الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
التواصل الثقافى مع التراث فى الممارسة النقدية
 

د.سامى سليمان أحمد


منذ منتصف القرن التاسع عشر لم يعد الناقد العربى يكتفى بالاعتماد على موروثه البلاغى والنقدى الذى أنتجته الثقافة العربية الوسيطة؛ فمع التحولات التى أصابت إبداع الشعر الغنائى، ومع دوران مسيرة إبداع الأنواع الأدبية الحديثة؛ من رواية ومسرحية وقصة قصيرة، أدرك غالبية النقاد أن الاستناد إلى ذلك الموروث لا يمكنه دعمُهم فى الاستجابة للتحولات الحادثة فى مجال الإبداع الأدبى. ولكن قلةً ملحوظة من نقاد تلك المرحلة اكتفت بإعادة إنتاج الموروث النقدى العربى الوسيط، ومع دوران مسارات التطور فى الثقافة العربية الحديثة أخذت هذه القلة تنكفء على ذلك الموروث وتعتصم به فى وجه كل متغيرات العصر. ومن تلك القلة خرجت أجيال من النقاد ظلت حتى الآن ترفض الاعتراف بمختلف التغيرات الثقافية التى حلت بالمجتمع العربى "الحديث". ومن تلك الفئة أيضًا ظلت ثقافة التقليد والمحاكاة والاتباع موجِّهةً لأصحابها الذى لم يصب رذاذُ التطور الحديث إلا جانبًا محدودًا جدًّا من رؤاهم النقدية والاجتماعية والسياسية. أما غالبية النقاد الذين قبلوا الأخذَ من الثقافة الغربية فقد شكَّلوا التيار الأكبر فى الممارسة الثقافية العربية الحديثة، على الرغم من أن القراءة الفاحصة لكتاباتهم تكشف عن إمكانية التمييز بين تيارين أحدهما، وهو التيار الأقل تأثيرًا، والأقل تمثيلاً فى المنتَج الثقافى العربى كان يعلى من شأن الثقافة الأوربية ويتخذ منها المعايير التى يحتكم إليها فى تناول الكتابات العربية. وهذا ما تجلِّيه كتابات قلة محدودة من النقاد أبرزها سلامة موسى (1887-1958). وثانيهما التيار الرئيسى، وهو التيار التوفيقى، الذى يمكن وصفه بأنه التيار الغالب على الإنتاج النقدى العربى منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى الآن، وإن كان هذا التيار يتشعب إلى مجموعة من التيارات الفرعية التى يحتاج القارئ إلى قراءة كتاباتها بعمق ليكتشف حقيقة كل منها، وليستكشف حقيقة التحولات التى طرأت عليها وعلاقتها بمجمل التحولات الاجتماعية العربية.
وقد كانت الصيغة النقدية الرئيسية التى استند إليها هذا التيار هى صيغة التوفيق بين توجهات مستمدة من النقد الأوربى وعناصر وأدوات منتقاة من النقد العربى والبلاغة العربية الوسيطة. وإذا جاز للقارئ المعاصر أن يميز، فى منتَج الموروث العربى، بين الإنتاج النقدى والمنجَز البلاغى فإنه يقيم تمييزَه هذا على أساس أن الأول يضم القضايا الكبرى التى تناولها النقاد كقضايا القدماء والمحدثين والسرقات الشعرية واللفظ والمعنى وغيرها، على حين أن المنجَز البلاغى الذى صاغه بلاغيو التراث تجلى نتاجُه فى علوم المعانى والبيان والبديع. وبمكنة القارئ المعاصر أن يصف هذا المنجز بأنه يشكل "النقد البلاغى" الذى يركز على تحليل الجملة ومعها الكلمة فى المقام الأول، من جهتى البناء والدلالات الجمالية، على حين أن عنايته بالفقرة داخل النص الأدبى أو بالنص فى كليته كان محدودًا جدًا.
ولعل المزية الأساسية التى اتصف بها هذا النقد البلاغى أن صانعيه قد استندوا فى اكتشافاتهم لقواعد الصياغة الجمالية وتأثيراتها على مادة متسعة من النصوص التى كان النص القرآنى فى مقدمتها، على حين تلته النصوصُ الشعرية ابتداء من الشعر الجاهلى ومرورًا بالشعر الأموى وانتهاء بمجموعة من أشعار المحدثين حتى القرن الرابع الهجرى.
وإذا كان نقاد التيار التوفيقى قد حرصوا، منذ منتصف القرن التاسع عشر، على إنتاج مزاوجة بين ما يستمدونه من النقد الأوربى وما يستبقونه من الموروث النقدى والبلاغى، فإن من اللافت للقارئ المتأمل أن ما استمدوه من النقد الأوربى كان، فى البداية، النظريات التى تربط الإنتاج الأدبى بعصره أو ببيئته أو بمجتمعه أو بمبدعه، وكانت تلك النظريات نتاج القرن التاسع عشر فى الثقافة الأوربية، وما تزال حيةً فى الثقافة العربية المعاصرة. وفى النصف الثانى من القرن العشرين أخذ عديدٌ من نقاد التيار التوفيقى يفيدون من نظريات أوربية جديدة كالنقد الجديد، وقبله النقد النفسى، ومن أوائل سبعينيات القرن الماضى بدأت مسيرة التفاعل مع اتجاهات كانت معاصرةً لحظتَها كالبنيوية والسيميوطيقا وغيرها مرورًا باتجاهات ما بعد البنيوية. ولمن يتأمل المسار العام لعلاقة النقد العربى الحديث والمعاصر باتجاهات النقد الغربى أن يلحظ أن الكثرة الغالبة من نقاد التيار التوفيقى سعوا دائمًا إلى الإفادة مما أسميناه "النقد البلاغى"؛ وهذا يعود – فيما نرى- إلى عاملين رئيسيين، وهما: أن اهتمام النقاد العرب المحدثين تركز- حتى منتصف القرن الماضى على أقل تقدير- على الشعر الغنائى، ولمَّا كان النقد البلاغى الموروث قد أوفى معظم جوانب الصياغة على مستوى الجملة اهتمامَه الرئيسى فقد وجد هؤلاء النقاد المحدثين فى ذلك النقد ما يرفدهم بما لم تقدمه لهم النظريات النقدية الأوربية. والسبب الثانى أن المدخل الذى استند إليه ذلك النقد البلاغى هو تحليل اللغة على مستوى الكلمة، ثم على مستوى الجملة، وهذا المدخل تظهر فاعليته القصوى، فيما نرى، فى دراسة النصوص الشعرية لا نصوص الأنواع الأدبية الأخرى كالرواية والمسرحية. ولعل هذين العاملين هما اللذان يفسران، فيما نرى، امتداد عناصر ذلك النقد البلاغى وأدواته فى كثير من الممارسات النقدية الحديثة والمعاصرة التى نشير هنا إلى عدد محدود منها، وهم: طه حسين(1889- 1973)، وشكرى عياد (1921-1999)، ومصطفى ناصف (1922-2008)، ثم محمد عبد المطلب.
على الرغم من ريادة طه حسين النقدية التى تجلت فى جوانب متعددة من إسهامه النقدى فإن جانبًا من أنصع هذه الجوانب تمثل فى إفادته من النقد الأوربى الحديث مجموعةً من الصيغ النقدية التى ترى الأدب تعبيرًا عن البيئة أو العصر أو المجتمع، كما تراه أيضًا تعبيرًا عن شخصية الكاتب، ولكن طه حسين لم يكتفِ باستلهام هذه الصيغ النقدية التى كانت جديدة فى ساحة النقد العربى فى النصف الأول من القرن العشرين، ولكنه سعى لتفعيلها بقوة فى دراساته للأدب العربى القديم والوسيط خاصة مما كان له أثره العميق على تفكير أجيال من النقاد الذين تتلمذوا عليه مباشرة أو على كتاباته. ولكن طه حسين بذكائه الشديد أدرك أن تلك الصيغ تمكِّن الناقدَ من تفسير الإنتاج الأدبى والثقافى؛ وذلك بردِّه إلى عوامل موضوعية يمكن للمؤرخ والناقد الحديث تفعيلها حين يقوم بإعادة قراءة المرويات التراثية وفهم ما تتضمنه من دلالات سياسية واجتماعية وثقافية متعددة، والاستنباط منها فى ضوء تلك العوامل. كما أدرك، فى الوقت ذاته، أن هذا التفسير يتيح للناقد الحديث تفهُّمَ الإنتاج الأدبى فى سياقه التاريخى؛ وذلك ما يمكن أن يكون أساسًا لحكم نقدى غير وافٍ؛ لأنه رأى أن ذلك التقييم النقدى يجب أن يستند، بالأساس، إلى ذوق الناقد. وإذا كان طه حسين قد أسس بذلك ثنائية مؤرخ الأدب والناقد، أو ثنائية الناقد المفسِّر والناقد المتذوِّق، كما تكشف عن هذا بوضوح مقدمتُه المطولة لكتاب "فى الأدب الجاهلى" (1927)، فإن من يعيد تأمل كتابات طه حسين فى النقد التطبيقى للشعر؛ بدءًا من "حديث الأربعاء" بجزأيه الأول والثانى (1925-1926) ومرورًا بما تلاه، سيلحظ أن طه حسين فى تعامله النقدى الخالص مع النصوص الشعرية كان يعتمد على ذوقه النقدى المتصل، بعمقٍ، بعديدٍ من مكونات النقد البلاغى العربى الموروث، ولهذا ترددت فى تلك الكتابات أحكام وعبارات من قبيل "متانة اللفظ" و"رصانة الأسلوب" و"وجود مسحة بدوية" إن لم تكن شديدة الخشونة فليست شديدة النعومة"، أو البُرء "من الابتذال والسقوط" والبُرء من "اللين"، أو النظر إلى القافية وما فيها "من العسر والحرج"، أو "حلاوة اللفظ ومتانته"، و"قوة الأسلوب ورصانته"، و"سهولة لفظه ومعناه فى جودة ومتانة"، و"خفته الشعرية وميله إلى العبث اللفظى" ، وبلوغ الشاعر "الإجادة الفنية من غير تكلف ولا مشقة"، واتصاف الشعر بـ "الجودة والمتانة والرقة"، واتصاف القصيدة بـ "سهولة تفطر القلب"، وإحسان الشاعر "الحديث إلى صاحبته فى ظرف ورفق وصفاء طبع" و"رداءة القافية" و"هلهلة اللفظ"، وغير هذا من الأحكام النقدية التى تشير بجلاء إلى امتداد عناصر موروث النقد البلاغى العربى إلى خطاب طه حسين النقدى. وبذلك أتاح طه حسين صيغةً نقدية توفيقية تقوم على إدراك صائغها الحدودَ التى يعمل فيها المصدرُ النقدى الأوربى والأطرَ التى يفعِّل فيها المصدرَ البلاغى الموروث.
ولعل ذلك الإدراك كان واحدًا من أبرز الأسباب التى أتاحت لتوفيقية طه حسين الامتدادَ والتأثير فى النقد العربى الحديث.
وعند النظر إلى كتابات كل من شكرى عياد ومصطفى ناصف ومحمد عبد المطلب سيدرك القارئ أن عاملاً من أبرز العوامل التى تجمع بينهم هو كون مجال عملهم الأساسى هو البلاغة العربية كما تدل على هذا كتاباتهم الأولى. وعلى الرغم من أن شكرى عياد قد بدأ نشاطه العلمى برسالته عن "وصف القرآن ليوم الجزاء والحساب" (1947) فلعل ما يغفل عنه كثيرٌ من المعاصرين أن الحدود بين تفسير النص القرآنى، لاسيما عند الاتجاهات العقلانية والاتجاهات المتأثرة بعلم الكلام فى التراث، ليست فاصلة بينها وبين الدرس البلاغى للنصوص. ولكن إضافة شكرى عياد المهمة، فى هذا الجانب، تأسست على تفعيله لمقولات أستاذه الشيخ أمين الخولى (1885- 1966) عن مفهوم التفسير الأدبى الذى يقوم على الدرس اللغوى الدقيق والمستقصِى لاستخدامات الكلمة المفردة فى مختلف النصوص القرآنية التى يسعى البلاغى الحديث إلى فهم تحولاتها الدلالية فى سياق علاقاتها النصوص السابقة على نزول القرآن من جانب وبواقع نزول النص القرآنى من جانب آخر. ولعل شكرى عياد امتلك، بهذه الكيفية، على نحو مبكر، نوعًا من الوعى "الحاد" بأهمية الدرس الأسلوبى للنصوص الأدبية. وعلى الرغم من الانقطاع الداخلى الذى شهده خطاب شكرى عياد النقدى، فى عقدى الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، عن جذوره البلاغية أو الأسلوبية، فلم يكن من الغريب أن يعود شكرى عياد فى مرحلة الثمانينيات ليقدم ثلاثة مؤلفات تندرج فى مجال علم الأسلوب؛ إذ أصدر (مدخل إلى علم الأسلوب) (1982) ، وأتبعه بكتاب "اتجاهات البحث الأسلوبى" (1985) الذى يجمع فيه بين التأليف وترجمات لفصول مختارة من مصادر البحث الأسلوبى. واكتملت ثلاثية عياد الأسلوبية بتقديمه "اللغة والإبداع: مبادئ علم الأسلوب العربى" (1988). وفى هذه الكتب، ولاسيما فى أولها وثالثها سعى شكرى عياد إلى بلورة فهم عربى محدَث لعلم الأسلوب الذى يطمح، فيما يؤكد عياد، إلى بلورة مدخل منهجى "علمى" يحلل النصوص الأدبية بعيدًا عن فوضى التوجهات الانطباعية والنظرات الوجدانية التى لا تمكِّن الناقد من الاحتكام إلى عناصر موضوعية قائمة فى النصوص كى يؤسس عليها رؤيته النقدية. ولقد عمل شكرى عياد، فى هذين الكتابين، على صياغة مفاهيم علم الأسلوب الذى تبلور فى إطار الدرس اللغوى الحديث فى الثقافة الغربية مع ربطه بمنجزات البلاغة العربية لاسيما فى علمى المعانى والبيان؛ وذلك سعيًا لإنجاز صياغة عربية لما أسماه عياد "النقد الأسلوبى"؛ إذ تدلل تلك التسمية بذاتها، فيما نرى، على كونه نوعًا من النشاط النقدى البينى الذى تتلاقى فيه منجزاتٌ لغوية فى الوصف والفهم والتحليل الدقيق لمستويات اللغة فى النصوص بمنجزات نقدية تؤدى دورها الأساسى فى الكشف عن القيم الجمالية التى تتضمنها النصوص اعتمادًا على ظواهرها الأسلوبية، ويتكامل مع هذين المقومين تفعيل أدوار السياقات التى تم فيها إنجاز النص سواء كانت تلك السياقات خارجية أو فردية، أو ثقافية تتعلق بعلاقة النص موضع الدرس بالنصوص السابقة عليه. ولعل من يتأمل الدرس التطبيقى الذى عُنى به عياد، لاسيما فى كتابه الأول، يمكنه أن يسجل أنه سعى دائمًا إلى استثمار المفاتيح والأدوات التى أنتجتها البلاغة العربية الموروثة كى يتخذ منها وسائل هادية فى تحليل النصوص الشعرية وبيان خصوصية صياغاتها الأسلوبية. وأنه بعمق نظرته إلى الفروق بين توجه البلاغة العربية نحو الكلمة والجملة وتوجه الدرس اللغوى الحديث نحو النص بكليته قد استطاع أن يدرك- وهو المبدع والفنان والناقد فى آن- أن ثمة جوانب فى التحليل يمكن فيها استثمار المنجز البلاغى القديم وتحويله إلى أداة فعالة فى إنجاز تحليل أسلوبى معاصر لنصوص شعرية.
كان مشروع النقد الأسلوبى عند شكرى عياد نموذجًا من أبرز نماذج التيار التوفيقى فى النقد العربى المعاصر، أتيح له أداء دور محورى فى بلورة علم الأسلوب والتأثير فى عدد كبير من الدراسات العربية التى تلته فى هذا المجال. ولعل هذا المشروع كان يمتلك إمكانات كثيرة لإحداث تأثير أكبر فى مسيرة النقد العربى المعاصر لو أن صاحبه أتيح له الوقت الملائم لممارسة نقده الأسلوبى على أنواع أدبية متعددة؛ فقد اكتفى، فيما نعرف، بتناول مجموعة من النصوص الشعرية.
إن تأمل نموذجى الناقدين، اللذين توقفنا أمامهما فى هذا المقال بوصفهما من ممثلى ما أسميناه "التيار التوفيقى"، يفضى إلى عدد من الاستنتاجات العامة التى تكشف عن ضروب من علاقتهما بالموروث النقدى والبلاغى العربى الوسيط. فثمة حياة مستمرة لكثير من عناصر هذا الموروث وآلياته وأدواته الممتدة فى مستويات الخطاب النقدى عند هذين الناقدين. ولكن طبيعة تلك الحياة كانت تتحدد، فى المقام الأول، بمنطلقات الناقد الحديثة وإدراكه إمكانات إحداث نوع من الالتئام مع موروثه النقدى والبلاغى؛ فبقدر ما كان طموح طه حسين وجيله التواصلَ مع الاتجاهات النقدية الجديدة، فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، تحقيقًا لمطمح إنتاج درس علمى للأدب العربى، فإن هذا المطمح قد جعل طه حسين، بصفة خاصة، يدرك أن اتجاهات النقد الغربى التى اتكأ عليها ستمده بالمداخل الجديدة فى الفهم والتفسير والتعليل، لكنها لا تستطيع أن تمده بالكثير فى جانب التقييم الجمالى "الخالص" للنصوص التى هى تشكيلات لغوية فى الأساس؛ وذلك ما يعنى أن إدراك تلك الجماليات يتطلب تفعيل أدوات قادرة على إثراء استشعار الناقد بالمقومات الجمالية فى تلك النصوص، وهذا ما كان يفتح السبيل أمام المنجز البلاغى العربى الوسيط ليدلف بهدوء إلى ممارسة طه حسين النقدية، لينتج فى مجمل ممارساته النقدية، صيغةً نقدية تجمع بين مقومات عنصريها الرئيسيين. على حين أن شكرى عياد مثَّل طليعة حركة نقدية ناهضة كانت تسعى إلى تحقيق علمية النقد متخذةً من معاينة النصوص طريقًا، ومن التحليل اللغوى مدخلاً ملائمًا لغايتها الأساسية. ومن هنا تولدت علاقتها بالموروث البلاغى العربى من منطلق التلاقى بين الأسلوبية والبلاغة العربية الوسيطة فى اتخاذهما المسلكَ التحليلى إزاء لغة النص بوصفها الدال الموضوعى الكاشف عن الهوية الأصلية لذلك النص. ولكن الفارق بين مدخليها يعود، بعد نقطة التلاقى تلك، إلى اللحظة التاريخية بوصفها لحظة ثقافية ذات حمولة معرفية مختلفة؛ وذلك ما يفسر للقارئ المعاصر أن تركيز البلاغة العربية على الجملة والمفردة أكثر مما سواهما من عناصر بناء النصوص الأدبية يعود إلى طبائع السياق الثقافى والحضارى الذى جعل علوم البلاغة العربية الوسيطة أدنى إلى المعيارية، كما يعود أيضًا إلى التأثير العميق لغلبة الشفاهية على الثقافة العربية حتى القرن الرابع الهجرى. على حين أن علم الأسلوب الحديث تعود أصوله، فى الثقافة الغربية، إلى حصيلة تطور خصب فى علوم اللغة دون إمكانية فصله عن التطورات الموازية له فى العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى. ولعل نظرة موجزة، من هذه الزاوية، إلى علاقة خطاب طه حسين وخطاب شكرى عياد النقدى- فى الحدود التى أشرنا إليها فى هذا المقال- تكشف عن اختلاف صور حضور الموروث البلاغى والنقدى نتيجة تباين توجه الناقدين فى ممارستهما النقدية تباينًا يرتد، فى المقام الأول، إلى استجابتهما إلى لحظتى إنتاج خطابهما النقدى؛ فهما نتاجان مختلفان للحظتين متباينتين فى مسار الثقافة العربية الحديثة.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قراءات"
 

  » الأمل والرغبة فى التمرد وكسر الطوق|..فى نصوص "شيماء الصباغ
  » التواصل الثقافى مع التراث فى الممارسة النقدية
  » الثورة المصرية فى "تاكسى أبيض"
  » الشعر كأداة لتخليد الفعل الثورى قراءة فى ديوان "مانفيستو"
  » ريبرتوار.. خطاب التسلط بين السياسة والمسرح
  » ما لم تقله "قصيدةُ النثرِ" عن "الثورة"
  » سيد حجاب والكتابةُ بالإزميل

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 7 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية