الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
الثورة المصرية فى "تاكسى أبيض"
 

شوقى عبد الحميد يحيى


منذ أن خرج الشباب فى ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، واستطاع تغيير رؤية المجتمع له، حيث لم يعد ذلك الشباب المستهتر السطحى، الباحث عن الوقتى من المتع. فلم يعد الكاتب الشاب أيضًا هو الذى يغرق كتاباته بالدارج من التعبيرات، وربما الفاحش من الألفاظ. الغارق فى همومه الشخصية، ومشاكله الحياتية. فيكفى أن يطالع القارئ مجموعة "تاكسى أبيض" 1 للقاص "شريف عبد المجيد"، الذى لم يتجاوز مرحلة الشباب بعد. ليجد أن هموم الوطن، ومشاكله الحالية هى محور تفكيره ورؤاه، ليؤكد أن الكاتب بالفعل هو ابن محيطه وبيئته ومجتمعه. يستقى منه مفرداته، ليردها إليه كخلاصة معايشة، وتجربة حياة. وكيف انصهر الشباب فى المجتمع ليصبح وسيلته لارتياد المستقبل، على أجنحة التحديث والتطوير.

قبل الثورة
فى بدايات الثورة، وكانت الأحلام لم تزل نابضة فى العروق، والآمال مطلة من العيون. نظرنا للوراء فى غضب. فيعود بنا "شريف" إلى الوراء قليلاً، بتكنيك الفلاش باك ليلقى نظرة على المجتمع، قبل الثورة، وكأنه يبحث عن الأسباب التى أدت، أو كانت حتمًا لتؤدى إلى قيام الثورة. حيث يقفز صاحبنا فى قصة "طير الأبابيل" من الدور الثامن، فى البناية التى تطل على النيل العظيم "مبنى أمن الدولة". وحيث يرى من على البعد تلك الصورة الكاشفة {كنت محاطًا بطير أبابيل تستعد لرمى حجارتها على المدينة، وللمرة الأولى أرى القفص الحديدى الكبير الذى يحيط بالمدينة من كل جانب.. هل كنت أعيش فى ذلك السجن كل هذا العمر وأنا لا أعرف؟}.
حيث يتم تحويل صاحبنا للتحقيق، وقد اقتيد إليه دون أن يعرف تهمته، فيخمن { لقد تكلمت فى هذا الموضوع مع أحد زملائى فى العمل، فهل يمكن أن تكون كاميرات المراقبة قد سجلت آرائى واعتبرونى مخالفًا لسياساتهم؟ منذ تلك اللحظة انقلبت حياتى رأسًا على عقب} وكأننا أمام "شاشة الرصد" فى رائعة أوريل 2 الراصدة لكل تحركات البشر. كذلك يكشف شريف عن دولة الأمن. فتدور رأس صاحبنا، ويتخيل أنه اختفى فى الجُب الذى اختفى فيه بعض الصحفيين، فقد كان من أولئك غير المرضى عنهم. حيث تكشف زوجته عن شخصيته فى حديثه (عن فُرص الترقى الضائعة وعن المواهب الأخرى التى تصل بزملائه إلى المناصب العليا، لكنه لا يستطيع تملق رؤسائه، ولا يستطيع أن يسرق أو يحتال).
وفى كشف لأسباب الثورة، يفضح دولة الأمن التى كانت من أولى أسبابها فيما قبل 25 يناير، وبنفس أسلوبه الساخر المبطن، وهى السخرية السوداء، نستطيع تبين دولة (الحيتان) فى قصة "القبض على سمكة"، وفى غيرها من القصص الكاشفة عن وطأة الأمن على النفوس، فولدت الانفجار.

الثورة
من الأشياء التى برزت بشكل واضح فى أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتى وجد فيها الشباب متنفسًا لهمومهم، وإخراجًا لمواهبهم، الجرافيتى، التى راح الشباب يسجلون به مطالبهم، ويخلدون شهداءهم، فتحولت الحيطان إلى لوحات كبيرة، كتبوا عليها شعاراتهم وأشعارهم، ورسموا عليها صور الراحلين منهم. وكأنهم يسجلون التاريخ لحظة بلحظة. مثلما كان الكثير من الأعمال الإبداعية الصادرة فى تلك المرحلة، أقرب إلى التسجيل. خاصة من تعجل منهم فى محاولة إخراج عمل روائى.
غير أن القصة القصيرة، ونظرًا لقربها من الشعر، واعتمادها على اللحظة وتفجيرها، فقد كانت ثانى الفنون القادرة على تسجيل تلك المراحل.
ولم يكن ذلك ليتجاوزه شريف عبد المجيد الذى اشتهر بالأعمال التسجيلية، وطمح منها أن ينشئ "وصف مصر" بأيدى وأقلام وكاميرات مصرية. ولم يكن ليفوته أن ينحت قصصًا منها، حتى وضع عنوانًا لقسم من مجموعته باسم "جرافيتى"، حيث كان العنوان موفقًا، فكان، ما جاء تحته أقرب إلى الجرافيتى فى شكله ومبتغاه.
ففى قصة بذات العنوان "جرافيتى" يسجل فيها انتشار الثورة فى ربوع الوطن، من شماله إلى جنوبه، عن طريق ذلك الذى راح يوثق ما رُسم من جرافيتى الثورة، فانتقل من المحلة، مشيرًا إلى مطالب العمال بالحدين الأدنى والأقصى للأجور، والإفراج عن المعتقلين، ولينتقل بعد ذلك إلى {السويس ثم الإسماعيلية ثم بور سعيد ثم طنطا ثم المنصورة ثم الأقصر ثم أسوان}. 
كما عرض لبعض الشعارات التى ترددت كثيرًا فى أيام الثورة مثل "أفرجوا عن المعتقلين"، "مفيش حرية ببلاش"، "مكملين"، وكذلك بعض الصور من أرض الواقع، مثل تلك الأم التى بكت وأقسمت أن أحدًا لا يستطيع رفع جرافيتى معين إلا على جثتها، ولما استفسر عن السر، علم أن الجرافيتى صورة لابنها الشهيد الذى لم يكن قد جاوز العشرين من عمره. وذلك الشاب الذى كان السارد قد التقط له صورة وهو يحفر على الجدار شعار "يانجيب حقهم يا نموت زيهم". ثم شاهد –السارد– صورة ذات الشاب على الجدار بعد موته بأربعين يومًا، وقد كتب زملاؤه تحت صورته "لو واحد مات لسه كتير". ليؤكد تلك التكلفة الفادحة التى دُفعت وصولاً للحرية، والتصميم على الوصول إليها. وهو ما حاول التأكيد عليه أيضًا فى قصة "كونكور فايف". وهو ما نستطيع أن نجده أيضًا فى قصة "صاحب الساق".

ما بعد الثورة
ففى القصة التى منحت المجموعة عنوانها "تاكسى أبيض" سنجد أن التاكسى الأبيض، هو أحد العناصر التى تضع التجربة فى المعاصرة، حيث إن هذا النوع من التاكسيات، طراز حديث ونظام جديد، لم يمر على استخدامه وقت طويل. وكما أن التاكسى، بصفة عامة، هو وسيلة تجمع فرادى، أو أفرادًا، إلا أن كلا منهم يظل صندوقًا مغلقًا على ذاته. وهو ما نتبينه فى هذه القصة، حيث الساعة قد جاوزت الثانية من بعد منتصف الليل، حيث تخف الحركة، ويتزايد الحذر والتوجس، وربما الخوف، فى كل من نقابلهم فى الطريق. فما بالنا لو جمع صندوق صغير متحرك هو التاكسى، أكثر من فرد، كل منهم مجهول من الآخر؟
بهذا الجو الخارجى المتوتر، يرسم لنا "شريف" عناصر شخصيات ثلاث، السائق، وراكب ذاهب إلى المريوطية، والذى يكتشف بعد ركوبه أنه ليس الوحيد فى التاكسى مع السائق، وإنما يفاجأ بوجود منتقبة معه، ليزيد الأمر توترًا، وتوجسًا، إذ يظن الراكب أن المنتقبة ربما كانت عشيقة السائق، أو ربما كانت تشكل معه عصابة للسطو على الركاب، وربما وربما، ويلعب "شريف" على زيادة جرعة الخوف والترقب، بأن جعل المنتقبة تلبس عباءة سوداء، ونقابًا أسود، مما يزيد الأمر غموضًا وخوفًا. فى ذات الوقت الذى يراجع فيه السائق نفسه. ما الذى يمنع أن يكون الراكب يشكل مع الراكبة عصابة لسرقة التاكسى، وأن لقاءهما جاء مدبرًا؟ خاصة بعد أن تعددت أحداث سرقة أصحاب التاكسيات، فى الفترة الأخيرة، والتى نعلم نحن القراء أن الأمان فيها لم يعد كثيرًا. ويزيد التوتر أيضًا، عندما يعرض الراكب على السائق علبة عصير، فيخشى فتحها، إذ ربما كان بها مخدر، أو منوم، لينام السائق وتتم عملية السرقة. ولكن السائق يخشى رفض علبة العصير، ويخبر الراكب أنه سيفتحها بعد أن يتناول عشاءه. ويتصاعد الخوف والتوتر عندما نكتشف أن المنتقبة، ليست مع هذا ولا مع ذاك، بل الهواجس والخوف والقلق، يطحنها هى الأخرى. فربما كان السائق قد اتفق مع الراكب من قبل وأنهما يخططان لسرقة الغوايش فى البوك، فأخرجت (الكتر) من البوك ووضعته تحت النقاب، استعدادًا لأى محاولة لسرقتها، أو ربما الاعتداء عليها، فكلٌ شحذ أسلحته استعدادًا لملاقاة هجوم الآخر عليه.
فنحن إذن أمام ثلاث جزر منعزلة، بل كل منهم يتحفز للآخر، ويتوقع منه الشر.
وبتأمل المفردات فى القصة، والتى تؤكد أنها تقع فى الوقت القريب أو الحالى، مثل الإنترنت، الخروج المبكر على المعاش. فضلاً عن انتشار عمليات الخطف والسطو فى الفترة الأخيرة. لنعلم أن شريف عبد المجيد، قد أراد، واستطاع التعبير عن حالات التوحد والتشرذم والتخويف والتخوين بين أفراد المجتمع، وجماعاته فى الفترة الأخيرة، بطريقة إيحائية، وبلغة عصرية ممتعة.
وإذا ما عدنا إلى القصة الأولى فى المجموعة، قصة "الطرد" سنجد أن الكاتب استغل الأجواء المحيطة، والاضطرابات التى يعيشها المجتمع فى الفترة الحالية، من إرهاب وتطرف. إلا أنه لم يتوقف عند رصد الحالة، وإنما سعى لتأصيلها، وتجذيرها، ليوضح الأسباب التى أدت إلى هذه الحالة، بطريقة إبداعية، هامسة، رغم عنف الحالة والفزع الذى تثيره. حيث يتبين ذلك فى قصة "طرد" التى انتشر فيها الرعب والخوف، متمثلة فى جماجم لشباب على أبواب (الوزير والمؤسسات المختلفة)، نجدها تنحصر فى نحو الثلاثين من العمر، تكشف أن تلك الجماجم ليست جماجم حقيقية، وإنما هى جماجم الشباب، الذين أُفرغت رءوسهم، ولم تعد سوى هيكل عظمى خالٍ من الفكر، ومن المعرفة، فسهل استغلالها لتكون قنابل موقوتة فى يد الإرهاب. وأن المجتمع كله مسئول عن إفراغ تلك الأدمغة وتحويلها إلى جماجم، لتصبح قنابل، تهدد الجميع، بينما هى مسئولية الجميع. بِدءًا من الوزير، الذى يرمز لأعلى سلطة، ويتبعه كل المؤسسات التابعة. كلٌ ساهم بدوره فى صنع هذه الجماجم، أو هذه الأدمغة القنابل.

الخاتمة
وبعد أن صحبنا "شريف" فى رحلة مع الثورة المصرية، مسجلاً أحداثها، وباحثًا عن أسباب قيامها، وما حدث من فوضى بعدها، يؤكد لنا أن الثورة، أو التغيير هو حتمية التاريخ، ورغم ما بدا من جبروت السلطة، وبطش الأمن، كان لابد أن تفلس دولة الظلم والقهر. فيظهر الكاتب بشخصه، ويعلن عن نفسه، فى اقتراب شديد من شخصيته، وظروف ونشأة عمله.
فى آخر قصص المجموعة "ستوديو طولون" وبطريقة لا تخلو أيضًا من التمويه والتشويق، الذى يدخل القارئ فى مغامرة البحث عما وراء السطور، ومثلما تميزت المجموعة بصفة عامة، حيث يصف لنا السارد كيف بدأ حبه للتصوير، وكيف تعلمه مع "عم سمير المصوراتى" فى حى الخليفة، والذى شكان {يقوم بتحميض وطبع الصور فى الغرفة السيراميك البيضاء} بصورته العتيقة، وبعد أن كانت شركة كوداك الضخمة، وصاحبة السيطرة على سوق التصوير فى العالم، وفى خبر لم يستغرق أكثر من نصف دقيقة على الشريط السفلى للأخبار، يقرأ صاحبنا خبر إفلاس شركة كوداك. لتثير فيه ذكريات أول كاميرا، كوداك" أُهديت له بعد حصوله على الإعدادية. وذكرياته مع عم سمير، فيقرر شراء كاميرا حديثة، يذهب بها إلى عم سمير ليقدمها له هدية، غير أنه يكتشف أن عم سمير قد باع الإستديو من فترة طويلة. ويستسلم صاحبنا ليد الشاب صاحب الإستديو الجديد، ليصوره منفذًا كل تعليماته، ويقرر أن يهديه ذات الكاميرا التى كان سيهديها لعم سمير. وكأنه استسلم (للشاب) صاحب التغيير، ليبدأ – ومعه كل الشعب المصرى- فى مسيرة جديدة، مسيرة الشباب، ومسيرة التحديث، على أثر انهيار وإفلاس ذلك الكيان.. الذى كان.. كبيرًا. وليعلن شريف عبد المجيد عن ميلاد جيل جديد من الشباب، استطاع أن يصنع ثورة، ويأمل فيها حياة جديدة من الكرامة الإنسانية.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قراءات"
 

  » الأمل والرغبة فى التمرد وكسر الطوق|..فى نصوص "شيماء الصباغ
  » التواصل الثقافى مع التراث فى الممارسة النقدية
  » الثورة المصرية فى "تاكسى أبيض"
  » الشعر كأداة لتخليد الفعل الثورى قراءة فى ديوان "مانفيستو"
  » ريبرتوار.. خطاب التسلط بين السياسة والمسرح
  » ما لم تقله "قصيدةُ النثرِ" عن "الثورة"
  » سيد حجاب والكتابةُ بالإزميل

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 7 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية