق من جماد متأنسن هو كوب الشاى، والصورة الجمالية المتمثلة فى الحلم الذى يملؤه ليتماهى مع الشاى كمشروب، لدعوة نهايةً إلى التأمل بحكمة أن كل شىء يمر، يستخلصها النص من خلال قوله: "شوف امبارح عدى ازاى"؛ لتتبدى فلسفة الوجود التى تنتهجها الشاعرة/ تطمح إليها من خلال هذا النسق الجمالى المغاير، ومن خلال الاسترسال فى الحكى الذى يلعب دورًا هنا أيضًا كرابط بين جمل التعبيرات التى تبث فيها الشاعرة إحساسها وتنفخ فيها من روح التمرد على الحزن كصورة من الصور التى يطرحها الواقع: "يومك فرحك/ جرحك منَّك/ زغزغ نجمة فى ليلك واضحك/ تصحى تلاقى نجوم حواليك".
هنا ترسم الصورة آفاقًا عريضة للتخلص من الألم والحزن ومترادفاتهما، من خلال الدفع بالضد فى اتجاه الحالة لتزهو مفردات: "فرحك" فى مقابل "جرحك".. و"زغزغ" كفعل تحريك للحواس كى تتحول إلى مفردة "اضحك"، لتكون النتيجة: "تصحى تلاقى نجوم حواليك" كدلالة على الصفاء وانقشاع الهم والغم، بهذا التسلسل، كنتيجة لمحاولة الخروج والانغماس فى الحلم/ الأمل الذى يُعد هنا تأشيرة خروج من الأحزان، وهو الرغبة المستمرة فى التمرد على تلك الغوائل، التى لا تمنع بأى حال وجود الحزن بالداخل كشريك ربما توازى مع (الشنطة) فى النموذج السابق فى كونهما لصيقين بالحالة، التى يحاول النص هنا كسر حاكميتها وتنفذها فى شأن الذات المكلومة أبدًا، وهو ما تؤكد عليه فى: "خللى الدمعة فى عينك تسرح/ ترجع تانى جوَّة عينيك".
بما يعنى احتباس الألم وديمومته برغم تلك المراحل العابرة من التمسك بروح الأمل، وهو ما يعبِّر فى مجمله عن تلك المسحة المأساوية فى المحاولات الإبداعية للشاعرة التى كانت فى طور التشكل والتبرعم إلى حد كبير، فى سبيل بلورة ربما لاح منها الكثير من خلال الرؤية التى حاولنا بها الاقتراب من نماذج من نصوصها التى قد تعبِّر إلى حد كبير عن سمات جيلٍ من الكُتَّاب يقتحم المشهد الإبداعى بكثير من الشجن والهمّ المختلطين بالأمل والرغبة فى التمرد وكسر الطوق ومحاولة الخروج من عنق الزجاجة، ومن خلال إحداثيات مختلفة وكثير من الإشكاليات والأسئلة على مستويى الإبداع والواقع معًا؟

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قراءات"
 

  » الأمل والرغبة فى التمرد وكسر الطوق|..فى نصوص "شيماء الصباغ
  » التواصل الثقافى مع التراث فى الممارسة النقدية
  » الثورة المصرية فى "تاكسى أبيض"
  » الشعر كأداة لتخليد الفعل الثورى قراءة فى ديوان "مانفيستو"
  » ريبرتوار.. خطاب التسلط بين السياسة والمسرح
  » ما لم تقله "قصيدةُ النثرِ" عن "الثورة"
  » سيد حجاب والكتابةُ بالإزميل

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 7 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية