الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
سعيد الكفراوى: أنتمى لجيل حلم بتغيير العالم وإنتاج كتابة غير مستقرة الثورة لا تزال حية وتملك فاعليتها رغم سقوطها فى يد من لا يستحقها القصة القصيرة الشكل الأفضل للتعبير عن تجربتى
 


سماح عبد السلام


"متعة قراءة قصص سعيد الكفراوى دائمًا ما تثير فينا الدهشة وتفجر بداخلنا قدرًا لا يُستهان به من حنين. فذلك الحكاء لا نملك سوى الإنصات لصوته، والانغماس فى عوالمه حتى تتجلى حقيقيةً بما تحمله من معانى، وبما تجسده من شخصيات نعرفها لأنها كثيرًا ما تقابلنا فى الواقع الذى نحيا فيه ونعيشه. تجربة ذات عمق خاص تجلت فى أكثر من 13 مجموعة قصصية تحمل جدلياتها عن هؤلاء الذين لا يكفون يومًا عن ممارسة صراعهم مع السادة وقسوة الواقع. لم يكتب الكفراوى سوى القصة القصيرة، ولم يغادر زمنها إلى زمن الرواية، كما تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأخرى".
كان لنا مع سعيد الكفراوى هذا الحوار:
* هل توقعت خروج هذه الأعداد الغفيرة من الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج كما حدث نهاية عام 2010 بداية من تونس ثم مصر ثم عدة دول أخرى؟
- منذ سنوات قبل الثورة ونحن نعيش مقولة الكاتب الإنجليزى "أوزبرن انظر خلفك فى غضب"، كنا منذ هزيمة 67 وربما قبلها نواجه ما يجرى فى مصر بمعارضة عبر الواقع والكتابة، دخلنا بسببها سجون عبد الناصر وسجون من جاء بعده. كانت كل الشروط تدفع المصريين للثورة. وكان ذلك التراكم من الرفض يواجه واقعًا مأزومًا إلى حد الغضب.
كنا نعيش أزمات السلطة. أزمة الزعيم الذى استبدل نفسه بالأم ونعيش افتفاد الحرية، وغياب النقد والتقارب مع العدو وسياسة الانفتاح الاقتصادى الفاسدة. وكنا نفتقد لثقافة حرية الإنسان ثم سطوة التطرف الدينى المصاحب لهجرة المصريين. وكنا نعيش أزمة غياب الدور المصرى وهبوط مكانة مصر على كل مستوى، كل هذه الأسباب مع استمرار حكم الرجل الواحد والذى استمر على مدى ثلاثين عامًا فجرت الثورة المصرية وغيرها، تلك الثورة التى قامت بها الجماهير بغريزة البقاء والدفاع عن الحياة.
* ولكن هل هذا الخروج الكبير، فى توقيت متقارب، عفوى؟ أم أن هناك قوى ما ساعدت على هذا؟
- يشهد التاريخ أن لا شىء عفوى فى الثورات الكبيرة تلك التى تحمل فى صيرورتها علامات التغيير، الثورة كانت تتجسد فى أفعال الناس قبلها. مثل الإضرابات. مواقف النقابات والاتحادات ومعارضة المثقفين وكتابة أدبياتهم المختلفة طوال السنوات الماضية. مقاومة سطوة الخارج، ثقافة الإرهاب الدينى، ذلك الذى يعتمد على تأويلات دائمًا ما يوظفها لصالحه. سنوات والثورة تختمر فى وعى الإنسان حتى جاءت اللحظة المنتظرة فانفجرت بداخلها كل المشاعر والمواقف والانتماءات، العضوى والمنظم سياسيًّا، وجماعات الخارج والداخل والفرد والجماعة حتى كانت أيام الثورة تمثل بالفعل كما رأيتها مشهدًا من القيامة.
* هل تعتقد أن الجماهير العربية الغاضبة التى ملأت الشوارع كانت واعية بما تريد، حتى على المستوى الأدنى من الوعى؟
- الجميع كان يمتلك وعيه، ذلك الوعى الذى يحركه نحو الفعل النهائى، بدليل أن الثورة قد نجحت فى تحقيق أهدافها: سقوط النظام برموزه. طرح شعارات حرية وعدالة اجتماعية وديموقراطية. وبالرغم من أن الثورة آخر المطاف سقطت فى يد من لا يستحقها إلا أنها ما تزال حية وتمتلك فاعليتها، وقدرتها على التغيير وفى انتظار أى تغييب لوعى الناس لتتجلى من جديد فى فعل ثورى يواصل تغييره لما جرى فى الماضى والحاضر.
* كيف تم احتواء غضب الجماهير وتوجيهه من وجهة نظرك؟
- تم ذلك بسلطة الإسلام السياسى وشعبيته بين الجماهير وقدرته على التنظيم والاحتواء، بالإضافة إلى سلطة الجيش المنظمة، وغياب ثأثير النخبة الليبرالية عبر تنظيماتها السياسية.
* هل كانت هناك قوى ما تقود الجماهير الغاضبة؟ أم أنها كانت بلا قائد كما كان الإعلام يردد دائمًا؟
- بسبب من استبدال نظام يوليو البائس، وبسب ثوابت هذه الثورة فى تغييب وعى الناس، ومصادرة الحريات وخلق قيادات تحمل ولاءاتها لتلك الفترة، وبسبب سياسة "الزعيم الخالد" مع عبد الناصر والسادات ومبارك. غابت عن مصر القيادات العظيمة التى حققت وجودها فى الحقبة الليبرالية، لذلك كان الشعب فى يناير يجاهد بوعيه هو وبإحساسه هو، بالأزمة التى يعيشها، وبالهزائم التى أوقعه فيها نظام يوليو البائس وبالتالى غابت عن الثورة تلك القيادات التاريخية التى كانت تمتلك الهدف والرغبة فى التغيير وإقامة العلاقة التاريخية بينها وبين أبناء الأمة. أذكر سعد زغلول ومصطفى النحاس وبعض القيادات القديمة قبل ثورة يوليو.
* هل تعتقد أن هذا المد الجماهيرى انتهى؟ أم أن هناك موجات أخرى يمكن أن تعاود الخروج إذا أحست بالخديعة؟
- أعتقد بأن جموع الشعب المصرى فى حالة انتظار لإجابات مطروحة: مشكلة الاقتصاد، مشكلة الحرية، مشكلة التعليم، مشكلة دور مصر الرائد ومشكلة الاهتمام بالثقافة كقوة كانت خط دفاع أول عبر التاريخ عن الوجود المصرى، وإن لم تظهر نتائج لتلك الأسئلة سوف تكون هناك مواقف مغايرة ومعبرة لحركة تلك الجماهير.
* من الذى استفاد ومن الذى خسر من الخروج الجماهيرى الكبير؟
- استفاد الوطن. مصر التى جددت وعيها بالتاريخ، وجددت شبابها بالثورة، واستفاد شبابها وأدرك قوته الحقيقية وقدرته على فعل التغيير. أن تفاجئين بهذا الوعى أثناء الثورة ثم تتأملين ماضى السنوات الفائتة، حالة الركون والصمت والإحساس بالهزيمة وغياب الدور، حتى أن البعض كان يعتقد بأن المصريين جثة تنتظر من يواريها التراب. ثم تأتى 25 يناير وتحول هذا الصمت المريع والصبر الطويل عبر تاريخ من الإحساس بالهزيمة إلى ثورة حقيقية تنقل المصريين من تللك الحالة إلى حالة الحرية بالضرورة هو وعى بالثورة ومكسب حقيقى لأفراد هذه الأمة ولتاريخها ولإحساسها بأنها جزء حى من حركة التاريخ فى المكان والزمان.
* بالنظر إلى تجربتك الإبداعية تشهد قصصك على براعتك فى الحكى. فكيف امتلكت تلك البراعة؟
- منذ زمن موغل فى القدم كانت هناك قرية ونهر وجماعة يجلسون على المساطب وفى أروقة المساجد يتلون الأوراد ويقرءون دلائل الخيرات، وعلى المقهى ينشد رجل السيرة الهلالية. وهناك فى البيت الذى أمضيت فيه طفولتى أبى يحُسن الحديث ويقبض على موهبة موروثة لقص الحكايات. منذ ذلك الزمن ورث الابن موروثًا عن هذا الأب الذى كان يتصف بمحبة الكلام، الذى تحول إلى حكى، أعبر من خلاله عن البشر فى النص الأدبى. هم هكذا فى النصوص تتعامد اللغات بين عامى وفصيح، ودرجات من أزمان عيشت فى الماضى والمطلوب استدعاؤها الآن، وذاكرة من أحلام، هكذا امتلكت بفيض من الفطرة حُسن استخدام اللغة التى كتبت بها عن عالم أحبه.
* لقبت براهب القصة القصيرة، لماذا الإخلاص للقصة وعدم كتابة رواية رغم أن بعض قصصك فيها روح الرواية؟
- أنا لا أحب تسمية راهب، أحب كلمة قاص، وأنظر للقصة القصيرة باعتبارها الشكل الأفضل للتعبير عن تجربتى ككاتب، وعن وحشته بالوجود ووحدته فى عالم لا يعرف سوى القسوة والمظالم. زمن يبعد الإنسان عن إنسانيته. وأنا أمضيت عمرى أبحث عن نبرة صدق تتلاءم وصوتى الخاص بالكتابة، محاولاً تضييق المسافة بين صوت السارد وصوت الشخصية فى النص. آمنت بما آمن به أستاذى إدوارد الخراط بأن القصة هى السعى نحو المعرفة وهى مجابهة الحياة للموت. وكان لكل كاتب عظيم رؤيته "هيمنجواى وتشيكوف وكاترين مانسفيلد وبورخيس وأليس مونرو"، حاولت الكتابة عن جماعتى التى أنتمى إليها وأعرفها، والتى عشت حياتى كلها مخلصًا لعقائدها ووجودها فى التاريخ وكانت القصة هى الشكل الأكثر فردية وخصوصية للتعبير عن عالم يزدحم بالموت والقهر والإحساس بالزمن والأطفال والصراع بين من يملكون ومن لا يملكون. ظلت القصة حتى هذا العمر الأخير من زمنى هى العكاز التى أتوكأ عليه وكتبت بها ما كتبت.
* البعض يلجأ لكتابة الرواية من أجل تحويلها لعمل فنى. ألم تغرك شاشة التليفزيون أو السينما بكتابة عمل أدبى لها؟
- أنا وكل أفراد جيلى عندما نكتب لا ننشغل سوى بالكتابة. وعندما يختار أحد العمل لتحويله فنيًّا تكون مسئوليته. وحظنا قليل بالنسبة لإنتاج شغلنا درامى. لى قصة طويلة أخذت فى العراق وتم تحويلها لفيلم لكنه لم يكن جيدًا، بينما القصة كانت قوية. بعنوان "العم مطاوع". العمل الجيد بالفعل رواية يحى الطاهر عبد الله "الطوق والأسورة" وكذلك "الكيت كات" عن "مالك الحزين" لأصلان. الباقى كانت الكتابة فقط تسعى إلى الكتابة ولا تسعى إلى ما بعد الكتابة.
* ما الذى يميز القصة القصيرة عن غيرها؟
- هى شقيقة الشعر، وهى أصعب الفنون، هى الصوت الذى يأتى عبر الآماد البعيدة فيرعبنى. وهى كما يتصور خوليو كورتاثار: هى الحاسمة المصيرية، وهى فى النهاية كالبذرة التى تنام فى داخلها شجرة عظيمة.
* يلعب الاغتراب والأسطورة والحلم دورًا أساسيًا فى قصصك. فما السبب؟
- أسطورة وحلم نعم، اغتراب لا. أنا أكتب عن الجماعات المغمورة، وشغلتنى طوال عمرى جدليات لم أغادرها حتى الآن: الحياة/الموت، الواقع/الأسطورة. المدينة/القرية، المكان/الزمان. فضاء لأحوال البشر، وتعبير عن هموم إنسانية لأناس يتكئون على الماضى فى كل أحوالهم، وبالتالى كان القبض على همومهم شيئًا صعبًا لأنهم لا يعرفون الاغتراب، ذلك الهم الوجودى الذى يعبر عنه ابن المدينة. أنا مع تلك الجماعة أتعامل مع همومهم كما تعامل الأخ الكريم إبراهيم أصلان. إننى لا أحدثهم عن العدل ولكن أجعلهم يعيشون بعدل.
* ماذا يمثل الزمن لك ككاتب؟
- أنا أمضيت عمرى منشغلاً بالزمن فيما أكتبه، ذلك القضاء الذى يسيل ولا ندرك كنهه، والذى قال عنه فى قصصه يومًا طيب الذكر أستاذى شكرى عياد فى دراسته المهمة عن مجموعة "سدرة المنتهى": " الزمن عند الكفراوى كتلة واحدة لا يتميز فيها الماضى من الحاضر من المستقبل، القصة تتحول إلى تمثال حين يتحول الزمن إلى زمن بئر تنقطر فيه تجارب البشرية، التى لا تختلف فى جوهرها بين إنسان عاش منذ آلاف السنين وإنسان يولد اليوم أو يموت فى قرية مصرية. فالولادة والموت أيضًا لا فرق بينهما فى الزمن البئر. والزمن البئر هو مفهوم الفنان للخلود والروح والحضارة وتاريخ الإنسان". لذلك يحيرنى الزمن فيما أكتبه وأسعى إليه، وتدهشنى تلك العلاقة فى القصص بين الجد والغلام وكأننى أعيش فيما أكتب من قصص فى كل الأزمنة فى زمنًا واحد.
* تدعو بعض الأجيال الشابة للانقلاب على نمط الأستاذ "من باب نحن جيل بلا آباء". فما تعليقك؟
- من حقهم. وواحد من أبناء الجيل الذى أنتمى إليه هو من رفع شعار "نحن جيل بلا أساتذة" إنه القاص الكبير محمد حافظ رجب أمد الله فى عمره. جيلنا جاء بُحلم تغيير العالم بالكتابة، وكان أغلبنا من أهل اليسار المغامرين، هؤلاء الذين يعيشون الحلم بالثورة وكنا نعيش وسط مسرح جاد، ونجم وإمام يمارسان الغناء، ومحمد عفيفى مطر وأمل دنقل ونجيب سرور يكتبون الشعر. كنا نغرف من الثقافة الحديثة نحلم بالتغيير إلى الأحسن والأرفع فى الأدب والحياة. وآخر الأمر فهمنا مع تطور وعينا بالمتغيرات، وفهمنا أن تواصل الأجيال لا يتم إلا بغنى الثقافة والإبداع، وأدركنا أن كاتبًا مثل نجيب محفوظ وطه حسين وتوفيق الحكيم ويحى حقى ويوسف إدريس ولويس عوض وإدوارد الخراط يمثلون قيمًا كبيرة داخل السياق التاريخى للأدب المصرى. دعى الشباب يمارسون حريتهم فى الاختلاف والرضا والغضب. وأصحاب المواهب سيبقون، أما هؤلاء كذابى الزفة سوف ينصرفون إلى الذى يصلحون إليه فى الحياة. 
* ارتبطت بعلاقات صداقة مع مبدعين راحلين "عفيفى مطر، إبراهيم أصلان، خيرى شلبى، نجيب محفوظ. فماذا تقول بعد رحيلهم؟
- أمضيت حياتى مع هؤلاء. رفقة طيبة تشبه تلك السنين. أولاد سنوات التكوين ورفقة الحماسة ومقاومة قهر سلطة الإنسان لأخيه الإنسان. كانت علاقة تتمحور حول الكتابة والأدب. وكنا نقرأ ما نكتبه نتبادل الرأى بشراسة وعدوان حريصين على التفاعل وإنتاج ما هو جيد. كانت مصر فى ذلك الزمن وفية وحفية بالكتابة الجيدة وكان الزمان برغم من الهزيمة زمان كبرياء لا مكان فيه للأدعياء. والإنتاج يأخذ مساراته الطيبة. محمد عفيفى مطر قارئ نصى الأول صاحب الرأى الصادق والفرح دائمًا بما يقرؤه. أصلان الصديق والجار والمثقف الكبير ورفيق الليالى، آلاف الليالى نمارس الكلام والنقد والنميمة على أحوالنا العامة. وخيرى شلبى الحكاء كاتب الهامش وكاتب طبقات الناس المغمورة فى القرية والمدينة. أما كبير المقام المؤسس والروائى والأب نجيب محفوظ فكان يقرؤنا ويتابع مواهبنا بإخلاص. رفقة فى الحياة وحتى الموت. واريتهم التراب ودخلت معهم مقابرهم أبكيهم وأودعهم فى انتظار لحظة اللحاق بهم، فى وعيى صوت عفيفى مطر الكريم يقول عن نفسه فى تلويحة وداعه للدنيا: حياتى مغسولة بعرقى ولقمتى من عصارة كدحى، لم أغلق بابًا فى وجه أحد ولم أكن عونًا على كذب أو ظلم أو فساد.. اللهم فاشهد.
* لكل مبدع رهانه الخاص به، فعلى أى شىء راهن كاتبنا؟
- الرهان الحقيقى طوال العمر أن تكتب جيدًا، وأن تشير كتابتك إليك، وأن تصعد يوميًّا الحافلة فينهض مواطن عادى ليجلسك مكانه لأنه يعرفك ككاتب جيد. هذا ما كان وما سيكون وما انشغلت به طوال الوقت.
* ما هى أبرز منجزات وخصوصيات جيل الستينيات الذى تنتمى إليه؟
- هذا الجيل وأبناؤه يمثل استثناء فى الثقافة العربية بما أنجزه وبما أضافه للخيال العربى، جيل عاش وطأة هزيمة يونيه 1967 وتنبأ بها، محمد عفيفى مطر فى ديوانه النهر يلبس الأقنعة، أمل دنقل البكاء بين يدى زرقاء اليمامة، صنع الله إبراهيم "تلك الرائحة"، عبد الحكيم قاسم "أيام الإنسان السبعة"، وكذلك صديق العمر إبراهيم الذى واكبت تجربته تجربتى. كتب جيلنا مئات القصص التى قاومت قمع المؤسسة واحتفت بالهامش الجماعات المغمورة وأهل القرى فكتبت عن قرى بحرى، وكتب مستجاب عن القرية فى الصعيد. وخيرى شلبى عن تجليات كثيرة عبر الفقراء. جيل يمثل وثبة مضادة فى الإبداع الفنى، تنبأ وعاش أهوال هزيمة 76 وكتب قبل أن تقع، أمل دنقل كتب ديوانه "البكاء بين زرقاء اليمامة" وكتب الأصيل الكريم محمد عفيفى مطر شعره فتنبأ بالهزيمة وكذلك فعلوا جميعًا، كانوا بشجاعة يكتبون ضد سطوة الفرد وضد مصادرة الحرية، عاشوا زمن انكسار الآمال وقمع السادة وعاشوا المعانى التى قال عنها المفكر اللبنانى "على حرب" كيف أن الحرية تتراجع من كثرة المطالبة بها، والسعى للنهوض مترجم تقهقرًا، وكيف أن المناداة بالتنوير العقلى يفضى إلى انتعاش الفكر اللاهوتى، وكيف أن مقاومة الغزو الثقافى تئول لزيادة التبعية للغرب". أنتمى لجيل طور عملية الكتابة وخاض بها مغامرة الحداثة، جدد تياراتها المتعددة وكانت أغلب كتابته نشيدًا ممتدًا فى حب هذا الوطن. 
* هل ترى أنه قد تم الاحتفاء بتجربتك الإبداعية بما يليق بها؟
- على المستوى النقدى، نعم. أعتقد أن ما كتُب عن تجربتى القصصية يرضينى ويسعدنى، ولم يحدث مع كاتب آخر ما حدث لى. لقد أكرمنى بالدراسات والكتابات النقدية كثير من أساتذتى الأجلاء من مصر وخارجها، وإليك البعض مع حفظ الألقاب. شكرى عياد، عبد القادر القط، سيزا قاسم، جابر عصفور، إدوار الخراط، صلاح فضل، محمد برادة، شاكر عبد الحميد، فيصل دراج، أدونيس، محمد عفيفى مطر، خليل كلفت، أحمد عباس صالح، حتى الروائى الشاب طارق إمام وغيرهم عشرات ممن أحبوا تجربتى وأخلصوا فى الكتابة عنها.
أما التكريم الرسمى من الدولة فلم يحدث، وأنا لا أنتظره فليس لى عبر نصف قرن وظيفة ولم أرتبط بمؤسسة، ولم أحصل على جائزة بالرغم من أن جيلى كله تقريبًا حصل على جوائز.. اللهم فاشهد.
* العمل الذى لا يحتوى على ذاكرة يموت سريعًا، فإلى أى مدى حرصت على وجود الذاكرة فى كتاباتك؟
- لكى تخلقى ذاكرة فى العمل الأدبى عليك الاهتمام بوجود مثل هذه الذاكرة فى الواقع. نحن لا نكتب الواقع ولكن نستعين بالواقع على الكتابة وبالتالى الذاكرة تتشكل لدى الكاتب من مجمل ما عاشه. ومن الأسئلة التى طرحها على نفسه. ذاكرتى تكونت من تجمعات الفلاحين على المساطب وليالى الحصاد. وعلاقة المصرى بالموت فى القرية بالموت وبالرحيل، وعلاقة المصرى بالحيوان ولى فى ذلك مجموعة قصصية عن هذه العلاقة بعنوان "ستر العورة" والخروج من هذه العلاقة بسؤال إنسانى. الذاكرة نكتب بها عندما تعيش الماضى باعتباره أهم الأزمنه وتبعثه وتقدمه عبر فصول من السرد من الرواية والقصة. الذاكرة هى ذاكرة أهلنا وما عشناه وقرأناه. المحك والخطورة ودرجة النجاح تكمن فى كيفية كتابة تلك الذاكرة وكيف تصلين بها إلى الفن الذى يمس شغاف المتلقى ويبعث فيه الدهشة. لا يوجد أغنى من الواقع ولا يستطيع أحد أن يناطحه. وهنا أتذكر حكاية: حيث نزلت إلى قريتى وسألت عن أخى فعلمت أنه يبنى جبانة ومعه ابن عمى من جيلى يحمل جوال به عدد من رءوس الموتى لأفراد من أسرتى. حيث يقومون بنقلها من الجبانة القديمة. سألنى رأس من هذه فقلت والدتى وهذه جدتى وتلك شقيقى. فكنت أنا الوحيد الذى رأى أسرته بعد وفاتها. هذا هو الواقع.. ولكن كيف نكتب هذا الجنون إلا إذا كنا نحن أكبر منه؟ فاستكملت القصة بأنى سألت عن والدى الذى لم نجده. فيبدأ الكاتب رحلة البحث عن الأب. وهنا التأليف والإضافة. يتجول الكاتب فى الأسواق والحقول، يبحث وكلما بحث تقدم فى العمر. ينزل المدينة وهنا وهنا إلى أن التقى فى المدينه شيخًا كبيرًا ومعه مرآه. فصرخ: أبويا.. القصة سلالة من سلالة والرواى هو أبوه. هكذا ما يسمى بكتابة الواقع.
* ما هو الجديد لديك؟
- انتهيت من نص عن صديق "30 قمر فى حجر الغلام" عبارة عن نص عن صديق يراقب متغيرات الوجود فى محيطه. علاقته بالحب والموت والحياة فى القرية ثم ينتقل إلى المدينة فتتحول إلى جدلية الوجود والعدم.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "حوار"
 

  » سعيد الكفراوى: أنتمى لجيل حلم بتغيير العالم وإنتاج كتابة غير مستقرة الثورة لا تزال حية وتملك فاعليتها رغم سقوطها فى يد من لا يستحقها القصة القصيرة الشكل الأفضل للتعبير عن تجربتى

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 1 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية