الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
صراع من أجل الحريات
 


فريدة النقاش


يثير وضع الحريات فى الوطن العربى عادة حديثًا ذى شجون، واتساقًا مع حديث الشجون هذا سوف أقدم لكم حكاية مؤلمة حكتها لى زميلة صحفية جزائرية، وقعت أحداث الحكاية فى سنوات النار، أو فى العشرية السوداء كما يصفها الجزائريون حين حشدت قوى اليمين الدينى قوتها وأسلحتها وأموالها فى مطلع تسعينيات القرن الماضى ضد كل القوى الديمقراطية فى البلاد، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين بينهم مائتا مثقف على الأقل نساءً ورجالاً من ألمع وأذكى المثقفين وأكثرهم معرفة ووعيًا وحبًّا للوطن، كان بينهم علماء اجتماع وصحفيون وموسيقيون ومسرحيون وكُتّاب، رفضوا جميعًا أن يخرجوا من بلادهم تحت ضغط موجات الإرهاب الوحشى، وجرى قتلهم بدعوى أنهم علمانيون.
وكانت منهم تلك الصحفية الشابة المحجبة ذات الخمسة والعشرين عامًا التى أطلقوا عليها الرصاص فماتت على الفور. وكانت الصحفية تكتب تحقيقاتها من واقع الحياة اليومية لمواطنى بلادها البسطاء هى التى انحدرت من أسرة بسيطة للغاية نزحت من الريف إلى العاصمة بحثًا عن أفق ومستقبل.
أما صديقتى فظل زملاؤها وجيرانها كلما شاهدوها يسألون بدهشة: أمازلتِ حية؟ ولم تكن أمها تصدق حين تعود إلى البيت أنها عادت فعلاً وتحرص على احتضانها لتتأكد وهى تبكى.
 غادرت صديقتى بلادها لتعمل فى مكتب جريدتها فى "تونس" بعد أن حدثت واقعة أخرى مماثلة لزميلة ثانية فقدت حياتها وكأنما كان هناك استهداف للنساء.. بل كان هناك فعلاً استهداف للنساء اللاتى كن فاعلات فى مواجهة القمع باسم الدين.
وحدث الخروج الكبير من الوطن فى هذه السنوات البائسة ولم يبدأ بعض المهاجرين العودة إلا بعد أن أيقن الشعب الجزائرى أن كابوس العنف باسم الدين قد انزاح. ولعبت النساء الجزائريات أدوارًا بطولية وكأنهن يواصلن البسالة المنقطعة النظير التى ميزت مشاركتهن فى الثورة الوطنية ضد الاحتلال الفرنسى.
وقبل سنوات كانت الجماعة السلفية للدعوة والقتال فى الجزائر قد أهدرت دم الفنان "عادل إمام" بدعوى أنه أحد المتسببين فى انهيار قيم الأمة. وكان عادل قد انتقد منظمة حماس.
تتواصل بانتظام تقارير حالة حقوق الإنسان فى بلدان الوطن العربى التى تعدها منظمات شتى تتفق جميعًا على انتهاك حقوق الإنسان فى كل البلدان العربية مع تفاوتات طفيفة هنا وهناك، وتتلقى الحريات العامة النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات، سواء فى ذلك حرية الفكر والتعبير وحرية التنظيم أو حرية الاعتقاد، أو الحق فى السفر، وتصل الانتهاكات لذروتها فى الاعتداء على الحق فى الحياة ذاته، وتجاهل الحق فى المحاكمة العادلة، ووضع بعض المدافعين عن حقوق الإنسان فى السجون، وإجراء محاكمات صورية للمعارضين، وملاحقة الصحفيين والكُتّاب والمفكرين فى أرزاقهم واعتقالهم ومنعهم من السفر واللجوء لقضايا الحسبة لمصادرة الكتب والأفكار حتى إن مؤسسة "بن رشد" للفكر الحر قامت بمنح جائزتها لعام 2015 لأدب السجون، واختارت كاتبين أحدهما من سوريا والآخر من المغرب. وتصدرت قضية حرية النشر والتعبير أعمال معرض الشارقة للكتاب هذا العام.
وسجلت تقارير حالة حقوق الإنسان فى الوطن العربى تفاقم ظاهرة الاختطاف والاختفاء القسرى، وناقش المجلس القومى لحقوق الإنسان فى مصر هذه الظاهرة إضافة للانتهاكات فى أقسام الشرطة، وأعد المجلس قائمة بأسماء المختفين وقدمها لوزارة الداخلية.
ويعرف المواطنون العرب أن لظاهرة الاختطاف والاختفاء القسرى فى الوطن العربى تاريخًا مليئَا بالمآسى.
وفى الشهر الماضى حلت الذكرى الخمسون لاختطاف واختفاء المناضل والسياسى المغربى المعارض "المهدى بن بركة" الذى جرى قتله بطريقة وحشية كما بينت الحقائق التى تكشفت للمحققين، كما تكشف أيضًا التواطؤ فى هذه المسألة بين عدة أجهزة مخابرات عربية وأوروبية.
وإذ تنتشر ظاهرة الإرهاب على امتداد البلدان العربية فإن السلطات تعتبر العمليات التى تقوم بها المنظمات الإرهابية مبررًا لتقييد الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان. وليس نادرًا أن تلجأ بعض هذه السلطات إلى الحديث عن النموذج الأمريكى بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001، وقصف البرجين فى نيويورك، حيث توسعت الإدارة الأمريكية فى التنصت على المواطنين ومراقبتهم حتى أن مراقبين ومحللين سياسيين أجمعوا على أن أمريكا أصبحت أقرب الديموقراطيات الغربية إلى الدولة البوليسية.
واستطاعت الجماهير العربية رغم هذا الواقع الكابوسى، ورغم العدوان المنظم على الحريات العامة أن تنتزع مساحات أوسع للحريات بعد انتفاضات وثورات الربيع العربى خاصة فى كل من تونس ومصر، بعد أن كانت هذه الجماهير قد أسقطت ترسانة القيود على الحريات واقعيًا بخروجها بالملايين إلى الميادين والشوارع لتزيح حكامًا مستبدين وتعرى الفساد والاستغلال، وإن بقيت القوانين التى تجاوزتها الجماهير فى حركتها قائمة كما هى.
وفى هذا السياق نشأت ظاهرة التوسع الكبير فى المنابر الإعلامية التى أتاحت مساحات من حرية التعبيرـ على الأقل بسبب المنافسة بين ملاكها على كعكة الإعلانات ـ ومع ذلك ظل التناقض قائمًا بين تكاثر المنابر الإعلامية واتساعها والتضييق على حرية التعبير من قبل بعض السلطات بدعوى مكافحة الإرهاب.
وكان المكسب الرئيسى الثمين الذى حصلت عليه الجماهير العربية هو ذلك الوعى النقدى الذى اكتسبته وهى تبلور شعارات الموجات المتوالية للثورة وأهدافها، وتربط ربطًا جدليًّا ثاقبًا بين الديمقراطية والتغيير الاجتماعى والاقتصادى، ودخول الجماهير كطرف فاعل إيجابى فى المعادلة السياسية وسلطة اتخاذ القرار.
وحتى قبل أن يبلور المفكر "سمير أمين" هذه الصيغة كانت الملايين التى شاركت فى كل الانتفاضات الثورية فى السنوات الأخيرة قد وصلت إلى هذه النتيجة: إن الديمقراطية أداة الجماهير المنتجة لتغيير حياتها إلى الأفضل وخلق أرضية مشتركة للتعايش بين المختلفين، حيث التعدد هو سنة الحياة.
وأستأذنكم فى أن أنقل هذه الفقرة المطولة من مقال "لسمير أمين" نشر فى جريدة الأهرام المصرية قبل أسابيع قليلة حول هذه القضية يقول: "تقوم الديمقراطية على أساس مبدأ الاعتراف بمشروعية تعدد وجهات النظر فيما يخص الأوضاع الاجتماعية القائمة وإصلاحها المحتمل، وصلاحية مؤسسات الدولة والمجتمع من أجل إدارة تطوير هذه الأوضاع، ويقتضى تحقيق هذا الهدف حرية الفكر حتى تضمن مزاولة الديمقراطية بهذا المعنى والتعريف، وإفساح المجال لقدرة الإبداع على صنع مستقبل المجتمع. والمقصود هو توفير الشروط الملائمة لتصبح الديموقراطية أداة تستخدمها الطبقات الشعبية دفاعًا عن مصالحها. ولا تنفصل قضية الديمقراطية عن قضية التقدم الاجتماعى، ولذا لابد أن تنشأ الديمقراطية على مصالحة قيمتين هما الحرية والمساواة.
لكن تبقى الحرية التى يصاحبها تكريس الطابع المقدس للملكية الخاصة عقبة تحول دون إنجاز التقدم نحو المساواة. لأن الملكية الخاصة هى دائمًا ملكية الأقلية التى أصبحت فى النظام المعاصر حكرًا على مديرى الاحتكارات الاقتصادية العملاقة، إذ تقوم حرية قرار هذه الأقلية بالعدوان على فعالية حرية الآخرين".
وهو الواقع الذى أدركت الجماهير المنتفضة حقيقته حين رفضت اختزال الديمقراطية فى الانتخابات، محتجة على تلاعب السلطات بمصالحها الحقيقية عبر ديمقراطية شكلية.
ولن يكون مفيدًا أن نستهلك طاقاتنا فى وصف حالة الحريات العامة فى الوطن العربى، أو عرض التقارير التى تكشف عنها عامًا بعد الآخر. وسوف يكون أجدى لنا أن نتوقف أمام المسئولية الملقاة على عاتق المثقفين، النقديين منهم على نحو خاص بما أن حلول المشاكل تأتى عبر العقل الناقد ولا يصنعها البؤس المحض أو الشعور به. كما أن السخط لا يصنع المقاومة وإن كان بوسعه أن يستدعيها، وإنما يصنعها على نحوٍ فعّال كل من الوعى النقدى وتنظيم الجماهير حتى تصنع قيادتها، فمن الخطأ الكبير تحويل الشعب غير المنظم إلى أسطورة مقدسة.
وحين نحدد المثقفين النقديين ونخصهم بأدوار كبيرة، فإن هذا لا يعنى الكتاب والأدباء والفنانين فقط، وقبل خمسين عامًا أو يزيد كانت مدرسة "فرانكفورت" قد توصلت إلى ضرورة تضافر الاختصاصات بما يعنى توسيع قاعدة المثقفين، لأن كل المواطنين مثقفون وإن لم يمارسوا وظائف المثقفين. وأشارت مدرسة "فرانكفورت" إلى مهمة للمثقفين ما تزال راهنة ألا وهى ضرورة تحالفهم مع قوى التغيير الاجتماعى، وفعاليتهم المباشرة فى أوساط الجماهير.
وتنشغل كل من الساحة الفكرية والساحة السياسية فى هذه الأيام المضطربة فى الوطن العربى بقضية تجديد الخطاب مع التركيز على الخطاب الدينى التكفيرى على نحوٍ خاص، وإن كانت أجندة المثقفين النقديين قد وسعت من نطاق الحاجة للتجديد، وقد اختاروا أن يقوموا بهذه المهمة التى تدعونا للتوقف أمام شروط هذا التجديد وآلياته بدءًا بتفكيك الخطابات القائمة، واستشراف عناصر جدول أعمال لو توافق حوله المثقفون النقديون والطلائع السياسية سوف نقطع أول الخطوات فى اتجاه إنجاز أهداف الانتفاضات والثورات وعلى رأسها تأمين الحريات العامة.
يشكل النمو المتسارع لمنظمة داعش "الدولة الإسلامية فى العراق والشام" وانتشار أفكارها بين قطاعات لا يستهان بها من شباب البلدان العربية والإسلامية، واحدًا من أخطر التحديات التى تواجه هذه البلدان فى العصر الحديث منذ أن اختارت الطبقات الحاكمة فيها التلكؤ فى الدخول إلى الحداثة، بعد أن خاضت معاركها المجيدة للتحرر من الاستعمار القديم ثم سقوطها بعد ذلك فى قبضة التبعية للاستعمار الجديد المبنى أساسًا على الهيمنة الاقتصادية.
ويتجاوز التحدى الذى تمثله "داعش" وأخواتها حدود الخطاب الدينى الذى تتصاعد الآن الدعوة لتجديده بعد اقتراب الخطر من البلدان المستقرة نسبيًا لتطول كل من الخطاب السياسى والخطاب الثقافى على حد سواء.
فلو أننا نظرنا بعمق فى آليات اشتعال خطاب التطرف الدينى التكفيرى، سوف نجد أنها تتكرر وكأنما تعيد إنتاج ذاتهاـ وإن بلغة أخرى ـ فى صلب الخطابين السياسى والثقافى.
تتأسس النواة الصلبة للخطاب التكفيرى الدينى على مفهوم الحقيقة المطلقة كلية الصواب التى يتملكها بشر مميزون فوضهم الله سبحانه وتعالى للحديث باسمه، ومواصلة رسالة أنبيائه، وحفظ النصوص الدينية التى استأمنهم عليها، ورغم أن هؤلاء يكررون دائمًا قول الرسول "صلعم" لست إلا بشر مثلكم إلا أنهم يرفعون أنفسهم واقعيًا إلى سماوات القداسة، ويطلبون إلى كل التابعين أن يعاملوهم على هذا الأساس، فهم العارفون الوحيدون بالرسالة، ومالكو أسرارها، ولا يجوز للآخرين الارتقاء إليهم إلا عبر مشقة بالغة يتصدرها مبدأ السمع والطاعة، وحتى حين يذعن هؤلاء الآخرون فيسمعون ويطيعون يبقون غالبًا فى مرتبة أدنى من هؤلاء الذين يدّعون أنهم يملكون مفاتيح السماء من الفقهاء والمرشدين العامين. ويصبح الأمر أكثر تعقيدًا إذا كان هؤلاء الآخرون من النساء. لأن النساء فى منظومة الفكر التكفيرى كائنات غير عاقلة فضلاً عن أنهن عورات، ولذا من الضرورى إخفاؤهن ثم الوصاية عليهن باسم حمايتهن، وقمعهن عند الضرورة بحجة تأديبهن، وشربت النـزعة الذكورية السائدة فى العالمين العربى والإسلامى من منابع هذه المنظومة التكفيرية الدينية.
ويؤدى مبدأ السمع والطاعة تلقائيًا إلى التكتم والغموض مع الغياب الكامل للشفافية، فالعضو العادى ليس مسموحًا له بالسؤال، وعليه فحسب أن يتلقى الإجابة ويرددها كالببغاء، وهو يجند الآخرين: "أنت هنا يا ولدى لتسمع وتتعلم ولست فى مقام السؤال".
هكذا رد الشيخ على صبى كان قد انضم حديثًا إلى جماعة الإخوان المسلمين فى سوريا.
ومن يتابع الجدل الدائر لا فى مصر وحدها وإنما أيضًا فى بلدان أخرى حول حجم ثروات "جماعة الإخوان المسلمين" ومصادرها سواء فى مصر أو فى بلدان العالم يستحيل عليه الوصول إلى شىء، وهو واقع ترسخ عبر سبعة وثمانين عامًا هى عمر الجماعة منذ تأسيسها عام 1928، وقد أسبغت على وجودها غموضًا وسياجًا من الحذر حتى أن بعض الباحثين كشفوا عن وجود نصوص سرية غير متداولة إلا بين القادة.
أما تبرير الاغتيال وتصفية المختلفين فيما لو خرجوا على الإجماع فهو بدوره مبدأ تأسيسى عملت به كل الجماعات التكفيرية التى لم تتورع عن قتل الأطفال والنساء بدم بارد، وكأنهم يقومون بتنفيذ مشيئة الله، ولذا لا يكون للندم مكان فى نفوسهم، لأن الضحية طبقًا لآلية تفكيرهم تستحق مصيرها، ولأنها لم تدخل إلى عالم الهداية الذى فوضهم الله سبحانه لإقامته على الأرض. 
وينقسم العالم على هذه الأرض إلى فسطاطين.. خير وشر، الخير يمثلونه هم، والشر هو كل من لم يذعنوا لهم، وهى الثنائية الأبدية التى يسترشدون بها، إذ الخطان المستقيمان لا يلتقيان أبدًا سواء فى نظريات الهندسة أو فى واقع الحياة.
وهذه فقط بعض الآليات الرئيسية فى المنظومة المعرفية للتكفيريين الذين ينطلقون من قراءتهم الخاصة للنصوص الدينية، وقد خرجت كل منظماتهم من عباءة جماعة الإخوان المسلمين، وأفكار كل من "حسن البنا" و"سيد قطب" و"أبى الأعلى المودودى" بعد استبعاد وتهميش كل التوجهات العقلانية التنويرية فى الثقافة العربية الإسلامية من "ابن رشد" إلى "محمد عبده" وغيرهما.
فإذا ما حللنا الخطابات السياسية الرئيسية فى المنطقة العربية وفى العالم الإسلامى سوف نجد أنها فى الغالب الأعم تستخدم نفس هذه الآليات، ولو بلغة مغايرة بل إنها كثيرًا ما تسعى لإكساب خطابها شرعية بنسبته إلى الدين، وإضفاء قداسة على السياسة حتى يكون من السهل بعد ذلك تأليه الديكتاتور، أو الرئيس الملهم أو الزعيم الذى لا يخطئ، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لكل صنوف الاستبداد وطرائقه والتى طالما قادت البلدان إلى كوارث كبرى.
وبوسعنا أن نجد ملامح لهذه الآليات فى خطابات غالبية القوى السياسية ولا نكاد نستثنى إحداها، فقد فشلت هذه القوى -غالبًا- فى إحداث قطيعة مع السجل الطويل لخلط السياسية بالدين، وحين انطلق حزب البعث رافعًا راية القومية العربية فى أربعينيات القرن الماضى اختار لنفسه منطلقًا دينيًّا.
ومع ذلك فلم تكن هذه الانطلاقة للأحزاب القومية العربية هى السبب الرئيسى فيما لحق بها من انتكاسات كبرى بل كانت المسئولية تقع على البنية الداخلية لهذه الأحزاب القائمة على تأليه الفرد، والقطيعة مع الفكرة الديمقراطية للحوار ومع المحاسبة، وتداول السلطة، وهو ما أفضى إلى الإسهام فى تأبيد نظم الاستبداد.
وحين وصلت هذه الأحزاب إلى السلطة استخدمت آليات تهميش الآخرين والتعالى على الأفكار المخالفة وصولاً إلى التصفية الجسدية للمعارضين فى بعض الأحيان، وتفننت هذه الأحزاب فى إقامة نماذج مبتكرة للدولة الأمنية الشرسة التى مارست كل أشكال القمع ضد مواطنيها.
ولم تكن الأحزاب اليسارية والشيوعية بأفضل حالاً رغم أنها لم تصل إلى السلطة باستثناء التجربة القصيرة العمر لحكم الحزب الاشتراكى فى جنوب اليمن التى استمرت لربع قرن وانتهت بصورة مأساوية.
طبقت هذه الأحزاب مبدأ المركزية الديمقراطية حرفيًّا ولأسباب كثيرة أسرفت فى ممارسة المركزية وتهميش الديمقراطية، وباتت هذه الآلية بدورها أقرب إلى مبدأ السمع والطاعة الشائع فى أوساط أحزاب اليمين الدينى، وأنتجت خطابًا إقصائيًّا مغتربًا فى كثير من الأحيان، وأخذت هذه الأحزاب شأنها شأن الأحزاب القومية وأحزاب اليمين الدينى تعانى من التصدعات والانقسامات، مضافًا إليها عزلتها فى غالب الأحيان عن الجماهير الواسعة التى وصلت إليها أحزاب اليمين الدينى بسهولة بالغة، واستدعت الأحزاب اليسارية والشيوعية كل أسلحتها الدفاعية فى مواجهة عملية التكفير الواسعة والإخراج من المله التى مورست ضدها لاستدراجها من ميدان الصراع الطبقى إلى ميدان الصراع الدينى وقضايا الهوية. وتنازلت عن طرح قضية العلمانية بمفهومها الشامل بعد أن نجح اليمين الدينى فى المطابقة بين العلمانية وبين الإلحاد، مما أدى إلى النفور منها، وانسحاب قضاياها الرئيسية إلى قاعات الدرس والنقاشات النخبوية.
ولم ينجُ الخطاب الثقافى بدوره من التأثر العميق بآليات الخطاب الدينى التكفيرى، وانخرط فى إنتاج الثنائيات التى لا تلتقى أبدًا، الأصالة والمعاصرة، والأنا والآخر، الشرق والغرب، الثقافة والحضارة، متأرجحًا بين الإعلاء الشوفينى من الذات القومية، وبين الشعور بالدونية إزاء تقدم الغرب وتأخر المسلمين، وهو السؤال الذى بقى حاضرًا منذ أطلقه الأمير شكيب أرسلان فى بداية القرن العشرين.
وخلاصة الأمر أن كلاً من الخطاب السياسى والخطاب الثقافى انحشر فى الغالب الأعم فى الزاوية التى وضعهما فيها الخطاب الدينى التكفيرى، لأنهما فى واقع الأمر لم يقطعا معه ولم يتعاملا مع الحداثة كمنظومة متكاملة، وهذا هو السبب الجوهرى الذى أدى إلى هزال نفوذها فى أوساط الجماهير الواسعة التى تتلقى تعليمًا رديئًا، ويتسلط عليها إعلام أكثر رداءة، بينما تمارس المؤسسات الدينية سلطتها الروحية بالطرق التقليدية التى ورثتها عبر القرون لتجعل منها قوة محافظة تؤبد الأمر الواقع، وتقمع الصراع من أجل التقدم فى داخلها.
ولكل هذه الأسباب لن يكون العمل من أجل تجديد الفكر الدينى وخطابه مجديًا دون تفكيك المنظومة بأكملها بجوانبها السياسية والثقافية فى مناخ من الحرية الفكرية والسياسية تتفتح فيه كل الزهور، وهو مناخ لن يتحقق بقرار من جهة ما، وإنما سينتج عبر عملية صراعية ونضالية طويلة المدى تبدأ بنقد ذاتى نزيه يمارسه ممثلون مسموعو الكلمة للتيارات السياسية والثقافية الرئيسية فى البلاد ليكون بعد ذلك نهجًا معتمدًا داخل مؤسساتهم تسرى عدواه إلى المجتمع كله عبر آليات الديموقراطية والتعدد، بدء بقطع الحبل السرى الذى يربط بين المنظومة الفكرية السائدة فى ملامحها الأساسية مع الخطاب الدينى التكفيرى الذى لا يندر أن يلبس أحيانًا مسوح الاعتدال، ويخدع الكثيرين باعتداله المزعوم.
وتشتد الحاجة لفض الاشتباك الظالم الذى نجح المتطرفون الدينيون فى إنتاجه بين العلمانية والإلحاد، وهو ما يقتضى تسليط الأضواء القوية على الإنتاج الفكرى الثرى فى هذا السياق لعدد من المفكرين العرب والمسلمين توفرت لهم الحرية الفكرية فى جامعات أوروبية وأمريكية وفى بعض جامعاتنا، فأنتجوا أعمالاً مهمة جرى تهميشها ضمن عمليات التهميش الواسعة التى تعرضت لها التوجهات العقلانية التنويرية فى الثقافة العربية الإسلامية عبر العصور، وتحتاج كل من مؤسسات التعليم والإعلام إلى إعادة بناء خروجًا من التلقين والغوغائية والإثارة إلى تكوين العقل النقدى وفتح أبواب السؤال دون إملاء الإجابات المسبقة، وإبراز الحقائق دون تلوين أو تزوير، وهنا تتجلى الأهمية القصوى لأدوار الدولة الاجتماعية والثقافية شرط أن تحشد المجتمعات طاقاتها للرد على سؤال أى دولة نريد؟
وهو سؤال جوهرى سيكون رده حاسمًا إزاء مشاريع دولة طالبان ودولة داعش وغيرها من النماذج التى أخذت تشق طريقها فى عالمنا طارحة قيمًا ومثلاً يواجهها الأمن والدفاع دون منظومة فكرية ثقافية سياسية متماسكة ومختلفة، تتأسس على القيم والمثل العليا الإنسانية فى كل الديانات والثقافات، وعلى مبدأ العدالة الاجتماعية الذى لم تكن مصادفة أن يكون مبدأً تأسيسيًّا فى أهداف ثورة 25 يناير 2011 فى مصر "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية"، كما أنها لم تكن مصادفة أيضًا أن يكون الشعار الأساسى للموجة الثانية من الثورة فى 30 يونيه 2013 هو "يسقط حكم المرشد" تعبيرًا عن وعى جماعى يقظ وبالغ الحساسية إزاء المخاطر التى تشكلها الدولة الدينية والتى تتجاوز السياسية إلى الوجود الوطنى ذاته الذى بات مهددًا تهديدًا جديًّا.
هذه معالم جدول أعمال أولى على القوى السياسية والثقافية الديمقراطية أن تنظر فيه بعيون فاحصة، وتبحث كيف يمكن أن يوضع موضع التنفيذ حتى تكون هذه القوى وفية حقًّا لهذه الملايين التى خرجت فى موجات هادرة فى الثورة تطالب بالتغيير إلى الأفضل وتبلور أهدافها ببساطة وعمق نادرين وجديرين بشعب يتطلع للإسهام فى مواصلة صنع الحضارة على أراضيها وفى العالم أجمع كما سبق أن فعلت عبر التاريخ.
فى هذه الحالة سوف يجد التكفيريون أنفسهم أمام التحدى الوجودى الفعلى فينظرون فى أمر الاندماج فى العالم الحديث بشروطه، لأن المشروع الذى ينافسهم يشق طريقه بجدارة إلى المستقبل.
وفى هذا السياق فإن المثقفين النقديين مطالبون بأن يلعبوا أدوارًا إيجابية وخلاقة لانتزاع الحرية، فهم يمثلون تقاليد الشعوب ولطالما استمع الكثيرون منهم إلى الدبيب الخفى لحركة التغيير فى أوساط شعوبهم وإلى نبضها الغاضب حين التقطوا كل ما هو إيجابى من هذه التقاليد على نحو صحيح، ووضعوا فى الاعتبار أيضًا أن كل تطور اجتماعى ـ ثقافى يقوم على الصراع.
وأخيرًا دعونا ونحن نتحدث عن فعالية المثقفين النقديين من أجل الحرية، نتذكر هذه الحقيقة العلمية التى تقول: "إن لترًا واحدًا من الماء يمكن مع تماس كهربائى أن يعطى ألف لتر من البخار".

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "تجديد الخطاب الديني"
 

  » صراع من أجل الحريات
  » قراءة ثقافية للخطاب الإسلامى المعاصر

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 2 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية