الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
ما لم تقله "قصيدةُ النثرِ" عن "الثورة"
 

محمود خير الله


"لن يقولوا كانت الأزمنةُ رديئةً، بل سيقولون: لماذا صمت الشعراء؟"
الشاعر الألمانى برتولت بريشت
جدَّدت "ثورة 25 يناير 2011 "والحراك السياسى الملحوظ الذى تركته ثورات "الربيع العربى" على وجدان الشعوب، الأسئلة الكبرى فى الشعر، خصوصًا فيما يتعلق بقدرة القصيدة العربية على مواكبة هذا الحراك "الاجتماعى السياسى"، وتقديمه فى الشعر، خصوصًا فى قصيدة النثر، ذلك الشكل الشعرى "الحُر"، الذى يستمدّ اسمَه وطبيعته وسماته، من مفهوم "الحرية" الأوسع، الذى كان محورًا أصيلاً فى كل شعارات "الربيع العربى"، وطالما حلمت به تلك الشعوب المقهورة على مدار التاريخ، واعتبر واحدًا من أجمل أهدافِ الشعر الإنسانى، أيًا كان شكلُ هذا الشعر أو لونه أو لغته أو الحساسية التى يُعبِّر عنها.
الشاعر الألمانى، برتولد برشت، لخَّص جوهرَ المُعضلة التى تواجهها قصيدة الشعر فى كل العصور، والقصيدة العربية عمومًا، وقصيدة النثرِ على وجه الخصوص، حينما لا تتنتصر الثورات، ويكون الشعراء بعيدين عن الحراك الاجتماعى، فى العبارة التى قالها حينما انتصرت النازية فى ألمانيا، أواخر ثلاثينيات القرن الماضى، حين قال: "لن يقولوا كانت الأزمنةُ رديئةً، بل سيقولون: لماذا صمت الشعراء؟" فى حال أُجهضت ثورة هنا أو هناك، أو تبيَّن فيما بعد أن الشعراء كانوا أبعد ما يكونون عن أهداف هذه الثورة، بل والمؤسف، أن يكون بعضهم وضع يده ـ أصلاً ـ فى قبضةِ الفاشية.
لا يبدو من المُبكر الحديث عن المُنجز الشعرى، الذى اعتبر شعارات وأيام وشهداء "ثورة 25 يناير" مِحورًا له، والحق أن الكثير من القصائد دُبِّجت فى مديح الثورة منذ قيامها، حيث شملت الأيام الـ 18 التى سبقت الإطاحة بالرئيس "المخلوع" حسنى مبارك،  تواجدًا مكثفًا للشعر والغناء فى ميدان التحرير وسط الحشود، كانت كلها قصائد تنتمى إلى المشهد الشعرى التقليدى، الذى يعتبر التفعيلة الشعرية محورَه الموسيقى، وهو يشبه الشعر الذى كان سائدًا قبل الثورة بعشرات السنين، ولا يخالف القواعد الفنية المُتّبعة فى الشعر الذى كُتب قبل هذه الثورة.
الحق أن الشاعرَ العربى الجديد، يواجه منذ اندلاع "الربيع العربى" أسئلةً كبيرةً لم يتمكن أحد من التصدى للإجابة عليها، حتى الآن، خصوصًا فى جيل التسعينيات وبين شعراء "قصيدة النثر المصرية" تحديدًا، وهو الجيل الذى عوّلت عليه القصيدة المصرية، خلال العقدين الماضيين، لإنتاج شعرية مختلفة، فى الشام والعراق كما فى المغرب العربى، وبلدان الخليج، إذا أخذنا فى الاعتبار، أن قصيدة النثر لها تراث ممتد فى الذاكرة العربية لأكثر من خمسين عامًا، وفى التراث الغربى لأكثر من قرنين من الزمان، سواء قبل الفرنسى صاحب "أزهار الشر" شارل بودلير "1821 - 1867"، أو بعده.
***
إلى جوار نصوص العامية والأغانى، والقصيدة الفصحى التقليدية "العامودى والتفعيلى"، لم يكن لشعراء قصيدة النثر فى مصر وجودًا كافيًا فى هذا الحراك الشعرى المصاحب للثورة، أو على قدر المسئولية التاريخية، الموكولة لشعراء هذا الجيل، والأجيال اللاحقة، التى لا يجب أن تتغنّى بالحرية، بينما تترك الجماهير تواجه نيران الشرطة والاستبداد بصدورٍ عارية فى الشوارع.
يقول الشاعر الفلسطينى نورى الجرّاح ـ فى افتتاحية العدد التاسع من مجلة "الجديد"، التى يرأس تحريرها فى لندن، والصادر أكتوبر الماضى ـ فإنه: "لا يُمكننا أن نغفرَ للشعراء هروبهم من معركة الحرية، وترك المُطالبين بها يخوضون بدمِهم العارى فى مواجهة الاستبداد ووحوشه، لا يمكننا أن ننادى بالحرية لأنفسنا كشعراء، ثم عندما يقتدى الناس بالفكرة ويثورون على الطغيان مطالبين باسترداد حريتهم وكرامتهم ندير لهم ظهورَنا وننكر عليهم ثورتهم، ثم نطلع عليهم بأقبح الحجج والذرائع، شخصيًا لا يمكننى أن أرى فى هذا عملاً أخلاقيًّا، بل إن صاحبه مراوغ يعوزه الحد الأدنى من الشجاعة الأخلاقية".
من جانبها، لم تخالف قصيدةُ النثر ناموس الشعر العربى، حينما اتخذت موقفًا شعريًا يتجنب الحديث عن الثورة ويبدو عليه مُبتعدًا ـ قدرَ الإمكانِ ـ عن اتخاذ موقف منها، حيث فضَّل عدد كبير من شعرائها تجنب الخطاب السياسى المباشر، بالكتابة عن الثورة، أو الدخول فى تفاصيل الحياة الواقعية، التى يعيشها إنسان هذا العصر عمومًا، وهذه الجغرافيا بالتحديد، عملاً بنصائح كانت سائدة فى الثقافة العربية قبل الربيع العربى، تعتمد على نظرية الكتابة عن الذاتى والعادى والهامشى، تجنّبًا للحديث عن الدماء التى يمكن أن تسيل فى الشوارع، من دون أن يودِّعها شاعر، ولو بقصيدةِ شعر، وهى النظرية التى خلفتها أفكار انتشرت نهاية تسعينيات القرن الماضى، بشأن انتهاء الصراع بين الرأسمالية العالمية وما سواها، وأن الرأسمالية انتصرت فى معركة "نهاية التاريخ"، وهى النظرية التى أثبتت الأحداث السياسية الأخيرة، خصوصًا "الحرب ضد داعش" سذاجتها، مثلما أجهزت عليها أيضًا ثورات الربيع العربى، التى أطاحت مبكرًا مقولات منظِّرها الأكبر فرانسيس فوكوياما، المنظر الأمريكى من أصل يابانى صاحب الكتاب الشهير "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، الصادر عام 1992.
***
من بين كثيرٍ من شعراء قصيدة النثر المصرية، انتقيتُ ثلاثة نماذج شعرية مصرية فقط، على سبيل المثال، حاول كل منها التعبير عن روح "ثورة 25 يناير"، وهى دواوين "قنابل مسيلة للدموع" للشاعر كريم عبد السلام، و"كان نائمًا حين قامت الثورة" للشاعر عماد أبو صالح، و"يارا" للشاعر محمد رياض، على ما بينها من تفاوت فى الرؤية والأسلوب والطاقة الشعريّة والبلاغية، إلا أن ما جمع بينها هو اعتبارها الثورة موضوعًا للشعر، من ناحية، وكونها تنتمى جميعًا إلى قصيدة النثر الجديدة، التى تتسم بتنوع الأنماط وتعدد البِنى الشعرية، وتستند إلى المفارقة الشعرية استنادًا رئيسًا.
"قنابل مسيلة للدموع"، للشاعر كريم عبد السلام، صدر بعد الثورة بعدة شهور فقط، ضمن منشورات "الكتابة الأخرى"، وهو التاسع فى مسيرة صاحبه، بعد دواوين "استئناس الفراغ"، و"بين رجفة وأخرى"، و"باتجاه ليلنا الأصلى"، و"فتاة وصبى فى المدافن".. وغيرها، وهو جزء أصيل فى تجربة شاعره، كونه كان انحرافًا ـ إذا جاز لنا التعبير ـ أسلوبيًا فى مسيرته، فبعدما كانت قصيدته قبل هذا الديوان تتسم بالمشهدية الذاتية، التى لا تستبعد المجاز، عاد الشاعر فى ديوان "قنابل مسيلة للدموع" إلى لغة بسيطة تستند إلى المفارقة، عمّقها فى ديوان جديد صدر مؤخرًا عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب" بعنوان: "?أكان لازمًا يا سوزى أن تعتلى صهوة أبى الهول"، فى إشارة إلى زوجة الرئيس الأسبق حسنى مبارك.
يبدو كريم منحازًا إلى الموقف الثورى النضالى ضد الديكتاتور، مُستخدمًا لغة عادية وساخرةً، فى بعض النصوص، يقول فى قصيدة "نظام الرمل": 
"عندما صرخنا "يسقط الديكتاتور"
اكتشفنا أن سجونًا رهيبةً مصنوعة من الرمل،
وأن مدنًا كاملة مبنية من الرمل،
وأن القادة المرعبين،
والطغاة القساة،
والعساكر ذوى العربات المصفحة،
والسياسيين المفوَّهين،
والحزبيين التجار،
مجبولون من الرمل
وأن الرمل لم يكن يحتاج حتَّى ينهار،
إلا إلى موجةٍ صاخبةٍ من البحر،
الذى غافلَ الجميعَ واستقرّ فى ميدان التحرير".
***
ديوان الشاعر عماد أبو صالح "كان نائمًا حين قامت الثورة" الصادر ـ كالعادة على نفقة الشاعر الخاصة ـ العام الماضى 2014، جاء الديوان مُختلفًا، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على الأحداث، التى شهدها الميدان، حيث اختار الشاعر رُكنًا قصيًّا لا ينحاز فيه إلى أحد، مُتلصصًا على العالم الذى تحدث فيه الثورة، من عين شحاذ كسول شديدة الخصوصية ومستحيلة الحياد:
"أنا مجرّد متسول،
لكننى
خدمت الثورة 
أكثر  من الثوار أنفسهم
ـ كيف؟
خدمتها بعدم مشاركتى 
بقيتُ جالسًا
على هذا الرصيف،
أمد يدى للعابرين
مددتُها بحماس 
بإخلاص وخِسّة،
بكل خبرتى فى الوضاعة،
أنا لا أحلمُ بحياةٍ أفضل،
ولا أهجرُ مهنتى،
يروح ديكتاتور
ويجىء ديكتاتور
وأنا ثابتٌ فى مكانى،
سلالتى طويلة 
لى أجدادٌ فى الماضى
وأحفادٌ فى المستقبل،
أنا الباقى
أنا الخالد
أنا الواقع فى قاعِ الثورات،
أنا حارسُ الأمل
فى الثورةِ القادمة".
الحق أن تجربة الثورة فى ديوان "عماد أبو صالح"، تبدو مستندة إلى رؤية أشمل للظاهرة الاجتماعية والسياسية، معتمدةً بوحًا شعريًا مؤثرًا، فالبطولة هنا ليست لثائرٍ قد يتحول غدًا إلى ديكتاتور، وليست أصلاً للديكتاتور الذى يدعى أن الله معه، وأنه: "يحمى عرشى على الأرض/ وأنا أحمى عرشَه فى السماء"، وليست للعجوز النحيل الذى جرفته الثورة إلى الميدان فى خريف العمر، بفم يسيلُ منه الدم، بل البطولة الأكبر فى رأيى هى لذلك النائم بعمق بينما الثوار هناك يشيّعون جنازة الحرية، البطولة لذلك المتشرد الذى منح الغطاء ـ ذات مرة ـ للثوار فى الميدان، وتقاسم معهم نصف سيجارة:
"حين رحلوا فجأة أحس بالألم،
بوحدة لم يجربها فى حياته،
أطعمهم رغيفَه،
وسرقوا منه
نعمةَ العراء".
***
عبَّر الشاعر محمد رياض فى ديوانه الثانى، "يارا"، الصادر قبل شهور عن دار "روافد"، عن  انحيازه التام والمطلق للثورة، مُستلهمًا تجربة سجن الناشطة المصرية يارا رفعت سلام ـ ابنة الشاعر والمترجم الكبير رفعت سلام أحد أبرز شعراء السبعينيات ـ موجهًا إهداءه "إلى روح شيماء الصباغ"، الناشطة المصرية المغدورة، التى قُتلت برصاص الشرطة، 24 يناير 2014، بينما كانت تحمل باقات الورود إلى ميدان التحرير، فى الذكرى الرابعة للثورة المصرية.
تنتمى قصيدة رياض لغةً وأسلوبًا وموضوعًا إلى الثورة، معتبرًا إياها ـ إلى حد ما ـ نوعًا  من الشعر، منطلقًا من المسلمات التى ينساها الكثير من الشعراء، ويبدأ سطور قصيدته الأولى مندفعًا كالسيول:
"حبيبى نجمٌ بعيدٌ ومخالبى عالقة فى الصخور،
يطل حبيبى كل ليلة فيضىء ألمى،
يغيب فتتشرد أفكارى فى الفضاء
أنا الطائرُ الشاعر
كنتُ سابحًا فى السماء وأقعدتنى الهزيمة،
مشيتُ على الصخور حتى وَهَنت مخالبى،
جسمى ضئيل وأجنحتى أثقل من الماء والذكريات".
القصيدة هنا تخلصت من عقدٍ شعرية عدة، وباتت على غير المزاج العام لقصيدة النثر المصرية، التى تحتفى بالمجانية والإيجاز والإيمان المفرط باليومى والعادى والعابر على حساب القضايا ذات الشأن العام، التى بات نقادٌ كثيرون يؤطرونها فى تعريف نقدى ساذج، تحت اسم "القضايا الكبرى"، التى كانت فى حسبانهم من مخلفات القصيدة التفعيلية فى الستينيات، ولم يعد على شاعر النثر اليوم ـ لكى يكون جديرًا بإعجابهم ـ أن يقترفَها فى قصيدتِهِ.
على العكس تمامًا من الأجيال السابقة، تتوق قصيدة رياض إلى الحرية بمعناها الفلسفى والشعرى، فى رسالة شعرية طويلة، ضد كل أشكال الظلم والاستبداد والقسوة، حيث يهدى الديوان لشهيدةٍ ويخاطب فى كل سطوره حبيبةً سجينة، أدى سجنها إلى تعرية الكثيرين وكشف عوراتهم، يقول:
"أخذوكِ
من أجل أن تجوسَ المدرَّعات حرةً فى شوارعنا
من أجل أن تحاصرنا الأسلاك الشائكةُ والبوابات والجدران
من أجل أن يلعب أطفالنا لعبة الحواجز
وسط هتاف الجنود
ولعلعة البنادق".
من جديدٍ، تعودُ القصيدة إلى عشقها الأول، فالشاعر ليس طائرًا يعبر بين السُحب هنا، بل متظاهر يجول فى الشوارع العارية كفراشة بين ثورتيْن، يدخل المعارك ويخرج منتصرًا، مثلما يخرج منها ـ أحيانًا ـ عاشقًا، يقول:
"أحبٌّك
حريتى معلقة بقُرطٍ تضعينه دون خوف
بمشبكٍ فى شعرك
بعطرٍ يضوعُ منكِ قبل الاحتفال
بعبارة صريحة:
حرّيتى هى أن أراكِ حرةً
لأنك كل يوم تسحقين قناعاتى
وترسلين أوهامَ انتصارى للعواصف".
***
أغلب الظن أن أجمل ما يُمكن أن تقوله قصيدة النثر المصرية، عن الثورة ـ سواء "25 يناير" أو غيرها ـ لم تقله بعد، إذ إن طموح النص الشعرى فى ملامسة العالم المحيط لا يبدو طموحًا قابلاً للاختصار، أو محدودَ الأحلام، ما دام هناك على هذه الأرض ما يستحق الحريَّة، ومَنْ يستحق النضالَ من أجلها.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "قراءات"
 

  » الأمل والرغبة فى التمرد وكسر الطوق|..فى نصوص "شيماء الصباغ
  » التواصل الثقافى مع التراث فى الممارسة النقدية
  » الثورة المصرية فى "تاكسى أبيض"
  » الشعر كأداة لتخليد الفعل الثورى قراءة فى ديوان "مانفيستو"
  » ريبرتوار.. خطاب التسلط بين السياسة والمسرح
  » ما لم تقله "قصيدةُ النثرِ" عن "الثورة"
  » سيد حجاب والكتابةُ بالإزميل

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 7 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية