الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
الشعر كأداة لتخليد الفعل الثورى قراءة فى ديوان "مانفيستو"
 


فرح أبى طلعت مسلم


طالبة بالثانوية العامة بمدرسة طلائع الكمال للغات. ولدتْ بالقاهرة سنة 1998 فى أسرة تهتم بالكتب بأنواعها فنشأتْ مهتمة بالقراءة والكتابة. أثناء الثورة فى 2011 كتبتْ أول قصة بعنوان "قصة على لسان شهيد" وهى بالصف الأول الإعدادى، وكانت نِتاج  حضور ورشة للكتابة الإبداعية بالمركز الثقافى، أعقبتها بحضور ورشتين أخريين. كما اهتمتْ بمتابعة الشعر العامى عن الثورة وإلقائه فى المناسبات. نشرَت مقال "ظاهرة الغباء" فى جريدة "التحرير" 29/ 1/ 2015 ، وقصة "المدينة" فى عدد نوفمبر 2015 بمجلة "الثقافة الجديدة".

الله.. خلقنا كتلاً متداخلة ومعقدة من المشاعر المستعرة التى تتدفق منّا وإلينا، وذلك فى كل لحظة منذ نزولنا من أرحام أمهاتنا وحتى مماتنا، وكسى هذا الجمع من المشاعر بجسد من لحم ودم يتحرك ويتفاعل تبعًا لنوع المشاعر وقوتها، والتى تتناسب طرديًّا مع حجم الموقف وقوته فى نفوسنا. وكما أن من شيمه سبحانه وتعالى فى خلقه ألّا يخلق بابًا بدون مفتاح فهو لم يخلقنا بدون القدرة على نظم الشعر وإلقائه. يزداد إيمانى باسمه الرحيم كلما تذكرت نعمته على الجنس البشرى بوهبه إياه القدرة على إخراج روحه فى صورة قصائد الشعر، وإلا كان مصير أرواحنا كمصير كوب ظل يُملأ بدون السماح له بإخراج الفائض عنه من فتحة تريحه، فامتلأ حتى انفجر.
جلست لأسابيع فاقدة القدرة على وصف ما يعترك داخلى جراء ما عايشناه من تفاصيل الثورة ومشاعرها المبهرة التى لم أعايشها أو أعايش أى شبيه لها من قبل، حتى قرأت إحدى القصائد التى كُتِبَت عن الثورة حينها، فوجدت مرآة لكل ما بداخل روحى فى شكل أبيات شعر منتظمة وبسيطة وقليلة، فعلمت وقتها– فقط- قوة الشعر الحقيقية، ذلك المترجم المعجز الذى تُدخِل فيه مشاعرك فيخرجها فى شكل كلمات لها قدرة باهرة على وصف وتمثيل روحك فى صورة عذبة وسلسة ومتماسكة.
الثورة.. بلحظاتها وأناسها ومعاركها وتفاصيلها هى حدث جلل، اهتزت له القلوب والأبدان وتغيرت على إثره حيوات وعقول لملايين البشر.. وعلى مر التاريخ دائمًا ما يلعب الشعر دورًا جليًّا فى مثل هذه المواقف.
هشام الجخ، مصطفى إبراهيم، نور عبد الله، تميم البرغوثى.. أسماء من أبرز الشعراء الشباب الذين انتشرت قصائدهم بيننا تحمل لحظات الثورة ومشاعرها الحقيقية، والتى فشلت كثير من الفنون حينها فى التعبير عنها بصدق. ورغم بداية مشوارهم الشعرى قبل الثورة إلّا أن الثورة– كما فعلت فى عدة مجالات- كان لها الفضل الأكبر فى ظهورهم وانتشار قصائدهم بين عامة الناس وخاصة الشباب؛ لما حملته من صدق وتصوير دقيق لأحداث ومشاعر تلك المرحلة المعقدة جدًّا من حياة الشعب.
عاب الكثيرون فى البداية على لغتهم الشعرية ووصفوها بالركاكة؛ بسبب انصرافهم عن الفصحى وإخراجهم لقصائدهم بالعامية البسيطة المتداولة بين جموع الشعب المصرى.. وبرغم ما للفصحى من قوة وجمال، إلا أن الشعر من أهم خصاله أن يكون صادقًا يكشف لقارئه عن نفس الشاعر وحالته وبيئته وظروفه بدقة.. فما جدوى قصائد تتكلم عن أعظم حدث مرّ بالشعب المصرى منذ عشرات العقود إن كانت لا تتكلم نفس لغته؟ فى رأيى إن دلّت عامية قصائدهم على شىء فهو صدقها وخروجها الحقيقى من رحم الثورة دون تكلف أو تزييف.
"التاريخ ما هو إلّا كذبات موثقة".. قالها لى أحدهم فى صغرى ولم أفهمها إلا عندما قامت الثورة وبدأ الكل– قبل نهايتها!- بتأريخها حسب أهوائه واتجاهاته الشخصية دون الاعتبار لصدق كلامه من عدمه، تملكتنى شفقة شديدة تجاه الأجيال التى لم تولد بعد والتى غالبًا لن يتاح لها الفرصة لمعرفة الحقيقة كاملة دون تزييف فى أحد جوانبها أو كلها، وعمّا بذله أجدادهم من أجل الثورة حتى الرمق الأخير.. ثم تذكرت نعمة قصائد الشعر.. فاطمأن قلبى.. فما عليك إذا أردت دراسة إحدى الحقب المهمة فى حياة الشعوب إلا أن تقرأ الأدب والقصائد فى تلك الحقبة.
ولعل من أكثر الظواهر الشعرية المرتبطة بالثورة والتى تستحق تسليط الضوء عليها عن كثب هى ظاهرة الشاعر الشاب "مصطفى إبراهيم".
مصطفى إبراهيم، شاعر عامية مصرى، ولد فى محافظة الجيزة عام 1986. تخرج فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 2008. أصدر ديوانه الأول "ويسترن يونيون فرع الهرم" عام 2011. وأعقبه بديوانه الثانى "المانيفستو" عام 2013. صاحب عمود شعرى يومى سابق بجريدة التحرير بعنوان "درج القاهرة". تعاون مع العديد من المطربين المصريين الشباب مثل "محمد محسن"، و"دينا الوديدى"، و"مريم صالح" والمطربة التونسية "غالية بن على".
هذا هو التعريف الذى ستقرؤه عنه إذا ما بحثت عن اسمه فى جوجل أو قرأته على ظهر غلاف ديوانه "المانيفستو" طبعة دار الشروق. ولكن دعنى أعرفه بطريقة أبسط من تلك بقليل.
أذكر أنى كنت يومًا جالسة على الرصيف المفروش بالحجارة الصغيرة فى شارع محمد محمود بميدان التحرير بعد أن أزحت الحجارة وأوسعت لجسدى مكانًا لأرتاح عليه من كثافة الغاز بالداخل، وذلك بعد إحدى الاشتباكات المعتادة والمرهقة مع الأمن حينها، وكان يجلس بجانبى يلف وجهه الأسمر المحتقن من أثر الغاز بشال مترب.. وفتح حقيبة ظهره السوداء ليخرج منها زجاجة مياه بلاستيكية فوقع منها كتاب "المانيفستو" بلونه الأحمر القانى، الذى كان أشبه بلون الأسفلت حينها فى الشارع، وصورة الثائر الذى يلبس قناعًا على ظهر الغلاف- والذى شعرت لوهلة أنها صورة ذلك الفتى بجانبى- وتحت الصورة آخر جزء من الفيلم الشعرى "إنى رأيت اليوم".. طلبت منه أخذ الديوان للاطلاع عليه قبل معاودة القيام واستمرار الاشتباكات، فوافق بصدر رحب معطيًا إياه لى، وقام بعدها يجرى إلى داخل الشارع لمساعدة أحدهم من المصابين.. وانتظرته.. ولم يعد.
لم أعرف الفتى.. ولم أعرف مصيره إلى الآن، ولكنه كان سببًا لقراءتى الأولى لقصائد مصطفى، والتى صرت بعدها من أشد المهتمين والمتابعين لها.
مصطفى.. هو شاب مصرى عشرينى، بدأ بكتابة الشعر فى هدوء قبل الثورة بسنوات، بعيدًا عن أعين عامة الناس وأغلب وسائل الإعلام، ثم جاءت الثورة فأخرج روحها الحقيقية فى قصائده، فكانت قصائده هى قلب الثورة والثوار، تعبر عنهم وعن لحظات قوتهم وضعفهم وأدق مشاعرهم وعاداتهم والتى لا يعلمها إلا من كان منهم وفيهم.
امتازت قصائده بعمق معانيها وأفكارها، فما إن تقرأها حتى تشعر أنك أمام رجل ناضج خابر الحياة وعلمها وفهم قواعدها جيدًا، لا أمام شاب فى العشرينات من عمره.. لكنه شاب امتلأ بالحب الجارف للوطن الممزوج بالألم البيّن من حاله وظلمه وقتله لأبنائه، والمعبر بقصائده عن الحالة الروحية والنفسية للشعب والشباب منهم خاصة فى مراحل الثورة المختلفة بداية من الأمل الشديد فى بناء وطن أفضل، نهاية إلى مشاعر الألم والعبثية والإحباط جراء ما حدث للثورة بعد ذلك.
***
كتب الكثيرون عن يناير وتبعاتها، ولكن أحدًا لم يكن مرآة لها لثوارها بكل تلك الدقة مثلما كانت قصائد مصطفى. لن يقرأ أحد ممن شارك فى الثورة وخابرها تلك القصائد، إلّا وسيعلم أن مصطفى كان فردًا أصيلاً وحاضرًا فى معاركها وتقلباتها وتأثيرها على مصر والمصريين.
اخشوشنوا علشان/ المعركة خشنة/ سدوا الفرج بينكم/ حاذوا القدم والكتف/ ضموا عشان نعمل/ من وسطنا جيشنا/ تار الشهيد ناخده قبل اما دمه يجف/ ماتدّخلوش بينَّا/ خاين عشان نكتر/ اللى هرب منِّا/ من غيره نبقى اكتر/ ماتسلموش ضهركو/ غير للى كان جنبكو/ مش للى باع عرضكو بالكرسى للعسكر/ يا شهدا معرفهمش لكن بقوا اصحابى/ من كُتر ما بشوفهم/ فى النشرة والجرانين/ يا وشوش مابقابلهمش غير بس فى الميادين/ مين فيكو يعرف مين؟/ معرفش أساميكو/ ياللى على الجبهة/ ولا مين رمى القنبلة/ ولا مين جرى وسابها/ ولا نمرة أم الواد/ اللى انضرب بالنار/ ولا اسم شيخنا عماد/ إلا اما بقى له تار/ ولا كشف معتقلين/ اتاخدوا من بينَّا/ ولا مين رسم ع الحيط/ غير انه واد منَّا/ معرفش غير دربكم/ والمشى فى ركبكم/ واعيش وأموت وسطكم/ يا دولة الثوار. (قصيدة "دولة الثوار)
***
يُستَدلّ على براعة الشاعر أو الكاتب عمومًا من قدرته على إيصال أكبر قدر من الأفكار والرؤى والمشاعر والمشاهد فى عدد قليل من الأبيات والجمل، دون الحاجة إلى الإطناب والمط، كما تستطيع رؤية المفردات المستخدمة وكأنها خُلقت لهذا الوضع داخل النص المكتوب. وقد برع مصطفى فى فعل ذلك فى قصيدته "ثم دارت اللمونة".. استطاع فيها بمنتهى البساطة أن يسرد كل ما حدث فى السنوات القليلة الماضية فى مساحة لا تتعدى السنتيمترات من الورق، والتى أنهاها بتلك الجملة التى أستعين بها على ما حدث للثورة من أهوال وأحداث لا تسر عدوًا أو صديقًا، وهى الجملة التى أؤمن بها حتى الثمالة.. "ثم نخسر.. ثم نكسب"..
ثم دارت اللمونة/ دورة كاملة.. ثم داخت/ ثم جه إخوانّا ولامونا/ ثم إن الثورة باخت/ ثم هما هما برضه/ اللى باعوا الطول وعرضه/ يصحوا يتخانقوا ويعارضوا/ ثم إن الريحة فاحت/ ثم مش نازلين معاكوا/ ثم إن الجيش حمونا/ ثم قال حنزل لوحدى/ ثم دقن ف كل حتة/ ثم يعمل مليونية/ ثم يمشى الساعة ستة/ ثم يعمل فيها عنتر/ ثم ياخد علقة سخنة/ ثم حيخزوقنا عسكر/ ثم يطلع من نافوخنا/ ثم دارت اللمونة/ دورة أكبر.. ثم دخنا/ ثم فجأة الكل يتعب/ ثم إن الجيش حيقتل/ ثم إحنا حمارنا يغلب/ ثم جيم الدومينو يقفل/ ثم مصر عاوزة زقة/ ثم ناس ما تقولش لأه/ يركبوا ع الثورة تانى/ ثم نخسر.. ثم نكسب
***
لطالما خانت القدرة على التشبيه الكثير من الكتاب، وأفقدت نصهم تماسكه وقوته التعبيرية، ولا ينجح فى توظيف التشبيهات داخل النص توظيفًا سليمًا إلا قلة من المتمكنين مثلما فعل مصطفى فى قصيدة "دعاء الدبابة": "كان الزمان أيامها شبورة/ والدنيا كانت تشبه الغابة/ وكانوا الديابة../ لسة بيلبسوا كاكى/ والقاضى كان أيامها بالأجرة/ والكرسى كان أيامها ملّاكى/ وكانوا الغلابة لسة زى الرز/ كانوا كتير إنما.. كان قلبهم أبيض/ لو يزعلوا يهتفوا.. أما الأسد بيغُزّ/ والحق أيامها../ كان لسة من غير أب/ والتعالب سمّوا نفسهم مندوبين الرب/ أما الغلابة اللى بنوا الغابة/ كانوا بيصحوا بعد كل مطب/ يدعوا ف أدان الفجر ويقولوا/ يا رب يا منّان/ إحمينا م الخوّان/ نجينا م الشرير/ وانصرنا ع الدبابة".
***
من أعماله المميزة التى سُميت باسمها ثانى دواوينه "المانيفستو" والتى برع فيها بتجميع قوانين الثورة التى كان يمشى على هديها الثوار والتى تعد تأريخًا مفصلاً عن قوانين المقاومة والاشتباك والتمرد، وخلاصة لخبرات الأحداث المختلفة التى مرت بنا فى الثورة، يستطيع أى ثائر مستجد أو باحث أو مؤرخ أن يطلع عليها ليعلم عادات وقوانين الثورة حينها..
ماسبيرو أخطر م الرصاص والقصر
ملّى عنيك بالدم.. قبل الطلوع قدام
ما تسيبش جيشك تِقسمه الأعلام
مش كل مين جنبك.. جواه بيهتف مصر
***
الوقفة جنب النار.. بتقلل الدخان
اهتف هتاف ابن المكان والظرف
اضرب بعزمك.. أو ما تضربشى
ارجع بضهرك.. أو ما تهربشى
امسك عصاية ثورتك م الطرف
التاريخ ضمن الغنايم.. وبيكتبه الكسبان
***
نقى دايمًا طوب صغير حدفتك توصل بعيد
نفترق ساعة المطاردات.. أربعات
نشّن الباراشوت ناحية الصف العريض
نجرى فجأة.. نردّ فجأة.. نص قوتنا المفاجأة
ندّم اللى يعورك.. واقطعله إيد
***
يؤتَى الحذر من مكمنُه
يأتِى الغبى باللص ثم يحلّفه
يؤتَى الهتاف.. رجا بممن يَهتِفه
يؤتَى الجدع.. قلبا بمما اتجَدعنُه
***
فرّق ما بين.. الجرأة والقلب الحديد.. والرمى جوا التهلكة
فتش بإيد ع المستفيد.. وبإيد عن الصاحب الجدع
فتح إذا الناس غمضت.. غمض إذا نظرك خدع
فرّغ عياطك ع الصحاب.. دم وخميرة.. مش بكا
***
سمى الحاجات دى باسمها..
الكدب.. والخوف.. والخيانة
سجادة المسامير.. تتحط ع الناصية..
غطّيها بالدخان.. ولّع قصادها كاوتش
سد الطريق لورا علشان ما تترددش
سيب باب لجيشهم يهربوا منه
سلّم رايات الحلم لحد من سِنُّه
سلّم قراركوا لأكتر كفّ عرقانة
***
تبّت يدا من ساب رفاق المعركة بطولهم
تمن القضية اللى اندفع مبقاش يجوز يرجع
تتعب تبص ف عين.. أصحابك الطايرة..
شوف مين من الآخر دفع.. لو زيهم.. ادفع
تلت الرصاص نحو العدو.. تلتينه للخاين..
الطعنة جاية من هنا مش من هناك
تعب النهاردة غير تعب بكرة .. الوقت مش دايمًا معاك.
تحتك فيه ناس عاوزة الأمل.. مش عاوزه؟.. سيبهولهم
***
وسّع الجبهة لو انتوا كتير.. وضّيقها لو انتوا أقل
ولع شماريخ وسطكوا أول ما تلقى الرتم قل
وقّع لمض كل العواميد اللى كاشفة ناحيتك
ودّى الإعاشة قبل ما تدوق لقمتك
وجّب مع السكان وأهل المنطقة..
حتى لو فاهمين غلط..
فيه ناس كتير متلخبطة..
اكسب عدد.. واكسب غطا
وزع عيونك فوق وتحت.. وخاف من اللى يصورك
وطّى وعينك باصّة فوق ع الطوب وإلا يعوّرك
وقّف إذا سحبوك على شارع طويل
وفّر بديل
وافق على الهدنة إذا سحبوا الكلاب
لو سابوا خليك انتا آخر حد ساب
واحد بيفرق ف العدد جدًا
وعشان كده..
أول ما تلقى إن الصفوف ناقصاك
وسع مكانك.. للى جاى وراك
***
"التاريخ يعيد نفسه".. مقولة جسدتها قصيدة "إنى رأيت اليوم" تجسيدًا حيًّا وعبقريًّا، ذلك المزيج البديع بين ما حدث للحسين رضى الله عنه وأرضاه هو ورفاقه فى كربلاء وبين ما حدث للثوار فى معارك الثورة، هو عمل بديع واحترافى جعلنى فى غاية الشغف لمعرفة قصة كربلاء بالتفصيل، والتى رأيت فيها تجسيدًا للثورة بكل شجاعتها وألمها، حيث نضال الحسين ومن معه ضد "يزيد" وظلمه حتى الرمق الأخير، رغم قلتهم وخيانة أهل الكوفة لهم. وتولَّد حينها حبى الجارف لسيدنا الحسين داخل قلبى جراء تلك المعرفة التى أدين بها لمصطفى وقصيدته، والتى تُظهر مدى الشبه بين قصص التمرد والنضال على مر التاريخ. ورغم مرور أكثر من ألف سنة بين القصتين إلا أن الحق واحد والنضال واحد.. والنهاية واحدة. وقد أنهاها بتلك المقطوعة الشعرية الموجزة والمبدعة:
إنى رأيت اليوم.. الصورة من برة
وقلت الحسين لسة.. حيموت كمان مرة
إنى رأيت اليوم.. فيما يرى الثائر
إن الحسين ملموم.. فوق جثته عساكر
بيدغدغوه بالشوم
كل أما ييجى يقوم
وان البشر واقفة
تبكى بدال ما تحوش
وان العلم مصفاه
م السونكى والخرطوش
وان الطريق مفروش.. بالدم للآخر..
إنى رأيت اليوم..
الدم ع الآيش..
وإن الحسين إحنا..
ومهما اتقتل عايش
***
المبهر فى كل ذلك ليس فقط القصائد أو حرفيتها أو صدقها، بل -أيضًا- فى أن مصطفى لم يكن قد أكمل الـ27 من عمره عندما كتبها وهذا يُعَدُّ برهانًا قويًّا على عظمة قدرات الشباب وإبداعهم، الذى يحتاج فقط الظروف المشجعة والمناسبة ليعلن عن نفسه جليًّا واضحًا بديعًا.
مازلت أحتفظ بديوان "المانيفستو" الذى تركه لى صاحبه ومضى.. لأهديه لأبنائى عندما يسألونى عمّا حدث فى تلك الثورة المجيدة وعن أصحابها وأحداثها، والتى لن يحيط بها أو يفيها حقها أكثر من قصائد الشعر الصادقة، دون أن أخاف من تزييف فى سرد تلك الأحداث العظيمة التى غيرت وجه تاريخ مصر والشرق الأوسط بأكمله.

* الكاتبة عمرها 17 عامًا.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قراءات"
 

  » الأمل والرغبة فى التمرد وكسر الطوق|..فى نصوص "شيماء الصباغ
  » التواصل الثقافى مع التراث فى الممارسة النقدية
  » الثورة المصرية فى "تاكسى أبيض"
  » الشعر كأداة لتخليد الفعل الثورى قراءة فى ديوان "مانفيستو"
  » ريبرتوار.. خطاب التسلط بين السياسة والمسرح
  » ما لم تقله "قصيدةُ النثرِ" عن "الثورة"
  » سيد حجاب والكتابةُ بالإزميل

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 7 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية