الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
قراءة ثقافية للخطاب الإسلامى المعاصر
 


السيد نجم


شئنا أو أبينا يعتبر الخطاب الدينى من أهم المحاور التى يتعامل بها ومعها جموع أفراد الجماعات الاجتماعية المختلفة، منذ الزمن القديم، وبطول الكرة الأرضية وعرضها.. وإن لم يكن مصطلح (الخطاب) معروفًا كما فى السنوات الأخيرة.
ومع تلك الأحداث المتلاحقة والمزلزلة التى تمر بها بعض البلدان العربية، والتى تتمثل فى تغييرات فى الهيكل المجتمعى بها، بداية بسقوط القيادات القديمة، وظهور تيارات وقوى سياسية جديدة، وفى أغلبها تحمل ما يعرف بالإسلام السياسى.. وهو ما يلزم معه التعرف على ملامح الخطاب الإسلامى المعاصر.
لقد انتقل المصطلح (الخطاب) من كونه يحمل دلالة فلسفية على يد "فوكو"، حيث كان يعنى مجالاً أو ميدانًا متكاملاً يتضمن موضوعًا فكريًّا أو علميًا أو تدبيرًا عقليًا ما.. تم توظيفه للمرة الأولى بمجال غير الفلسفة، بواسطة "لجنة تطوير الخطاب الدينى فى الدول العربية والإسلامية" التى شكلتها وزارة الخارجية الأمريكية عام 2003م، متابعة منها لعدد من الإجراءات التى سعت الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذها، ردًا على حادثة البرجين فى نيويورك عام 2001م. (جريدة الأسبوع – القاهرة - 20 يناير 2003م)
وتسعى القراءة الثقافية لهذا الخطاب، لا أن ترى الأشياء بعينها المجردة، وإنما فى سياق استحضار المغيب والمسكوت عنه، بالنظر إلى الأحداث اليومية والعامة والتاريخية والثقافية وغيرها، والتى من شأنها أن تتفاعل مع هذا المعطى المؤثر فى وجدان وعقل الجميع، قديمًا وحديثًا. وقد استخدمه "نابليون بونابرت" عند غزوه لمصر، ومنذ أن وطأ جيشه أرض البلاد، فى محاولة منه لاكتساب رضاء المصريين (كان يحمل المصحف حين مقابلة الشيوخ والأعيان)! (تاريخ الجبرتى - الجزء 3 - دار الشعب 1958)

ما الخطاب الدينى؟
"الخطاب" لغويًا هو: "مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام، مخاطبة وخطابًا.. والمخاطبة مفاعلة من الخطاب". (لسان العرب- مادة "خطب"- ابن منظور)
.. "الخطاب اصطلاحًا" هو: كل نطق أو كتابة تحمل وجهة نظر محددة من المتكلم أو الكاتب، وتفترض فيه التأثير على السامع أو القارئ مع الأخذ بعين الاعتبار مجمل الظروف والممارسات التى تم فيها. (أحمد الطيار- حولية كلية أصول الدين- عدد 22 - مجلد3 ص12)
والخطاب الدينى بكل ما تحمله دعامات الخطاب، هو يخاطب الوجدان والموروثات اليقينية، مع الاستعداد لقبوله قبل أن ينطق به الخطيب (عند الغالبية العظمى)، لذا يعد الخطاب الدينى سلطة فى ذاته، ويملك القدرة على التأثير غير المحدود مقارنة بأى خطاب آخر.

الخطاب الإسلامى المعاصر
أولاً: فى الشق الشفهى منه (خطباء المساجد- بعض القنوات الفضائية والإعلام).. يتسم الخطاب الدينى الشفهى المعاصر بعدد من الملامح، تبدو فى بعضها إشكاليات موضوعية، وذلك فى عناصره اللغوية والسردية والفكرية:
إن لغة الخطاب الدينى الشفهى (من الصوت حتى المعجم اللغوى والتركيب الأسلوبى) لا يخاطب عقل المتلقى، ولا يتيح فرصة للتأمل والتفكير.. ذلك لاعتماد الخطيب (غالبًا) على الصوت المرتفع المنفعل إلى حد استفزازى أحيانًا، دون داعٍ أو مبرر.. اللهم أن تكون محاولة من الخطيب لإرسال رسالة مفادها أنه ينقل معلومة جل خطيرة تستحق الانتباه والحذر بل والخوف إلى حد الارتعاب، بينما أسلوبه الإنشائى التقليدى يتخير تلك المفردات والتراكيب التى لا تخلو من الترهيب والإقرار بما يقوله.. يتحدث فى اتجاه وحيد بلا رجعة ولا توقف. بينما توظيف النصوص القرآنية والأحاديث النبوية يتم تلاوتها بدلالتها الظاهرية، فلا يسعى لبيان المقاصد والأهداف الحقيقية وراء تلك النصوص، التى قد تجعل المستمع أكثر حرصًا على الالتزام بها، فى حالة فهمه لها ولمقاصدها الشرعية.
كما تتسم لغة هذا الخطاب بقدرٍ غير قليل من توظيف سردى من التراث، ويقدم الخطيب تلك (الحكايات) بكل عناصرها السردية من شخصيات وأحداث، فى إطار زمانى ومكانى، ثم عقدة وحل لتلك العقدة.. وهكذا. ويختزل الدعاة الأفكار والركائز الإسلامية فى عدد من الأساطير والخرافات والأفكار البالية، والتى دست على هذا الدين منذ قرون مضت، خاصة فى فترات الاضمحلال.
وتبدو مساوئ تلك السرديات فى كون الخطيب يقدمها كما نصوص المعتقد، فلا تقبل المناقشة أو الفحص والتمحيص، وفى بعضها ما قد يسىء إلى ثوابت العقيدة!
أما مجمل مضمون الخطاب الدينى فهو يخاطب (الفرد) فى ذاته وكأنه جزيرة منعزلة عن عالم وعوالم متشابكة ومتصلة معًا.. وبالتالى يتضح التركيز على مفردات العقيدة دون ربط عناصر العقيدة ودورها فى ربط الفرد بالجماعة والمجتمع.. لذا يبدو تناول معطيات الشريعة (التى هى جوهر ضوابط المعاملات بين الفرد والمجتمع) أقل فى تناولات الخطاب الإسلامى المعاصر.
مع الإقرار بضرورة الإلمام والتعرف بل والتمسك بأركان العقيدة، تلك الأسس العقائدية التى لا تتحقق وتتبدى إلا من خلال معاملات صحيحة وصحية وخالية من الشوائب بين الفرد والجماعة، وبالتالى يتشكل المجتمع كله على قاعدة متشابكة من القيم المتضافرة معًا، والتى لا تتحقق إلا بالإخلاص والتعاون فيما بينها. وقد يصل الأمر فى إغفال توجيه الخطاب الدينى لهذا الدور الإنسانى المجتمعى، سواء بإغفال الآخر وأهمية المشاركة المجتمعية، تصل إلى حد تأجيج الخلافات والصدامات بين أفراد الدين الواحد أو مع أصحاب الأديان الأخرى.
فيما يلاحظ المتابع خلو المضمون من ملاحقة ومناقشة ما يجد على حياة المسلمين من ظواهر اقتصادية أو تكنولوجية أو فكرية بالتالى.. وتبدو جلية مخاوف البعض من مناقشة قضايا ومسائل التجديد فى الدين والفكر، بينما سنة الحياة فى التجديد والتغيير.
ثانيًا: فى الشق الكتابى والمقروء من الخطاب الإسلامى المعاصر يعد تقييم دور المثقف فى قيادة المجتمع من أجل التغيير والتطور، ورجل الدين أحد هؤلاء المثقفين فى أهم جوانب الثقافة المجتمعية، يعد دور هذا المثقف من مؤشرات التنمية الثقافية فى أى مجتمع من المجتمعات. وعادة رجل الدين القادر على صياغة أفكاره فى كتاب موثق ومنضبط، يعد من خيرة رجال الدعوة، وبالتالى يعتبر ما سجله من مسائل وقضايا من أخطر ما يمكن أن توجه الخطاب الإسلامى المعاصر.
لعل كم المطبوعات الآن من تلك الكتب هو ما دفع البعض للقول بأن "الخطاب الدينى دومًا بين السندان والمطرقة.. سندان المريدين ومطرقة المعارضين". فلا يمكن إغفال كم المطبوعات التى تغيب التفكير والعقول، تلك التى لا تتناول إلا عذابات القبر، وملامح العذاب بعد الموت، وغيرها.. فضلاً عن أن هذا الخطاب يكاد أن يكون أسيرًا فى إطار الحدود وقصر دوره عند مجرد الخوف من النار، مما يثمر تخلفًا وجمودًا فكريًا، بسبب تلك التناولات التى تبث اليأس والاستكانة والضعف، ولا تحث على العمل والأمل والتعاون.. ومجمل القيم الإيجابية بين الفرد والمجتمع.
ومن الملاحظ أن كمًّا غير قليل من تلك المطبوعات تقف فى مواجهة الحداثة، إلى حد اعتبارها غير متوافقة مع الثوابت. فهناك خطاب دينى يرفض مجرد فكرة الديمقراطية تحت دعوى أن الديمقراطية فكرة عن غير المسلمين، كما أنها تتعارض مع معايير وضعها فقهاء المسلمين الذين يرون أن مخالفة الكفار قاعدة شرعية، وبالتالى يرون فى الانتخابات بدعه يتعين محاربتها. 
لكن يجب أن ننتبه إلى أن تلك الكتب هى أطروحة لفكرة ما وتحمل رأيًا، ولا تصنع موقفًا ما، حيث صناعة موقف ومشروع ثقافى دينى لا يتأتى إلا بتنبى الكاتب لها وحمل أفكاره ومقولاته وتحويلها إلى سلوك، ويتحدث بها ويناقشها بالتفاعل ما بينه وبين جموع الناس. وترجع خطورة تلك الكتب التى ترتكن على تجهيل العقل، والتركيز على الغيبيات السلبية إلى الميل الفطرى للكثيرين ممن يجدون فيها عزاءً فيما يقابلونه من مشاكل الحياة اليومية، دون رغبة أو قدرة على مواجهة تلك المشاكل. وكثيرًا ما قد تتوافق أفكار تلك المطبوعات، مع الكثير مما أشرنا إليه فى الشق الشفهى!
ولا يجدر تجاهل دور شخصية ومنهج الداعية فى دعواه للعامة والخاصة، حيث يعتبر الداعية هو حلقة الوصل بين مفردات الخطاب المجردة والمتلقى الذى هو هدف الخطاب. فهناك ممن يضيق بالحوار مع المتلقى، والجنوح إلى التشدد، مما قد يثير نفور البعض خصوصًا الشباب، الذى قد لا يجد مخرجًا من مأزق يعيشه، مما له نتائج وخيمة على الفرد والمجتمع. وهناك من الدعاة الذين يبتعدون عن الموضوعية ويبالغون فى إبداء النصح منشغلين عن المقاصد والأهداف النبيلة للخطاب الدينى، وأيضًا الواقع المعاش.. فضلاً عن أن البعض منهم لا يتوخى الدقه فى استخدام الألفاظ ومدلولاتها، مع الحرص على الاستخدام المنمق من الألفاظ الرنانة فارغة المضمون. فضلاً عن وقوفهم (الدعاة) عند التقليد فيما بينهم والتكرار دون تجديد.
إجمالاً فإن تلك المعطيات للخطاب الإسلامى المعاصر، لن تثمر إلا فى تشكيل الفرد السلبى التواكلى غير المتعاون وغير المنتمى.. فيما تروج مظاهر الشقاق والصراعات والتيارات المختلفة سياسية أو فكرية أو طائفية أو ثقافية، تعبر عن نفسها بالعنف والتطرف والتعصب والتشدد ورفض الآخر، وعدم القبول بالتعددية الدينية أو العرقية أو الثقافية.
وفى الاتجاه المقابل، يعتبر عدم إعداد رجال الدعوة وإحاطتهم بقضايا الفكر والسياسة والاقتصاد والقضايا الاجتماعية والثقافية بالتالى، ثم الآن بعدم تسليحهم بأساليب التكنولوجيا الحديثة وتعظيم دورها المهم فى توصيل الرسالة والدعوة الصحيحة.. كلها أمور وإشكالات تجعل الخطاب الإسلامى، بعيدًا عن متطلبات وقضايا الواقع المعاصر، الأمر الذى يعمل على تشتيت فكر الأفراد المستقبلين للخطاب ونفورهم منه، وربما إلى العكس ينتج عنه عقلية مسلم تتسم بعدم التفكير أو الإبداع.
والآن ماذا نحن فاعلون؟ واقع الحال يدعو الجميع إلى ضرورة المشاركة من أجل إنجاز خطاب إسلامى يعبر عن الدين الحنيف فى حقيقته السمحة والمتفاعلة بين الفرد وربه، وبين الفرد والآخر فى مجتمعة، بل وبين الأمم المسلمة والأمم الأخرى، لعله يتحقق بالآتى:
أن يرتبط الخطاب بكل مضامينه ووسائل تفعيله بواقع الحياة المعاشة، وبكل ما تحمله من ملامح لم تكن معروفة من قبل.. مثل مشاكل ولنقل تأثيرات العولمة، أهمية الانفتاح على الآخر وضرورة التمسك بالثوابت العقائدية والقيمية والفكرية، وغيرها.
أن يتبنى الخطاب الإسلامى المعاصر الجديد أساليب مختلفة ومتجددة، تتمثل فى فهم وتناول المشكل المعاصرة ومواجهتها بكشفها والتعامل معها، مع الاستعانة بكل معطيات التكنولوجيا المعاصرة. أن يكون ذلك الخطاب شاملاً ومتكاملاً، يعزز الحوار ويعترف بالآخر المختلف فى العقيدة والفكر والثقافة، مع تعزيز المشترك من أجل المزيد من التمسك بالحقوق والثوابت.
لعل الحفاظ على الهوية المصرية العربية الممزوجة بالثقافية الإسلامية، مع استشراف مستقبل يغلفه مفاهيم المساواة والعدل والتعاون والسلم والرخاء، مع خطاب يبعث على التفاؤل والإبداع لدى الأفراد والمجتمع بمجمله.. هو الهدف الأسمى للخطاب الإسلامى المرجو.
أخيرًا: لن تعتبر حادثة تعليق حد السرقة (المنصوص عليها فى القرآن الكريم) فى عام الرمادة أو عام المجاعة العامة.. حادثة تاريخية ومضت. ما أحوجنا إلى دراستها وفحص كل عناصر تشكيلها التاريخية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعقائدية بالأساس.. لعلنا نتمكن من ركن جديد وداعم لخطاب إسلامى معاصر أكثر رحابة واستيعابًا لكل المتغيرات التى تموج فى كل العالم الآن.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "تجديد الخطاب الديني"
 

  » صراع من أجل الحريات
  » قراءة ثقافية للخطاب الإسلامى المعاصر

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 2 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية