الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
ريبرتوار.. خطاب التسلط بين السياسة والمسرح
 

د.أبو الحسن سلام


عرف الريبرتوار مصطلحا فنيا خاصا بإعادة إنتاج عرض مسرحى أو عمل أدبى أو فنى، سواء بوساطة مبدعه الأول أو مبدع آخر فى مؤسسة إنتاجه الأول أو فى مؤسسة أخرى وفى ثقافة أخرى بلغة أخرى. ومن مثلته فى المسرح تجربة توفيق الحكيم فى مسرحيته الشهيرة "السلطان الحائر"، حيث كتبها فى معالجتها الأولى بالفرنسية تحت عنوان "اخترت" ثم أعاد كتابتها عربيا تحت عنوانها المعروف. وكذلك قصة "جمهورية فرحات" القصيرة، كتبها يوسف إدريس بتحفيز من إدارة جمعية أنصار التمثيل، وأعاد كتابتها مسرحية بالعنوان نفسه، ليعالج فيها فكرة الفلسفة الفابية وخطابها نحو تحقيق الاشتراكية على مراحل، تأثرا بمنظور الجمعية الفابية التى كان جورج برنارد شو أحد أعمدتها. و"الليلة الكبيرة" لصلاح جاهين حولها من سهرة إذاعية عن احتفالية المولد إلى عرض مسرحى عرائسى شعبى. وقصيدة "كبرى الحادثات" لأحمد شوقى التى أعاد كتابتها موزعة على ثلاث مسرحيات شعرية هى "قمبيز"، و"مصرع كليوباترا"، و"على بك الكبير". كل تلك النماذج تنضوى تحت مصطلح ريبرتوار.
 وفيما بين رحلة نظام الحكم المصرى من 1952 إلى 2011، أعاد نظام يوليو إنتاج سياساته تبعا للانقلاب الاقتصادى من رأسمالية الدولة إلى رأسمالية الأفراد حيث أرْخت مؤسسات النظام قبضتها عن ملكية وسائل الإنتاج وسلمتها لحفنة من الأفراد من شريحة الكومبرادور/ الوسطاء الطفيليين. ولأن الثقافة والحركة الفكرية والأدبية والفنية جزء من نظام الدولة سواء وقفت تحت شعاراتها أم سارت بموازاة مسيرها أم اتخذت مواقف معارضة لسياسات النظام؛ فمن المؤكد أن أثر إعادة إنتاج نظام الستينيات لسياساته قد أصاب الإبداع المسرحى بفقر الدم وبالسكتات الفكرية الثقافية والإبداعية المتكررة؛ فبقدر ما يعكس المتغير الاقتصادى نفسه على الواقع السياسى، والاجتماعى؛ يعكس نفسه على الواقع الفكرى والثقافى، ويظهر بوضوح فى فنون الأدب والفنون الأدائية من سينما ومسرح، وقد رأينا هذا الأثر فى انقلاب فكر بعض أعمدة مسرح الستينيات –من مؤلفى اليسار- ممن وظف خطابه المسرحى داعيا لفكر نظام الستينيات، فنقض خطاب مسرحه فيما أعاد كتابته ليدعو لفكرة التزاوج بين الطبقات التى رفضها فى خطاب مسرحيته نفسها التى عرضت فى الستينيات؛ فإذا به يعيد كتابتها ليغير مضمونها من رفضه لفكرة التزاوج بين الرأسمالية والبروليتاريا، همزا وفكرا يشى برفضه لفكرة تحالف قوى الشعب العامل شعار النظام الشمولى من خلال الاتحاد الاشتراكى الذى يجمع بين عينات من طبقات وفئات اجتماعية جمعا تلفيقيا بعد إلغاء الأحزاب.
لكم كانت دهشتى عميقة عندما شاهدت عرض مسرحية ألفريد فرج وهو من هو فى مسرحنا العربى مؤلفا، وصاحب موقف عقيدى ينتسب بقوة لحقل الفكر الاشتراكى. فإذا به عند إعادة عرض مسرحيته "جواز على ورقة طلاق" التى أخرجها عبد الرحيم الزرقانى للمسرح القومى المصرى فى الستينيات، وتحولت إلى عرض ريبرتوار بإخراج أحمد عبد الحليم لفرقة المسرح الحديث، فإذا به يجرى تغييرات على النص تنقض خطاب مسرحيته فى كتابتها الأولى، ليصبح خطابها فى عرض الريبرتوار مؤيدا وداعيا لفكرة تزاوج رجال المال بالسلطة، ومن ثم جواز تزاوج ممثل الرأسمالية الحاصل على درجة الدكتوراه من الخارج فى موضوع الأوتو ميشن – الميكنة التى تحل الآلة الذكية المبرمجة محل العامل، وبذلك تنسف فكرة صراع الطبقات وكفاح البروليتاريا ضد استغلال طبقة رأس المال، بعد استغناء رأس المال عن قوة عمل الطبقة العاملة.
اقتبس ألفريد فرج موقفا دراميا عابرا من رواية "بين القصرين" للعظيم نجيب محفوظ، موقفا يعد بمثابة النقطة العمياء فى مسير بنية الرواية، وهو الموقف الذى تنقذ فيه بنت الجيران ابن السيد أحمد عبد الجواد –طالب الحقوق اليسارى الثائر- الذى تطارده مفرزة جنود المحتل البريطانى فى شوارع القاهرة فى عشرينيات القرن الماضى، فإذا بها تتناول من سور سطح منزلها ومن بين يديه الحقيبة التى تحتوى على منشورات كلف بتوزيعها وسيلة مقاومة للاحتلال. ويظهر التناص فى مسرحية ألفريد فرج فى عدم انتفاع مراد ابن الطبقة الرأسمالية بما كان فى حقيبته التى أخفتها حبيبته زينب عن البوليس السياسى وأنقذته من الضبط متلبسا بحيازة كتب ممنوعة، فالتهمت موضوعاتها فى الفكر الاشتراكى ومن ثم تحولت إلى مناضلة ونقابية عمالية، على نقيض مراد الذى عاد مديرا للمصنع الذى يعمل به والدها الذى أصبح سائقا خاصا لمراد نفسه.
ومجاراة لتغير خطاب النص فى عرض ريبرتوار للمسرحية نفسها وظف المخرج أحمد عبد الحليم مناظر المسرحية ومؤثراتها الضوئية والصوتية والموسيقية بما يجسد واقع الحياة المصرية وثقافة عصر الانفتاح الاستهلاكى وتبعاته تأكيدا لسيطرة مراد بك ممثل رأسمالية الوسطاء الكومبرادور والقطاع الخاص.
والسؤال: هل قصد ألفريد فرج التعبير عن يأسه من تحقيق مجتمع غبر قابل للتزاوج بين المال والسلطة فى فرض إرادته على الطبقة العاملة، أم أنه يعيد إنتاج واقع سياسى ترتبط فيه شريحة الرأسمالية الفردية الرثة والمنفلتة، وانعكاساتها على واقع الحياة المصرية العريضة؟!
بين عرضين مسرحيين لنص واحد برؤيتين مختلفتين لمخرج واحد فى فترتين زمنيتين متباعدتين على نحو إخراج الفنان حمدى غيث لنص "الزير سالم" لألفريد فرج مرتين برؤيتين مختلفتين وإنتاج مختلف وبطولة مختلفة بين عبد الله غيث فى نهاية الستينيات بفرقة المسرح القومى ونبيل الحلفاوى فى منتصف الألفية الثانية بإنتاج المسرح القومى أيضا، فهنا تكون الموازنة بين العرضين أساس منهج البحث فى دراسة موازنة، بينما تتمثل الدراسة المعارضة بين عرضين مختلفين برؤيتين مختلفتين؛ لمخرجين مختلفين فى فترتين زمنيتين مختلفتين، مثال نص "جواز على ورقة طلاق" المعدل بقلم المؤلف نفسه ألفريد فرج مع التركيز على إشكالية منهج التمثيل وتباينها بين الرؤية الأولى للمخرج عبد الرحيم الزرقانى والرؤية الثانية للمخرج أحمد عبد الحليم؛ للكشف عن اختلاف خطاب النص المعدل عنه فى النص قبل التعديل؛ حيث تمحور خطاب المسرحية نفسها فى نهاية الستينيات حول فكرة استحالة التزاوج بين الطبقتين الرأسمالية والعمالية بينما تمحور الخطاب المعدل للنص نفسه 2005 حول إمكان تزاوج رأس المال مع العمال. وهنا يكون على التأصيل العلمى للمعرفة البحثية أن يمدنا بمعلومات عن المتغير الاقتصادى والسياسى الذى حدا بالمؤلف الاشتراكى الفكر ألفريد فرج ليغير من خطاب معتقده الستينى إلى خطاب مناقض له. عند ذلك سيعكف الباحث على دراسة الخطابين السياسيين للمرحلتين وانعكاسات نظام رأسمالية الدولة ونظام الانفتاح الاستهلاكى بعد حرب أكتوبر 1973 وصولا إلى المتغير السياسى والاقتصادى فى الألفينية؛ حيث سيطرة شريحة طفيلية من طبقة التجار الرأسماليين الكبار على السلطة التنفيذية العليا فى مصر؛ وهنا وجد ألفريد فى نفسه قدرة على التلون باللون الذى يكسب التأييد لفكر تلك الشريحة الرأسمالية الطفيلية الجديدة التى اتبعت سياسة السمسرة والكومبرادور الوسطاء التجاريين الذين آلت إليهم ملكية وسائل الإنتاج مع سياسة الخصخصة فى عصر الرئيس الأسبق مبارك بدءا من ثمانينيات القرن العشرين حتى انتفاضة يناير 2011 الشعبية.
ولنلاحظ أيضا تجربة عرض د.هانى مطاوع لمسرحية "يا مسافر وحدك" عن مسرحية إيفرى مان من القرن الرابع عشر فى عرضها لرحلة حساب الإنسان بعد موته منفردا دون معين. وما كان عرض "يا مسافر وحدك" إلا ترويجا لثقافة العصور الوسطى الأوروبية، بالتوازى الموالى لمرحلة صعود تيارات التدين الإسلاماتيكى الإخوانى والسلفى فى مصر.
هكذا تزامنت ثقافة الريبرتوار المسرحى فى مصر مع إعادة نظام يوليو إنتاج الخطاب السياسى لريبرتوار خطابها الديماجوجى؛ مع تغيير الشعارات بين مرحلة التعريض السياسى الساداتية بمرحلة التعريض السياسى الناصرية بعصر الملكية، وصولا إلى مرحلة الترويض الاقتصادى والاجتماعى والثقافى فى المرحلة غير المباركية.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قراءات"
 

  » الأمل والرغبة فى التمرد وكسر الطوق|..فى نصوص "شيماء الصباغ
  » التواصل الثقافى مع التراث فى الممارسة النقدية
  » الثورة المصرية فى "تاكسى أبيض"
  » الشعر كأداة لتخليد الفعل الثورى قراءة فى ديوان "مانفيستو"
  » ريبرتوار.. خطاب التسلط بين السياسة والمسرح
  » ما لم تقله "قصيدةُ النثرِ" عن "الثورة"
  » سيد حجاب والكتابةُ بالإزميل

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 7 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية