الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
الخطاب الدينى والقراءات المتنوعة فى النص
 


د.سامية صادق سليمان


تتعدد الخطابات الدينية تبعا لتعدد القراءات المتنوعة فى النص، والقراءة المُتعَمِّقة تبحث دائما عما لا يعلمه القارئ عن طريق قراءته السَّطحية، ويصبح الخطاب الدينى باليا إذا نهج منهجا تقليديا عقيما، ولم يتخذ قراءة مطردة متغيرة تجارى تغيرات العصر ومستجداته، وتتوافق معه فهما وتأويلا.
وتعتبر قراءة النّص نشاطا مهمًا وتعاملاً مع النّص الدِّينى يتم من خلاله الاتجاه إلى قراءة متنوعة( ) حتى يتيح ذلك الفرصة للمجتهدين تتبع النُّصوص والأحكام التى تقبل التغيير، والتى يؤثر فى فهمها عوامل البيئة والعادات والثقافات والظروف الاجتماعية، وبالتالى فالفهم الدِّينى هنا يجب أن يكون متجددا تبعا لتجدد المواقف والأحوال.
ويرتبط فهمنا للنُّصوص دائما بدائرة معارفنا للعالم، وبطريقة فهمنا للألفاظ، فالنَّص الدينى لا يمكن أن يتباعد عن التَّجربة الإنسانية، ولا يمكننا توظيف هذا النَّص دون تأويل وتفسير، وبخاصة بالنِّسبة للعلوم العربية الإسلامية؛ لأن "ما يُميز هذه العلوم أنها تدور حول النَّص الدِّينى ساعية إلى استثماره فى مجالات الشَّـريعة والعَقِيدة واللُّغة"(2).
ولا يقصد بالتجديد تغيير النصوص وتبديلها، بل فهمها وتطبيقها على نحو يلائم العصر ويستوعب النوازل، ويتسع للحكم على مستجدات العلم ومتغيرات الحياة، ولذلك فإن تجديد الخطاب الدينى يستوجب التَّأويل وهو ضرورة عقلية، فالأصول لا يمكن الخوض فيها، أمّا الفروع فهى أمور لا بد أن تكون مجالاً للتأويل، فقد كانت حكمة الله تعالى: "أن تكون فروع هذه المِلَّة قابلة للأنظار ومجالًا للظّنون وقد ثبت عند النُّظَّار أنَّ النَّظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظَّنيات عريقة فى إمكان الاختلاف لكن فى الفروع دون الأصول وفى الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف"(3).
ومن الضَّرورى أن يستند التَّأويل إلى دليل صحيح، وليس لخدمة أغراض معينة، والأهم من ذلك أن يكون موافقًا للنَّص الصَّـريح وأن يُؤوَّل اللّفظ إلى معان يحتملها ولا ينأى عن دلالة اللّفظ نفسه، ولا بد أن يرتكز التأويل على قواعد منظمة، فيلتزم المؤول بضوابط التأويل ومن أهمها: عدم معارضة نص صريح، و"معرفة لسان العرب من مفردات وتراكيب ومعان، ومعرفة عادات العرب فى أقوالها وأفعالها ومجارى أحوالها حالة التَّنزيل، ومعرفة أسباب النزول، ومقتضيات الأحوال ومعرفة علم القراءات والنَّاسخ والمنسوخ وقواعد أصول الفقه التى تتحد عن المُبين، والمؤول والمقيد والمتَشابه والعام والمطلق"(4).
إن تجديد الخطاب الدينى طريقنا لكى ننجو من جمود القراءات التحريفية والسطحية للنص القرآنى، وهو ضرورة شرعية وحاجة موضوعية للتوافق مع سنن التطور فى الحياة، وليس مطلبا سياسيا لتحقيق أهداف أيديولوجية آنية لنظام بعينه. وهو تفاعل إيجابى بين الواقع الحى والمتغير باستمرار، فالنص يحتضن العديد من الاحتمالات، ولذلك تطرح دائما قضية تجديد الخطاب الدينى فى عصرنا الحالى بقوة من أجل تطبيق النصوص على نحو يلائم العصر، ويراعى النوازل والمستجدات، ويستبعد تلك النظرة الحرفية والظاهرية التى لا تبصرنا ببواطن الأمور ومراميها الخفية، وتجعل العقل يتعثر منهجيا والسبب الرئيس فى ذلك: إهمال البعد الحقيقى الباطنى فى النصوص.
وما يجمعنا نحن المسلمين موجود فى النص، وينبغى التسليم بذلك، لكن الوصول إليه وبلوغه لن يكون إلا من خلال القراءة التأويلية، باعتبار التأويل العملية الأمثل للتعبير عن عمليات ذهنية على درجة عالية من العمق فى مواجهة الظواهر(4). ومن هنا تبرز أهمية التجديد فى الخطاب الدينى الإسلامى، الذى ينطلق من ثوابت العقيدة وقيمها المتعالية والخالدة ليعيد قراءتها وفهمها بناء على التطورات العلمية والفكرية.
وأزمة الخطاب الدينى الحالى أنه لا يستوعب التطلعات التنموية البشرية ولكن هذا لا يقتصر على الدين الإسلامى فحسب، بل عانت الديانات الأخرى أيضا وما زالت تعانى من خطاباتها السطحية بسبب تسلط رجال الدين، وفقدان الخطاب الدينى ذاته لمعطيات ومقتضيات العصر، بل إنه يقدم نفسه على أنه خطاب يمتلك حقائق كثيرة جدا، ولا يستطيع أحد، أو لا يجب على أحد أن ينازعه فى هذه الحقائق أو يناقشها، وإلا كان من الخارجين على الدين.
والمتتبع لمسار الخطاب الدينى فى الديانة اليهودية والديانة المسيحية، يدرك أن بعض رجال الدين فى هاتين الديانتين قد تمسك بحرفية النص التى توهم بتصورات جسمانية للذات الإلهية تماما كما حدث فى الدين الإسلامى، فوقعوا فى التشبيه والتجسيم، أما موقف هؤلاء بالنسبة للتأويل وتجديد الخطاب الدينى فهو غير وارد، وهذا يتسق تمامًا مع مذهبهم القائم على أخذ النّصوص على ظواهرها، وغالبا ما يؤدى استخدام اللفظ فى ذات الله سبحانه وتعالى بالمعنى الحرفى عند استعماله فى الخلق إلى تشبيه صريح.
وتضاربت أيضا الفرق الإسلامية بين رفض الصِّفَات الحِسِّية وبالتالى تأويلها وبين قبول هذه الصِّفَات ورفض تأويلها، وقد خرجت بعض الفرق، كالمعتزلة بهذه الصِّفَات الإلهية عن مدلولها الحسى لأن هذه الفرقة "أخضعت النص للعقل وإن تعارضا فالأولوية لديهم للعقل"(5)، وأهم من يمثل رفض تلك الصِّفَات الحِسِّية من الأشاعرة: فخر الدين الرازى (ت 606هـ) فقد اعتنى بإقامة البراهين العقلية والنقلية على استحالة وصف الله تعالى بما يستلزم الجسمية، فالاستواء بالنسبة له قهر البارى واستيلاؤه، ونزوله بره وعطاؤه، ومجيئه: حكمه وقضاؤه، ووجهه وجوده، وعينه حفظه، وعونه اجتباؤه، وضحكه عفوه، ويده إنعامه، وإكرامه اصطفاؤه.
ودافعت المعتزلة عن هوية العقل الإسلامى فقد رأت أنه لا تعارض على الإطلاق بين العقل والنص، لأنهما يتفقان بالضرورة، وإنما يأتى خطأ من يستدل بالنص من خطئه فى الاستدلال العقلي(6).
ويتفق فخر الدين الرازى والمعتزلة وغيرهم فى نفى الصِّفَات الخبرية وتأويل ما ورد من الآيات والأحاديث على نحو يليق بذات الله تعالى، وفى المقابل نجد أن هناك من بالغ فى إثبات الصِّفَات الخبرية والإكثار فيها حتى أصبحت أهم ما يتميزون به، ومن أهم من مثل هذا الاتجاه: الحنابلة وتبعهم ابن تيمية (728هـ) وقد عُنى أتباعه من بعده بهذه الناحية وبخاصة تلميذه ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) فقد حاول إثبات اتصاف الله تعالى حقيقة بتلك الصِّفَات، ولذلك تعرض هؤلاء لتهمة التشبيه والتجسيم(7).
ولنا أن نسأل.. ماذا لو أغفلنا دور العقل وبالتالى نفينا القراءات المختلفة فى فهم النص الدينى واتجهنا إلى قراءة واحدة -كما رأى البعض- وما هى آلية ومنهج الخطاب العقائدى الذى سنتبعه أمام العقائد الأخرى. ومن ينقذنا من تلك الرجعية المتحجرة التى عطلت العقل وحاربت مبدأ الاختلاف والتنوع، ولم تقدم أى مشروع يقاوم الاستبداد والعنف والتسلط وادعاء الحقيقة المطلقة؟
والفاحص لتاريخ الخطاب الدينى يجد أنه قد تهاوى أمام تحديات الملل الأخرى عندما تحاور هذا الخطاب مع الثقافات الوافدة إبان الفتوحات الإسلامية وأمام أحداث اجتماعية وسياسية كبرى، فقد أعلن بعض رجال الدين أصحاب النصوص الشارحة والتفاسير جمود النص وتثبيت دلالته على فهم واحد، مما أدى إلى الابتعاد عن الواقع وإلغاء العقل، لكن النّص الدِّينى -فى حقيقة الأمر- ليس مضادا للعقل ولا ينبغى له أن يكون، ولكنه سند له، فالنُّصوص الدِّينية تدعو إلى التفكر والتدبر، وعدم الانسياق والتقليد دون إعمال العقل والفكر، وهذا يوضح المجال الحقيقى لدور الرأى والفِكر والتأويل فى الوصول إلى قرار يعبر عن الجماعة وإدراك الحقائق، فالحاكم الإسلامى -على سبيل المثال- لا يملك سُلطة التشريع ولكن يمكنه الاجتهاد برأيه فيما لَمْ يرد فيه نص(8).
ولقد أكد النّص الدِّينى على الاجتهاد وأتاح للمنهج العَقْلى الغوص فى أعماق المعانى وما يحتويه الباطن، وسمح بتأويل حقيقى وفهم لكل ما هو معقد التَّركيب، وهذا يخالف التَّفسير السَّطحى والذى يُمكنه فهم البِداية فقط، ولن يتم هذا بغير ضوابط واضحة وعندما يتم هذا بنجاح، أى التَّفسير الظَّاهرى والدَّاخلى يُعطِينا بذلك التَّفسير المُتعمق، وبهذا يكون المُفسـر قد وصل إلى أقصـى أعماق النص.
ويرى ابن رشد الفيلسوف الذى ناهض سطحية التفاسير أنه لا يوجد أى تناقض بين الدين والنظر العقلى، واعتبر أن النظر العقلى البرهانى لا يؤدى إلى مخالفة الشرع بل على العكس، فيقول ابن رشد: "إذ تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل فى الموجودات، واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهذا هو القياس أو بالقياس، فواجب أن نجعل نظرنا فى الموجودات بالقياس العقلى، وبين أن هذا النحو من النظر، الذى دعا إليه الشرع وحث عليه، هو أتم أنواع النظر بأتم أنواع القياس، وهو المسمى برهانا(9).
وحتى نجدد الخطاب الدينى يجب تجديد وإحياء علم القراءات وعلم الاجتهاد ونبذ التعصب والبحث فى فقه النوازل. على أن الخطاب الدينى الإسلامى ليس هو فقط المقصود والواجب التغيير، فالتجديد والإصلاح الدينى الإسلامى لم يعد أمرا يخص الخطاب الإسلامى وحده، فالتعصب والتجمد أصبح جزءا من الفكر العالمى.
ولكى يضمن الخطاب الدينى التواجد والاستمرار يجب أن يتحرر من مفاهيم الهيمنه والشمول والقطع، ومن القراءة الحرفية الظاهرية للنصوص وأن يتخذ آليات جديدة عند قراءة النص، ويتجه إلى قراءة عصرية تعتمد على سيادة العقل لا على التقليد. هذه هى آليات تجديد الخطاب الدينى من أجل خطاب تنويرى يعمل على تحرير الفكر الدينى المعاصر من الانغلاق والوقوف ضد الاستخدام النفعى والتوظيفى للدين، ولمواكبة الواقع واستيعابه، والتعامل مع المستجدات والتطورات والنوازل، وهذا يعنى أن الخطاب الدينى يجب أن ينطلق من ثوابت العقيدة وإعادة قراءتها وفهمها بناء على التغيرات والتطورات العلمية والفكرية، ليقدمها بأساليب جديدة تتفاعل مع الواقع الجديد، ويعيد أيضا قراءة وفهم أحكام الشريعة وفقهها حتى تصبح صالحة لكل زمان ومكان.

الهوامش:
 - تفصيل الحياة التشريعية كان على نوعين، النوع الأول: النصوص التى لا تقبل التغيير، ولا تتغير بتغير الزَّمان والمكان، أو بالظروف الاجتماعية أو الثقافية والسياسية، والنوع الثانى: نصوص وأحكام ومبادئ تؤثر فى فهمها عوامل البيئية والعادات والثقافات والظروف الاجتماعية السياسية مما يجعل فهم هذه النصوص متجددا بحسب ظروف العصر والمكان.. راجع: الشيخ: حسن الجواهرى: القراءة الجديدة للنصوص الدينية (الهرمنوطيقا)- مجلة فقه أهل البيت- بيروت، العدد41، 1427هـ = 2006م، ص 149 – 196.
2- د.سالم يقوت: حفريات المعرفة العربية الإسلامية- دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م ص13.
3- أبو إسحاق الشاطبى: الاعتصام، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الجزء الثاني، بدون تاريخ، ص168.
 4- راجع نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الدينى– سينا للنشر والتوزيع– الطبعة الثانية– 1994م، ص 77.
5- فخر الدين الرازى: أساس التقديس- تحقيق: طه عبد الرؤوف مكتبة الكليات الأزهرية، 1981م، ص 59، 60.
6- راجع د.على سامى النشار: نشأة الفكر الفلسفى فى الإسلام- دار المعارف، الطبعة الثامنة، الجزء الأول، 1981م. ص 340.
7- نصر حامد أبو زيد: الاتجاه العقلى فى التفسير- المركز الثقافى العربى، ص 182.
8- راجع: مونتغمرى وات: الفِكر السياسى الإسلامى والمفاهيم الأساسية- ترجمة: صبحى هريدى– دار الحداثة للطباعة– بيروت، الطبعة الأولى 1981م، ص 128.
9- ابن رشد: فصل المقال بين الحكمة والشريعة من الاتصال- دراسة وتحقيق محمد عمارة-طبعة دار المعارف، ص 23.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "تجديدالخطاب الديني"
 

  » الخطاب الدينى والقراءات المتنوعة فى النص

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 1 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية