الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
طاقة هادرة تفجرها أصوات الحروف حينما يسكن الوعى الجمعى شعارات الثورة
 


مسعود شومان


هل دخلت الشعارات صندوق الذكرى وصارت تاريخًا بعد خمس سنوات من ثورة 25 يناير، وهل كانت مجرد عبارات حماسية كتبها أو بدأها أحد المتظاهرين فلاقت إيمانًا من موجات الثوار فصارت شعارًا يردده الجميع، ويسمعه الجميع كأننا أمام حنجرة وأذن باتساع الميدان، أو لنقل باتساع المعمور المصرى، حيث يصبح الشعار فعلاً على الأرض، وتصير الكلمات قوة مغيرة، فالكلمات يسكنها الوعى الجمعى، والوعى فى هذا السياق ليس شيئًا معنويًا، لكنه طاقة هادرة تزيح كل ما تريد إزاحته أمامها، وما الشعار إلا الصوت المعبر عنها، وتأتى خصيصة الجماعية لتعلن بصيغة تناسبها شعارًا ظل متكررًا فى كل مراحل الثورة "ولا هانخاف ولا هانطاطى إحنا كرهنا الصوت الواطى"، وتتأكد قوة الشعارات على الأرض حين لا تأبه برأس الدولة "مش ها نخاف من أبوك يا جمال.. صوتنا العالى يهد جبال" إنه فاتحة الشعارات التى تمهد الأرض للجرأة والشجاعة لتتوالى الشعارات التى تحمل فى تراكيبها المباشرة أو فى ظلها أحلام ومكبوتات الثوار، فالميدان قد أبدع عددًا هائلاً من الشعارات إضافة إلى الهتافات والكتابات الخطية والجرافيتى والنماذج الفنية متعددة الخامات، فضلاً عن الكتابات على الجسد، وهو الأمر الذى يحتاج إلى تصنيف على مستوى المضمون، فضلاً عن التصنيف حسب الأحداث التى مرت بها الثورة، فهناك شعارات كانت بمثابة الثوابت، وأخرى كانت تتغير حسب المواقف والأحداث والرسائل التى أراد المتظاهرون توجيهها للسلطة، والمتأمل لشعارات ثورة 25 يناير سيجد سمة رئيسة فى مضامينها تتمثل فى التنادى بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية:
- ما تعبناش ما تعبناش الحريه مش ببلاش
- كرامة حرية عدالة اجتماعية
وبدأت تتواتر الشعارات الموجهة التى تصوب طلقاتها منادية بإسقاط النظام، عبر لغة ساخرة، تطالب برحيل الرئيس مبارك، ومنها بدأت تتوالد الشعارات التى ترصد الغلاء والفروق الطبقية بين المصريين والفساد الذى طال الحكومات المتعاقبة، ومع الشعارات التى سنجد جذرها فى التدهور الاجتماعى، سنجد شعارات ترصد جوانب اقتصادية وأخرى سياسية تلخص ما حدث لمصر ودورها السياسى الذى بدأ فى التقزم على المستويين العربى والدولى، ويمكن أن نرصد هذه الشعارات/ الهتافات التى تنادى برحيل رأس السلطة ومن معه وتصدر هذه العبارات كلمة واحدة ظلت تتردد هى "ارحل" ومعها العبارات التى تعمق معنى المطالبة بالرحيل:
- الشعب يريد إسقاط النظام - ارحل يعنى امشى ياللى ما بتفهمشى- ارحل يعنى go فاهم واللاno  - لو مش فاهم عربي غور يا مبارك بالصينى - يا مبارك يا مبارك السعودية فى انتظارك- ارحل ارحل يا خسيس ارحل بقى خليك حسيس - مبارك.. عفوا .. لقد نفذ رصيدكم - الرئاسة مش بالعافية.. امشى يا اخى - ارحل بقى يا عم خلى عندك دم - استقيل استقيل واحنا نحرس أرض النيل.
لقد كانت جملة "الشعب يريد إسقاط النظام" هى الجملة الأثيرة على ألسنة الجماهير تنطقها مقطعة الشعب.. يريد.. إسقاط النظام، لترتج الأرض وتمطر السماء ويصبح الشعار قادرًا على الوقوف فى وجه الفساد الذى تراكم عبر ثلاثين عامًا من الحكم:
- تلاتين سنة فى القصر.. دى إهانه لشعب مصر - اعتصام اعتصام حتى يرحل النظام - الإصلاح بقى شىء مطلوب.. قبل الشعب ما ياكل طوب - قولوا له لأه.. فاضل له زقه - مش ها نمشى.. هو يمشى - يا مبارك قول الحق أنت حرامى واللا لأ، وقد كانت الشعارات المضادة من أنصار مبارك ممن أطلق عليهم الثوار وصف (الفلول) وكان مقرهم فى ساحة ميدان مصطفى محمود حيث رددوا بعض هذه الشعارات: يا مبارك يا طيار أوعى تسيبها تولع نار- حسنى مبارك يا بلاش واحد غيره ما ينفعناش، ولم يكن الميدان ليصمت أمام شعارات أنصار مبارك، وظل الحوار القائم على الهتاف هو الفاعل على أرض الميدان والمثوّر للجموع، وتجلت قدرة الشعب المصرى على صوغ الشعار الذى يتسق مع أحلامه والتعبير عن مكبوتاته وطموحاته مع كل مرحلة من المراحل عبور الثورة، ومما لا شك فيه أن الشعارات والتعابير المختلفة لم تكن ابنة لمجموعة من البشر دون غيرها، لكنها خرجت وكأنها لسان حال الجميع دون تمييز دينى أو إثنى أو طبقى أو جغرافى، فالشعب بجميع طوائفه كان يردد هذه الشعارات صارخًا بها أو مرددًا إياها عبر التنغيم الصوتى الجماعى ليتناهى إلى أسماع الجميع:
- مصر يا أم.. ولادك أهم.. دول علشانك شالوا الهم.. وبيفدوكى بالروح والدم، أو توظيف الأغنية الوطنية الشهيرة لتأتى على هذه الشاكلة "أحلف بسماها وبترابها مبارك هو اللى خربها".

أصوات الحروف وطاقتها الفاعلة
إن أهمية هذه الشعارات تكمن فى كونها ابنة لحالة المصريين الذين عانوا معاناة قاسية تحت نير الاستبداد والقهر والفساد، لذا فقد جاءت لتهدر معبرة عن الوعى الجمعى وما يحمله الصوت من طاقات قادرة على التغيير، وهنا يتحول الصوت لقوة فاعلة، بوصفه التجسيد الحى للغاية التى يسعون لها، وكلما هدر الصوت امتد الفعل ليمارس قدرته على التغيير، فالصوت تجسيد للوعى، والوعى طاقة، والطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، وكلما تجمعت الحناجر صارت مزلزلة فيولد التغيير كأحد نتائجها:
- هما ياكلوا حمام وفراخ وإحنا الجوع دوخنا وداخ - آه يا حكومة هز الوسط.. كيلو اللحمه بقى بالقسط - يا وزرا طفوا التكييف مش لاقيين حق الرغيف.
لقد كان الشعار مصاحبًا لكل حدث، بل الأجدر أن نقول إن الشعار هو الدافع والمحرك للأحداث بما فيه من طاقة وعى مختزنة، فالكلمات لم تكن مجرد أصوات ترفعها الحناجر لكنها كانت ذات تأثير كبير فى إحداث التغيير، فقد بدت تجليات الذات الجمعية، وهى ذات ممتدة تتسم بالعراقة، وتعمل آليات التواتر معها لتتشكل وفق كل زمن حسب منظومة قيم الجماعة وما يعتريها من تغير، فتختصر المراحل فى الزمان/ المكان الذى تحياه، وها نحن نراها وقد أنتخبت بعضًا من مأثورها ليتحرك معها تاركة البعض الآخر ليدخل أدراج "التراث":
علّى وعلّى وعلّى الصوت.. اللى ها يهتف مش ها يموت - واحد.. اتنين.. الشعب المصرى فين - يا أهالينا يا أهالينا.. يا أهالينا انضموا لينا - ياللى خايف خايف ليه.. هو فاضل لينا إيه... لقد كانت هذه الهتافات التى تدعو للتجمع وتقوم على التنادى وتحفز للانضمام لميادين الثورة فاعلة بشكل يحتاج لقياسه من خلال عدد من العلوم المعنية بقياس التجمعات البشرية والرأى العام والوعى الجمعى ومدى تأثيره المباشر على الواقع، فالتأثير الكاسح يكون للتجمعات البشرية المتجانسة فى الغايات والأهداف والأحلام وفى الكلام؛ ونعنى بالكلام هنا كل الصيغ الشفوية التى يرددها الناس وهم فى جماعات متجانسة، فى حالتنا هذه سنجد التجانس ممثلاً فى المتظاهرين تجمعهم غاية الخلاص من الرأس الفاسدة فى البلاد - الحلم بالحرية والعدالة الاجتماعية والأهداف هى الوصول لوطن عادل لا يفرق بين أبنائه، يعلى من قيمة المواطنة والكفاءة استجلابًا للحق، وهو ما تدرسه الأنثروبولوجيا اللغوية أو ما يسمى باللسانيات الاجتماعية، وإذا كان بعض العلماء وعلى رأسهم دوسوسور يؤكدون على وجود جماعات ذات كلام متجانس تمامًا وهم يستخدمون شفرات لغوية متناغمة تؤدى مجموعة من الوظائف لذا فإنه ينبغى العودة للمجموعات الاجتماعية المتلاحمة لقراءة السياقات الاجتماعية للحدث الكلامى من خلال عمليات الوصف اللغوى.

شعارات الثورة ومنظومة القيم
إن أحداث ثورة 25 يناير إذا تتبعناها يومًا بيوم سنرصد أحداثًا كلامية موازية، بل الكلام والشعارات كانت وجه الثورة الآخر، فالأحداث تنمو بالكلام، والكلام يدفع الأحداث للنمو باتجاه "التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية"، ولا يمكن أن نقرأ الشعارات التى ترصد الظلم والفساد بعيدًا عن منظومة قيم الجماعة الشعبية التى ظلت تقاوم الفساد وتواجه موتها المعنوى أو الفيزيقى بالغناء والحكى والشعر الذى لا يبرح مناسبة إلا ويلاحقها، وإذا كانت الجماعة الشعبية لا تميل للعنف، لأن طبيعتها قائمة على التسامح والتساند بحكم الجماعية التى تعد ركنًا من أركان بقائها، لكنها حين تواجه بظلم أو اعتداء فإنها لا تقف مكتوفة الأيدى، فهى تحدد موضعها، وطرق المواجهة: اللى يداديك داديه/ واجعل عيالك عبيده/ واللى يعاديك عاديه/ روحك مهياش بإيده.
إننا بحاجة لجمع شعارات ثورة 25 يناير وتصنيفها من خلال معجم شعارات الثورة ليتولى قراءتها علماء الاجتماع– الأنثروبولوجيا اللغوية– الدراسات اللغوية– علم النفس، وما يرتبط بحركة الجماعات وكلامها وغايتها وأهدافها وأثر ذلك على تغيير الواقع، والأفكار المضادة التى تمثل حواجز واقعية ونفسية أمام أحلام الجماعات بواقع أكثر عدلاً وحرية وكرامة إنسانية، ويمكن رصد مجموعة من السمات التى تتسم بها الشعارات الثورية التى أنتجتها ثورة 25 يناير:
- الدعوة للجماعية ونبذ الفردية والتحريض على التضام، وهو ما يتجلى فى مضمون الشعارات أو فى الصيغ التى تعلى من قيمة ضمائر الجماعة.
- اعتماد معظم الشعارات على جماليات الصوت، حيث تستدعى القوافى التى يكون تأثيرها هائلاً حين يتردد فى مواجهة النظام، وهو يمنحنا إشارة على التجلى الإبداعى الذى يؤكد على صفاء مسارب الوعى وهو يصوغ الشعارات المتتالية.
- السخرية ممن يقومون على أمر البلاد من خلال الصياغات الكاريكاتيرية التى يقوم بعضها على تجريس من فى يدهم السلطة والشعارات المجرسة كثيرة بحيث تشتمل على باب كامل تكمله النكات والدمى والجرافيتى لتخلق حالة من السخرية المرة لكل من أفسد وخان البلاد والعباد، مثل "نجارو مصر يسألون الأسطى مبارك عن نوع الغراء الذى يستخدمه".
- قيام المصريين باستعادة مجموعة من الشعارات القديمة كما رأينا فى "عاش الهلال مع الصليب"، لتأكيد قيم المواطنة، وكذا استدعاء عدد من الأغانى الوطنية التى انتشرت فى ستينيات القرن الماضى لمناسباتها لحلم المصريين فى هذه اللحظة الثورية.
- قصر الجمل الشعارية ووضوحها وقدرتها على الوصول للهدف، فالشعار كان بمثابة رصاصة موجهة للنظام، تدفعها الحناجر بما تملك من وعى جمعى له تأثيره الفادح.

توثيق الوعى الجمعى
إن أية قراءة لهذه الشعارات بعيدًا عن ذات الجماعة بوصفها "ذاتا" لها تعينها الثقافى ستعد قراءة فاشلة، فالجمهور فى هذه الثورة وفى أيامها الأولى كان بمثابة جماعة واحدة تحكمها خصائص ثقافية فارقة عن غيرها من الجماعات، حيث وحدة النسق القيمى الذى حدد ماهيتها، وما جمعها من خصائص روحية تجلت فى الاتجاهات والقيم والميول التى ميزت أفرادها، وقد خلق الميدان بما يضم من جموع نوعًا من الثقافة التى شكلت ما يمكن تسميته بالمركب الثقافى الذى يتكون من مجموعة من العناصر الثقافية المترابطة التى تمثل نسقًا متكاملاً ينتظم حول موضوع جوهرى، وهو ما يصفه دوركيم وموس بالتصور الجمعى الذى تمثله فكرة أو عاطفة يشترك فيها --بدرجات متفاوتة- أفراد الجماعة الاجتماعية وتنبثق عن "العقل الجمعى" للجماعة، ونضيف إلى ذلك الأشكال الفنية التى خرجت متسقة مع منظومة القيم التى تخلق مجموعة من الأنماط الثقافية فى وحدة متكاملة، حيث تقدم مجموعة من الأشكال التقنينية (المعيارية) من أشكال السلوك تتحدد بإجماع أفراد الجماعة، وهو الأمر الذى يجعل منها مجموعة من التنظيمات أو الأنساق الخاصة بالعلاقة الداخلية التى تعطى أى ثقافة تماسكها أو خطتها وتحول بينها وبين أن تكون مجرد جزئيات عارضة (راجع، إيكه هولتكرانس، قاموس مصطلحات الأثنولوجيا والفولكلور، ترجمة د. محمد الجوهرى، د. حسن الشامى، دار المعارف، 1972- مواد: تصور جمعى، ص 102- روح المجتمع، 222، النمط الثقافى ص 356، 357).
إن شعارات وهتافات الثورة ليست مجرد كلمات، وليست مجرد توثيق للأحداث الجسام التى مرت بمصرنا، وليست تعبيرا عن جموع خرجت حالمة بالعدل والحرية والكرامة الإنسانية، لكنها بالإضافة لذلك تمثل مخزونًا متراكمًا للوعى المصرى، وإدراكًا للإحباطات والانهيارات التى مر بها المجتمع، ومعرفة بطرق وآليات الإصلاح، وحلمًا بمستقبل طال انتظاره، فى هذا السياق لا بد من قراءة، بل قراءات لهذه الوثيقة اللغوية والفنية، وما يتعالق بها من ثقافة مادية، وفنون ورسوم جدارية، فاجتماع هذه العناصر يمثل وعيًا جمعيًّا ساهم فى تغيير جوهرى عبر الحراك الثورى الذى تلخصه هذه النتاجات اللغوية والإبداعية عظيمة الأثر لأنها تكتنز بوعى الناس بذاتها، والوعى بالذات أرفع درجات الوعى، ففيه يصل الإنسان إلى الفهم حين يطرح أفكاره ورؤاه على ذاته، والجماعة فى هذا السياق الثورى تدرك أنها لا توجد لذاتها، لكنها موجودة لتعى هذه الذات وتقدم خبراتها وحلولها فى أشكال تبثها خبرتها وعراقتها وأحلامها، فتتأكد معها مقولة الفيلسوف الفرنسى ديكارت: إن الوعى بالذات هو عماد كل معرفة، ولعل الشعارات والهتافات واللافتات التى قادت حركة الجماهير فى ميادين مصر تحتاج إلى جمع وتصنيف وقراءة سياقية لينتقل وعى الجماهير إلى السلطة، ومن خلال هذه القراءة تستطيع أن تسهم فى تحقيق الحلم الذى لخصته جملة الجماهير "حرية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية".

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ثقافة شعبية"
 

  » طاقة هادرة تفجرها أصوات الحروف حينما يسكن الوعى الجمعى شعارات الثورة

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 1 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية