الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
Goodnight mommy.. ألا تُبصِر بينما ترى
 

إسراء إمام


فى فيلم antichrist للمخرج "لارس فون ترير"، تبلغ البطلة الطور الكامل لنوبتها الاكتئابية، فيحل الوهم محل دماغها، ويوعز له بكل المُنكَرات، المُهلِكات، وفظائع الجُرم. تتحول تلك السيدة الرقيقة، واهنة الهيئة والقدرة إلى سفاحة متوحشة. يقودها الوهم إلى التمثيل بجسد من تحب، لتكن على يقين من أنه لن يُفارقها. تعتقد، وتمتطى اعتقادها إلى حتفها بنفس طيّعة. فما إن خَرِبَت رأسها، انتفت هويتها وضُلِلِ هواها. الوهم قتلها، وأمات الحب فيها وفيمن حولها.
وفى حياة أخرى، موازية لحياة هذه البطلة المكتوبة فى سطور فيلم، شاهدتُ رجلاً يحرص فى سيره، على أن يتحسس فى كل خطوة من خطاه الأرض من تحته. يومها، كنت برفقة زميل طبيب، وحينما رآنى وقد استغرقنى التحديق فى الرجل باندهاش، أفادنى بأنها إحدى أشكال حالة مرضية عقلية، تعرف باسم "catatonia"، يتهيأ فيها للمريض أنه قد يفقد الأرض، لذا فهو يطمئن دومًا لوجودها من تحته بتلمسها كلما يُحرك قدمًا. وهمًا آخر يدفع الحالات المتأخرة من نفس المرض، لأن تدّب فى مشيتها، ليسعها التأكد من وجود الأرض تحتها.
الوهم أقصر الطرق للفناء، هو معضلة الوجود الأولى، والشرط الأصيل فى صراع قابيل وهابيل. فى البدء كان هو، قبل استحضار التشخيصات الطبية، والأنواع المَرَضّية المدرجة تحت خانته. هو بفطرته وبداوته، عدو الإنسان. إن قتلنا فينا الوهم، عشنا. وإن عشنا به، ستوافينا المنية أجمعين.
الفيلم الألمانى "ich she ich seh" 2014، أو goodnight mommy من أفضل الأفلام التى نجحت فى التعاطى مع فكرة الوهم، على مبعدة من طبيعتها كمرض، وبمنحًى أيضًا عن وجودها الهادئ المعقول فى حياتنا، الذى قد يؤرق ولا يُميت. مستحكمًا بغرابة شديدة على مداخل عِدة فى الطرح، أهلته ليكون موسوعى التصنيف. فالبعض قد يعِده فيلمًا دراميًا صادمًا، والآخر قد يراه نفسيًّا معقدًا، أو مشوقًا، أو حتى مُرعِبًا. بل قد يصفه أحدهم بأنه كل ذاك فى آن. الأهم، أنك بعد مشاهدة هذا الفيلم، لن تغفل عن هذا الوجه الطفولى الفطرى للوهم. دون أدنى تفسير، أو تأويل. أنت وهو وكفى.

القصة
"إلياس" طفل وحيد، مات أخوه لوكاس فى حادث لم يتطرق له الفيلم أبدًا. بينما تأذى وجه والدته حد التشوه، مما دفعها لخوض جراحة تجميلية دقيقة. الفيلم لم يبدأ بسرد الوقائع كما لخصتها أنا الآن. وإنما السيناريو اختار أن ينحاز إلى وهم "إلياس"، يُدّون بداية منه كل شىء، ويجعلك ترى بعينه وتتتبع بخطواته. "إلياس" مازال معتقدًا فى وجود لوكاس، يحيا معه كل تفاصيل يومه، ويسقط من ذاكرته واقعة موته. طوال الفيلم، ستُصدق وهم إلياس لسبب بسيط، وهو أنك عشته كليًّا، كنت دماغ هذا الطفل المسكين، فلم يساورك لوهلة شك حياله، بينما تماديت معه فى شكه صوب والدته، وفزعه من كونها تبدلت بأخرى بعد عمليتها الجراحية. إلى أن تتطور الأمور، وينمو وهمه لدرجة لا يتورع فيها عن تعذيب أمه، وحرقها حية، اعتقادًا منه أنها مجرد لصة، تتجاهل وجود أخيه لوكاس عمدًا، لتُضعِف رابطتهما معًا، غير مقتنع على الإطلاق أنها فقط لا تراه.

السيناريو (ألا تُبصِر وأنت تَرى)
منذ البداية، والسيناريو يصرخ فى خباثة بمدلولات حالة الأم النفسية، والتى استخدمها كسلاح ذى حدين، فهى تُخَدّم على وهم إلياس، وتجعلنا نتآزر معه فى التشكيك فى هويتها، وفى الوقت ذاته، وبعدما نكتشف الحقيقة، نرى أن الأمور عينها التى غذّت وهمنا، هى إثبات سرابه وهشاشته. هذه السيدة التى عادت إلى منزلها بضمادات كفنية فوق وجهها، مخبأة قسماتها، وطامسة لأنوثتها. انهارت نفسيًّا، وتحولت إلى امرأة غريبة الأطوار. تتمادى فى العنف حيال ابنها، وتعاقبه بطرق مرفوضة، مُنفرة، تحفز كرهك لها، ونبذك لفكرة أن تكون أمًّا حقيقية.
 كل هذا بمعزل عن الضغط المتخفى، فيما يخص أعراض إلياس التى ضجت بها، وحَمّلتها فوق طاقتها، وجعلتها فى موضع حرج ذهنى. ولأننا لا نعرف بشأن هذه المتاهة الخاصة بعدم وجود لوكاس من الأساس إلا فى نهاية الفيلم. تحايل علينا الوهم، مثلما فعل بإلياس، وجعلنا نراها مجرد مخبولة جاءت لتحل محل الأم، وتسىء معاملة الولدين، وتسعى للتفريق بينهما، لدرجة أنها تنهر واحدًا منهم وتجعله يقِر باعتراف مُسجَل أنه لن يعود للتحدث مع أخيه مجددًا. وعلى الرغم من كل هذا الانحياز لرؤية الواقع من جانب إلياس، إلا أن السيناريو تعمّد أن يسخر من عقولنا، ويضع بين كل حين وآخر، لقطات شديدة الإفصاح، توحى بما يعتمل فى صدر الأم من قلة حيلة، ووهن، فيصورها فى أكثر من موضع، وهى وحيدة تنتحب، وكأنها تملك الحقيقة كاملة، وتأبى أن تبوح بها.
على مدار وقت طويل من الفيلم، السيناريو يبرر لنا حماقات الأم، وفى الوقت ذاته يدلل بها على احتمالية كذبها. ففى مشهد تلعب فيه الأم مع الولدين، لا يسعها تذكر الكثير من المعلومات حول شخصها، لا تتذكر حبها الذى كان للحيوانات الأليفة، وتُضيع حتى تفاصيل مهنتها. حسب ما يظنه إلياس، ونظنه نحن أيضًا معه، أن هذا دليل قوى يدعو للقلق حولها. بينما وفقًا لما كان فى الواقع، هو مجرد عَرَض من أعراض المضاعفات المتوقعة لحالة مرضية مثيلة أصيبت فى دماغها. هذا إلى جانب عدد من المشاهد الإضافية، التى تحمل الوجهين من الحكم. مثل مشاهد العنف تجاه إلياس، تنكرها أحيانًا منه وادعائها النوم، وقتلها قطة مسكينة أحضرها معه إلى المنزل.
تفاصيل أخرى اعتنى بها السيناريو، حافظت على حقيقة عدم وجود لوكاس. وأحرجت عقولنا التى استدلت عليه بالرؤية فقط، وبحالة الإيهام التى يحيا بها إلياس. فمثلاً، كلما تكلم لوكاس لم تصغِ إليه الأم، أو ترد له على حديث. تمامًا، كما استقبل إلياس مندوب السوبر ماركت، ومبعوثىّ جمعية الصليب الأحمر وحيدًا. إضافة إلى تَحَدُث كل هؤلاء الزوار إليه كفرد، دون أن يتطرق أى منهم إلى وجود آخر يجاوره. تفصيلة أخرى غاية فى الأهمية، تمثلت فى حرص قسيس الكنيسة على إعادة إلياس حينما هرب من أمه، على الرغم من أن الرواية المزعومة للولدين عن أمهما التى تضطهد واحدًا منهما، وتجبر الآخر على معاداته، لا بد وأن تثير الشكوك، وتستدعى التصرف بعيدًا عن هذا المنزل الملتبس.
 ولعلك قد تسأل نفسك هذا السؤال: "لماذا لم يتقصَ الرجل الأمر أكثر من ذلك، بدلاً من أن يُروِح الولدين إلى بيتهم بقلب بارد؟". ببساطة لأنه قد تأكد قبلنا من أن المشكلة تبدأ من وهم إلياس، الطفل الذى يهرع إليه وحيدًا وهو يظن أنه بصحبة أخيه المتوفى.
العلاقة الوطيدة بين الأخوين "إلياس" و"لوكاس"، تعتبر هى الأخرى من مفردات الواقع التى استخدمت فى الوقت ذاته لصالح الوهم. نحن بالفعل نرى إلياس ولوكاس يترافقان، يلعبان، ويستمتعان بوقتهما معًا، وكأن العالم قد خلا إلا منهما. بالضبط هذا هو نفس الدافع، الذى جعل إلياس يُصِر غير واعٍ على بقاء لوكاس، متشبثًا بمساحتهما معًا كما هى. والتى لولا قربها وحميميتها، ما كانت لتخلف وهما كابوسيًّا كهذا.

عن الحبكة
هذا السيناريو متفرد من نوعه بحق، ففى البداية يضعنا فى أجواء مُرعِبة نحسب أن عقدتنا فيها هى غرابة أطوار الأم، تلك السيدة الملثمة، التى توارى تشوهات وجهها، وتتصرف بريبة وكأن وراءها سر مخيف. نجد الفيلم حينها قد هيأ المتفرج لهذا التناول جيدًا فى أكثر من مشهد، يحثنا فيه على التخوف من الأم، والامتلاء نحوها بعدد من مشاعر المهابة والاشمئزاز. وفى نقطة ما، يتصعّد الحدث، ويتكثف التعقيد، حينما نجد أنفسنا فى مجابهة صراع حقيقى، تتجمد عقولنا بصدده، إنها حلقة تعذيب حقيقية متوالية كمتلازمة صعبة التصديق، يقوم فيها ولدان بتعنيف امرأة آذتهما، وربما قد اختطفت أمهما. فى ذلك الوقت وبالرغم من أننا نطلع على عدد من المعلومات غير الهينة، إلا أننا نشعر وكأن على رءوسنا الطير. نضطرب كمن لم يعلم شيئًا عن الأمر، نتألم من أجل هذه المرأة التى لم نعلم مدى كذبها من صدقها. ولا يروقنا الموقف برمته.
 كل ما سبق حقل دسم للدراما، جذاب بما فيه الكفاية، يكفى لأن يجعلنا متيقظين أمام الشاشة لدهر كامل. ولكن يأتى السيناريو ويفجر آخر مفاجآته، ويعلن عن الوهم الذى أوقعك فيه. هذه القفزة الحدثية، التى قد يبنى عليها فيلمًا آخر موضع قوته، جاءت هنا بينما تحتفظ دراما الفيلم بتوازنها على أكمل وجه.

صورة
فى أحد المشاهد، يتلصص إلياس على أمه، الواقفة متوارية الوجه أمام المرآه وقد خلعت ضمادات جروحها، وما إن تشعر بأنفاس طفلها، تلتفت وتظهر عين منها فى حركة مباغتة، منعكسة على طرف المرآه المُقعَر، والذى يُقربها كعين محتقنة دامية، توحى بدماثة باقى تقرحات الوجه. يستمر الذعر، وتستطرد الكاميرا أقاويلها المخيفة حول هذه الأم المريبة، حيث يلهث إلياس إلى غرفته، يستند بظهره إلى الجدار المجاور للباب، ومن ثم يغلقه، يسود الظلام ولا ننصت سوى لصوت أنفاسه علوًّا وهبوطًا، وفجأة تُقتَحم الغرفة، تتسرب حفنة قليلة من الضوء، تلوح فيها الأم وقد أعادت الضمادات، وتراءت كشبح يتشمم أثر مسترق النظر الذى كان.
فى مشهد آخر، يقتحم الولدان غرفة الأم للانتهاء من مهمة ما ستساعدهما فى مراقبتها، ولكن سرعان ما يقعان فى ورطة لأنهما قد استمعا لصوت خطواتها تقترب على وشك الدخول. فيختبئ كل منهما، كيفما اتفق: إلياس يُلقى بنفسه أسفل الفراش، بينما لا نلاحظ للوكاس أثرًا، وحينما تغادر الأم، يقوم إلياس من نومته، فى كادر أفقى، بينما يظهر وراءه فجأة جسد لوكاس مُشوَشَا، مُثقلاً كظِل، من خلف الباب الجرار للشرفة، يُخبّط لأخيه حتى يفتح له، وحينما يسحب إلياس الباب نستمع إلى صوت الضجة التى يُحدثها، والتى لم نسمع نظيرها حينما سحبه لوكاس لأول مرة حين مجىء الأم. بعد نهاية الفيلم، يمكننا أن نتذكر ذاك الجسد الهلامى الذى يظهر به لوكاس من خلف باب الشرفة وهو يصارحنا بينما يأكلنا الوهم: "أنا مجرد لا شىء".

آخر كلميتن:
- الجمال فى هذا السيناريو يكمن فى صمته، هذا الصمت المحبوك، الذى يدفعنا لآخر رمق للتساؤل حول حقيقة الوهم ذاته. هل إلياس مريض، أم أنه ملعون بمصاحبة شبح أخيه. هل لوكاس مجرد خيال هاجسى، أم روح عالقة ترغب فى استعادة أخيها وأمها، وتقودهما إلى حتفهما لكى تسترجعهما.
- لم يُحكَ عن الحادث الذى مات فيه لوكاس، وفقدت الأم إثره وجهها. والحقيقة أن هذا سبب أدعى لتظل خيالاته مادة مثيرة للفضول لوقت بعيد.
- مشاهد تعذيب الأم، على الرغم من اقتضابها مؤلمة بصورة جيدة، وضرورية على المستوى الشعورى والذهنى. هذا إلى جانب مشهد حريقها الصريح، والذى لم تتوانَ الكاميرا عن نقل بعض من لقطاته، لذا فيمكن القول، إن الجرأة والوعى فى كيفية نقل أحداث مماثلة مجرد وجهين لعملة واحدة.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "سينما وفنون"
 

  » Goodnight mommy.. ألا تُبصِر بينما ترى

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 1 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية