الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
الفضاء المكانى فى رواية الدكان
 


مفرح كريم


سمير المنزلاوى، روائى وقاص وباحث فى التراث والتصوف، حصل على العديد من الجوائز، منها جائزة نادى القصة، وجائزة إحسان عبد القدوس فى الرواية، صدرت له رواية (شعاع هرب من الشمس) ومجموعة قصصية بعنوان (يوميات النبأ العجيب) عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كما صدرت له عن الهيئة العامة لقصور الثقافة رواية (موسم الرياح) ورواية (بلاد تصلح للحزن) كما صدر له عن نادى القصة بالإسكندرية مجموعتا (الفارس)، و(اللافتات). كتب قصصًا للأطفال نشرها فى مجلات العربى الصغير، وقطر الندى، وعلاء الدين، فهو كاتب غزير الإنتاج، وله رواية الدكان الصادرة عن روايات الهلال عام 2013.
وتدور أحداثها فى الريف المصرى، فى قرية العرفا التابعة لمدينة سماديس، ويعود هذا العمل بالرواية المصرية إلى الكتابة عن القرية التى هجر أغلب الكتاب الكتابة عنها وفضلوا الكتابة عن المدينة، مع العلم أن مخاض رواية الريف العربية لم يكن عسيرًا كما كان الشأن فى فرنسا مثلاً فى القرن التاسع عشر، على الرغم من أن المدينة ظاهرة روائية كما قال (لوكاتش) " فالنص الروائى ابتدع ليعبر عن المدينة وليس عن الريف. ويرجع هذا بالدرجة الأولى إلى أن المجتمعات العربية- وهى مجتمعات العالم الثالث على رأى "فرانز فانون  (Frantz Fanon)- تقوم حياتها على استغلال الأرض(1). فالفلاح يمثل النسبة العظمى فى طبيعة البنية الاجتماعية العربية، والتى تفرض على الأديب أن يتوجه لهذه الفئة فيخاطبها، ويعرض مشاكلها وحياتها وتطور أفرادها.
وحينما يتخذ الأديب من المكان فراغًا سيميولوجيًا، فإنه لابد أن يكون من أهل الريف، أو عاش فى الريف مدة كافية لأن يعرف طبيعة المكان وأهله وعاداتهم وأخلاقهم ومشاكلهم بدرجة تكفى للولوج إلى هذا الحيز، حتى لا يكون كالسائح الذى لا يرى من المكان إلا ما يريد أو يُرَادُ له، وسمير المنزلاوى من إحدى قرى الريف، ولم يهاجر منها إلى القاهرة أو إلى إحدى المدن القريبة كالإسكندرية مثلاً، ولكنه فضل الإقامة فى القرية بشكل دائم، ينعم بمباهج الطبيعة التى تخفيها المدينة فى قشرتها المدنية الزائفة، ولذلك هو يعبر بصدق عن الحياة الريفية، ويحيا مشاكلها بكل ما فى عمره من علم وثقافة، وإذا كان بعض الروائيين العرب، والشعراء أيضًا، قد شخصوا فى نصوصهم الروائية جوانب من تلك الصورة الرافضة للمدينة، باعتبارها صورة للاغتراب والضياع والأسى وفقدان التواصل مع المجتمع المدنى المحكوم بسرعة الحركة وعدم التجانس وانفلات العلاقات الاجتماعية، أمام هيمنة النزعة الفردية، بحيث يصبح الريف أو القرية لدى بعضهم ملاذًا موازيًا للاحتماء فيه من صدمة المدينة، ومن زيف العلاقات وغربة الموت فيها.
 إن رواية سمير المنزلاوى تتعامل مع القرية الواقعية التى يرينا كل ما فيها من أفراح وعذابات، ومن مباهج ومشاكل، ومن مشاعر طيبة وأخرى شريرة، وقضايا فكرية وفلسفية واجتماعية، وقد انتبه الأدباء مع مطلع القرن العشرين إلى "ضرورة أن تحمل رواياتهم أبعادًا إنسانية، وقضايا فلسفية وفكرية واجتماعية كبرى حيث أصدر فرح أنطون رواية سنة (1903) تحت عنوان (الدين والعلم والمال) ومن الواضح أن كل كلمة فى هذا العنوان تدل على قضية إنسانية كبرى(2). وبما أن الرواية كما وصفها "إدوارد سعيد" "مصنع ثقافى" وأنها "شكل ثقافى اشتمالى شبه موسوعى"(3) فإنها بهذا البعد الإنسانى عمل إبداعى يؤثر فى الآخرين ويتأثر بهم، وهذا ما يفسر أن أول عمل فنى عربى ناضج حمل فى طياته هذه النزعة الإنسانية، ونقصد به رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل التى صدرت سنة (1914م) حيث عالج فيه الكاتب مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة فى الريف المصرى، باعتبار أنها من المشاكل الإنسانية المهمة، ولكنها لا تمثل قيمة مطلقة مفصولة عن المشاكل البشرية الأخرى ومعزولة عنها. وإذا كان الأستاذ هيكل يربط ازدهار الأدب فى كل زمان ومكان بالمرأة، فإنه أيضًا يربط تخلفه بخلوه من أى أثر للمرأة حيث يقول: "فلم يكن أثر السيدات هو الذى حفز الأدب فى الغرب وحده إلى نهضة كبرى كالتى نهضها فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بل كان كذلك هو الذى حفز الأدب فى كل الأمم وفى كل العصور"(4).
ورواية (الدكان) من الروايات التى تهتم بالمكان، وتدور أحداثها كلها فى قرية صغيرة اسمها العرفا، والكاتب يحفل بوصف المكان الريفى، وما يكتنفه من حقول، وحتى البحيرة تنال جزءًا كبيرًا من اهتمامه، كما يهتم بتأثير المكان على أهل القرية، ومدى تأثيره على مشاعرهم وحياتهم، وحتى على العلاقات التى تربطهم ببعضهم البعض، كما تربطهم بالمكان سواء كان ذلك من مصلحتهم أم من مشاكلهم، والمكان هنا مجرد وسيلة لغوية تستعمل للتعبير عن هذه العلاقات، على الرغم من أن بعض النقاد يرى أن "العلاقات المكانية بين الناس لا تحتاج إلى وجود شىء ملموس قائم بذاته اسمه المكان إلا بقدر ما تحتاج العلاقة بين مواطنى بلد ما شيئًا ملموسًا اسمه المواطنة"(5)، وتأثير هذه القرية قوى على الجميع، يقول الكاتب، أو الراوى الضمنى، عنها: تشم العرفا رائحة من يعتادها ص10. وفى نفس الصفحة يقول عنها الحاج فخرى العمدة: دى بلد مبروكة يا دمرانى! فقد لمس بركتها فعلاً، وأكل منها الشهد. حتى الدمرانى، مبيض النحاس، يقول الراوى عنه: ظل فى قلب السلام والسكينة اللذين يهبطان عليه فى العرفا!، كما يقول: لعلها البلد الوحيد الذى لا يتغير، مدحها فى منظومته الشعرية الساذجة التى وضعها فى سنوات طويلة! ص11،  ثم يقول: يا عروس البلاد يا عرفا.
وهذه القرية تبدو لفريد من بعيد "كلوحة جميلة، المئذنة بارزة بلونها الأبيض، والهلال ذى العروتين لتعليق قناديل رمضان المعظم، تقفز إلى الأمام وإلى الخلف ثم تختفى، ويحاول اختراق الخضرة المطبقة ليرى العزب المتناثرة شمالاً، والتى لو تمطت العرفا قليلاً وفردت ذراعيها لالتحمت بهم". ص61. وسأل فريد ابن ناظمى أحمد حسين: هيا بلدنا اسمها العرفا ليه يا عم أحمد؟ فأجابه قائلاً: عشان كل واحد فيها عامل أبو العريف! اللى يصحى بدرى يبقى كبير! ص23. وهذه القرية يسكنها الفلاحون والصيادون الذين تنشب بينهما المشاكل دائمًا، بسبب فقر الصيادين النسبى عن الفلاحين، ويعتقد الفلاحون من أهل العرفا أن الصيادين وحوش بخلاء، قذرون، ينتهكون حرمات بعضهم، حتى أن المعارك كانت تنشب لأقل هفوة أو سخرية، فتشتعل نار العراك، ويموت بالمطاوى والعصى والمقاريط عدد كبير( تسعة أفراد) كما ورد فى صفحة 124. ولكن كلا منهما يلتقى فى دكان نظمى، فالدكان مركز القرية التى لا غنى لأحد من أهلها عنه، فهو يعطيهم احتياجاتهم بالأجل، وفيه يجلسون للمسامرة، ويناقشون مشاكلهم وعلاقاتهم. وهو قلب القرية النابض، ولذلك، لا غرابة أن يسمى الكاتب روايته باسم الدكان، حيث تنشأ العلاقات وتنتهى، وحيث تتفتح مشاعر الحب والكراهية والعداوة، فالدكان تلخيص لكل ما يحدث فى هذه القرية، ومركز الفعل، كما أنه موقع المراقبة الذى يرى كل الأحداث.  وكل هذا الحب الذى يعتمل فى قلب أهل العرفا لها لم يمنعهم من المقارنة بين بلدتهم وبلدة سماديس،" تلك المدينة الزاخرة بالمحلات ووكالات الخضر، والمقاهى، بعد أن كانت قرية مهملة يسكنها الباعة الجائلون! لم يكن ثمة عود أخضر، فزمامها كله من الأرض البور، تبخ الملح بخا، تغير وجهها تمامًا بعد إقامة قناطر وكوبرى فوق النيل بجوارها". ص 62. وذلك كما حدث لقرية شلقام التى تبدو فى الليل "كتلة من نور، تأتيها الكهرباء من محطة توليد المحمودية، بينما ترى العرفا قطعة ظلام مخيفة" وكذلك مدينة سماديس الجميلة التى تنتشر فيها "المكتبات الجديدة ومحلات الملابس الجاهزة ومحلات الحلويات، وشارع السويس الكبير يلمع ويتألق فى الليل بأضواء النيون الملونة ص81. ويجب أن نلاحظ هنا الاستعارة الخفية فى هذه المقارنة، ونتوسع فيها لنصل إلى الهدف الحقيقى الذى يسعى الكاتب إليه، وهو المقارنة بين بلداننا والبلاد المتقدمة، إذ كل شىء فى هذه الرواية إنما هو رمز لشىء أكبر وأهم، فالكاتب يتخذ القرية رمزًا للعالم، وما يدور فيها من أحداث هو بالضبط ما يدور فى العالم من حولنا.

هوامش:
1– ماجد صلاح الدين، الواقعية بين الأدبين السوفييتى والعربى، دمشق، 1984، ص 266.
2- محمد كامل الخطيب: نظرية الرواية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1990،ص19.
3- إدوارد سعيد: الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب ط2، بيروت، 1998 ص139.
4- عبد المحسن طه بدر:الروائى والأرض، دار المعارف، القاهرة، 1979 ص54-75.
5– ديفيز، المفهوم الحديث للزمان والمكان، ترجمة د. السيد عطا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998، ص12. نقلاً عن: د. مصطفى عطية جمعة، تجليات المكان فى الرواية، المفهوم والعلامة والتأويل، مقال فى موقع (نقطة ضوء) على الشبكة العنكبوتية، فى 22 يناير 2014م.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "كتب"
 

  » الفضاء المكانى فى رواية الدكان
  » ماهر حبُّوب يرصد الأمثال النوبية

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 2 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية