الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
ماهر حبُّوب يرصد الأمثال النوبية
 


فيصل المـوصلى


بدأ الاهتمام بالتراث الشعبى يتزايد يومًا بعد يوم، ذلك لأن التراث بجميع مكوناته ومختلف أنماطه يـُعد جزءًا مهمًا من الهوية الثقافية لأى شعب من الشعوب.
وتدوين الأمثال له أهمية قصوى فى الحفاط على موروث حضارى ضارب فى جذور التاريخ، خاصة فى هذه المرحلة التى يحدث فيه تغيـّر سريع وهوما يسميه خبراء اليونسكو"التفكك الثقافى العميق".
المثـَل يقوله فرد داخل جماعة ما ويتناقل عبر الوسيلة الشفاهية على ألسنة تلك الجماعة مما يتسبب فى انتشاره حتى خارج إطار هذه الجماعة ذاتها. وهويهدف إلى التعبير المباشر ـ أو غير المباشر ـ عن واقع تجربة الإنسان خلال ممارسته لمختلف جوانب الحياة.
وكما يقول د. إبراهيم شعلان: " تـُعد الأمثال من أبرز عناصر الثقافة الشعبية، ذلك أنها تمثل حجر الزاوية فى فهم الشعوب، ومما لاشك فيه أن الدراسة الحقيقية للمجتمع لا تبدأ إلا من خلال دراسة ما يمكن أن نسميه الفلسفة السائرة أو اليومية فى العلاقات الاجتماعية والإنسانية والسياسية والاقتصادية. ومحور الارتكاز فى هذه الفلسفة اليومية فى الأمثال التى تعبر عن الحكم السائرة."
ووردت كلمة ( مَثـَلْ ) فى بعض المعاجم اللغوية أنها: (جملة من القول مقتطفة من كلام، أو قائمة بذاتها تـُنقل ممن وَرَدَتْ فيه إلى ما يشابهه دون تغيير)
وأحيانًا المثل يحمل عبق المكان ورائحته. والمثل النوبى أنتجته بيئة محلية لها خصوصيتها ومن الطبيعى أن تجد بعض هذه الأمثال تتناقلها الألسن فى طول مصر وعرضها، بل وفى بعض الدول العربية ـ وربما باختلاف فى الصياغة ولكن لها نفس المعنى والدلالة ـ 
فى المجتمع التقليدى يرتبط المثل بإضفاء الحكمة، وتمتلئ الأمثال بالحكايات التى تساعد على رفع قيمة الموعظة الأخلاقية أو تسهم فى توضيح درس ما فى الحياة، وفى هذه الحالة لا يكون المثل سوى تصوير للحكاية وغالبًا ما يدلى الراوى بهذا المثل قبل بدء الحكاية التى تجسده.
وعندما كنت فى أسوان الشهر الماضى، أهدانى صديقى الباحث الدءوب "ماهر حبـّوب" كتابه الرائع "معجم الأمثال النوبية " ـ الجزء الأول، يبدأ الكتاب الذى يقع فى (304) صفحة بالإهداء. والذى أهداه المؤلف لوالدته وابنته ( مليكة) وزوجته وإخواته وخاله والطيبين أهله وأصدقاؤه. ثم بعد ذلك تأتى كلمة الشكر فى صفحتين وقد توجه الكاتب بالامتنان إلى كل من جمَع منهم العديد من الأمثال التى أتت بين دفتى هذا الكتاب. وتقدم فيه بالشكر والامتنان لكل الذين عاونوه وساندوه وقدموا له بعض الكتب والمراجع. وبعدها تأتى مقدمة الكتاب التى كتبها الشاعر علاء خالد مؤسس مجلة (أمكنة) تليها مقدمة أخرى للروائى النوبى يحى مختار. ثم استهلال يوضح فيه الباحث متى بدأ بجمع هذه الأمثال والمراجع التى رجع إليها، ثم يقول: "هذا الكتاب ـ المكون من جزئين.  مكتوب بطريقة الدكتور خليل كبارة التى كان يتم تدريس اللغة النوبية بها فى مركز الدراسات النوبية والجمعيات النوبية وفونت (  Sophia Nubian) متبعًا نصيحة الباحث الألمانى فى اللغة النوبية "ماركوس جيجر" بعد أن كانت مكتوبة بفونت الكمبيوتر ( Nubian New 1 ) ـ مع تعديل واجتهاد شخصى ـ فقد رأيت أن أكتب الأمثال كما تنطق بالضبط ودون أى فواصل أو تقسيم للكلمة، لذا قمت بحذف الشرطة أو الداش (ـ ) وهى الفاصل بين جزع الكلمة والإضافات القواعدية (لواحق أو نهايات أو واسطات) وكررت ذلك فى كتابة منطوق المثـَل بالأحرف اللاتينية مستخدمًا الأقرب للنطق وليس القياسى.".
وترجع أهمية هذا الكتاب فى أنه تبنى منظورًا محددًا ألا وهو تتبع الأمثال التى تدور فى منطقة النوبة وتقديمها بأكثر من لغة ( النوبية ـ العربية ـ اللاتينية ) بما يكشف فى معظم الوقت الفوارق بين هذه اللغات فالكتاب يقدم مادة شيقة من خلال الأمثال والتعليقات المباشرة عليها.
وعلى سبيل المثال نقدم هذا النموذج:
(........................... )
النقاط عاليه تدل على كتابة المثل بالأحرف النوبية التى لا توجد على الكمبيوتر إلا لدى المتخصصين فقط..
 ( إلينْ جـُرْتـودْ وللـُّـونْ تـِى تـود. )
ومعناه بالعربية:
( عِـجْل اليوم هو بقـرة الغـد. )
ويعزز الباحث شرحه ببيت شعر لأبى تمام له نفس المعنى:
( إنّ الهـِلالَ إذا رَأَيتَ نـُمـُوَهُ / أيقَنتَ أن سَيَكونُ بَـدرًا كـاملاً)
وجاء موفقًا اختيار الباحث لأبيات من الشعر العربى وضعها فى (111) مثـَلْ تتناسب مع المضمون والدلالة. كما اشتمل الكتاب على شروح وافية وتفسيرات ضرورية. وفى آخر الكتاب فهرسة ـ بالنوبية ـ جامعة للأمثال التى يحويها الكتاب.
ويـُعد موضوع البحث / الكتاب الذى قدمه لنا ماهر حبـّوب من الكتب الفريدة فى مجال اللغة. وإضافة جديدة إلى المكتبة العربية والنوبية على وجه الخصوص. وقد سبقه إلى هذا الاتجاه الدكتور خليل كبارة ومحمد متولى بدر. وتأتى أهمية هذا الكتاب فى أنه مكتوب ـ ولأول مرة ـ بالخط النوبى مما يتيح مادة ثرية للباحثين فى اللغات المقارنة والأنثروبولوجيا والفلوكلور، ويساعدهم فى إجراء عملية المقارنة من ناحية والتعرف على خصوصية الهوية الثقافية المصرية المتعددة من ناحية أخرى.
 ونستطيع أن نؤكد أن غالبية الأمثال التى وردت فى الكتاب لها طابعها النوبى. وإن لم تكن خرجت من نفس البيئة فقد دخلت عليها بمرور الزمن بعض الألفاظ  العربية.
وبما أن لكل مجتمع من المجتمعات البشرية ثقافته الخاصة التى تميزه عن غيره من المجتمعات والتى يستمد منها مقومات بقائه واستمراره. ويسعى المجتمع نفسه إلى الحفاظ عليها.
 وكثيرًا ما يرتكز المثل على تراث الأجداد. كما أنه يعبر عن الحقائق الطبيعية، لذا فإن الراوى يبدأ به لإثارة انتباه المستمعين ولإجبارهم على التأمل فى المعنى الخفى للأشياء. كما نجد فى أغلب المناطق فى مصر يقولون: (وقال على رأى المثل) أما فى منطقة النوبة فيقال (شـوبن إيجسان ويـرا) وترجمتها الحرفية "حاجة قالوهـا زمـان".
ونرى أن ماهر حبـّوب الحاصل على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية من جامعة جنوب الوادى ـ أسوان ـ وحصل أيضًا على دبلومى إدارة المنظمات غير الحكومية وإدارة البيئة ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة قد وضع جل همه ووقته لهذا البحث المتعمق ووضع نصب عينيه قيمة ومكانة تراث أجداده وارتبط به ارتباط الباحث المتأمل فى مكونات هذا التراث، فكتشف وهو يقرأ تراث ماضيه أنه لا يجب غض الطرف عن هذا الإرث الغنى والملىء بالبعد الفلسفى والمتدفق بالحكمة. كما كرس وقته للعمل الميدانى والمكتبى لسنوات عديدة ( 1995 ـ 2009 ) ليخرج لنا هذا العمل إلى النور، ويعتبر الكتاب الذى يضم حالى (500) مثـَل شعبى وهو دراسة عميقة تحتوى على تحليل مقارن مرجعًا مهمًا للباحثين لأنه يزيد من الشعور بالهوية والانتماء. فالكتاب يهتم بتنمية الوعى بأهمية التراث الثقافى المصرى / النوبى والحفاظ عليه لتأكيد الهوية الذاتية وتقوية الانتماء. كما يضيف للمكتبة المصرية رافدًا من ثقافة الوطن تم إغفاله لفترة طويلة، مع أنه من الطبيعى أن يكون لكل جماعة ما، فى مجتمع ما، فلوكلورها الذى يعبـّر عن هويتها وتتميز بأهميته الاجتماعية وخصائصه المميزة، وهذا فى حد ذاته إضافة للوطن الأم، لذا فإن دور التنمية الثقافية فى مجال التنمية المستدامة أصبح له ضرورة قصوى تفرضها متغيرات الحاضر والمستقبل.
وأعلم أن اهتمام ماهر حبـّوب مرتكز على هذا الجانب منذ زمن بعيد. وهذا الكتاب هو ثمرة جهده الذى امتد لسنوات عديدة من البحث الميدانى وبإمكانيات هزيلة ـ آلات تسجيل وتصوير وغيرها ـ ولولا دأب الباحث وإيمانه بـما يقوم به ما خرج لنا هذا الكتاب. إن إحياء هذا الجانب من التراث وإلقاء الضوء عليه يقع على عاتق الشباب من أبناء النوبة المؤمن برسالة الموروث الشعبى.
شكرًا للمؤلف على إصدار هذا العمل العلمى الجاد والمتميز فى وقت نحن فى أشد الحاجة إلى التعرف على الأنماط الاجتماعية بطول مصر وعرضها.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "كتب"
 

  » الفضاء المكانى فى رواية الدكان
  » ماهر حبُّوب يرصد الأمثال النوبية

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 2 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية