الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
فى مديج وهجاء الفعل ذاته قراءة فى كتاب "التحول الديمقراطى"
 


عبد السلام هلال


أورد السيد يسين جملة لخصت كل المعنى من وراء كتابه "ثورة 25 يناير بين التحول الديموقراطى والثورة الشاملة" حين قال: "هناك ارتباط قدرى بين أى ثورة والسياق التاريخى المحدد لها يماثل تماما العلاقة بين النص والسياق"، ولذا جاءت الأبواب الثلاثة التى تشكل منها الكتاب نتاجا طبيعيا لهذه الرؤية الحتمية، إذ كان لا بد من تقديم الرؤية المصرية لكل التحولات العالمية التى تحدث حولها كخطوة أساسية لفهم السياق التاريخى الذى حدثت فيه ثورة 25 يناير، والأبواب الثلاثة تجميع ستين مقالاً تم نشرهم فى أكثر من صحيفة خلال الفترة من عام 2005 حتى نهاية شهر مايو 2011، أى بعد قيام الثورة بحوالى أربعة أشهر تقريبا.
يعد البابان الأول والثانى تمهيدًا للأخير الذى كتبت مقالاته أثناء الـ18 يومًا وبعدها بقليل.
الباب الأول عنوانه "رؤية مصرية لتحولات النظام العالمى" ويضم 28 مقالاً امتدت على مساحة ما يقارب نصف الكتاب. والثانى عنوانه "التحول الديمقراطى بين الإصلاح والثورة" وبه عشر مقالات . لم تأخذ كثيرا من مساحة الكتاب وجهد الكاتب فى صياغتها. بينما جاء الباب الثالث والأخير بعنوان "ما بعد ثورة 25 يناير 2011.. الماضى والحاضر"، وقد أفرد له 22 مقالاً احتلت باقى الكتاب.
وقد قدم الكتاب جيدا لمفهوم الديمقراطية وأنواع الحكم ومراحل التحول الديمقراطى بداية من الشمولية مرورا بالسلطوية وانتهاء بالديمقراطية.
وقد أسهب السيد يسين فى الشرح لكثير من النظريات الفلسفية فى السياسة والاجتماع والاقتصاد ومهد كثيرا لبيان سياسة القطب الواحد الذى ظهر بعد سقوط الاتحاد السوفيتى السابق وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب وحيد يدير للسياسات الدوليه ويوجهها إلى حيث يريد.
وثمة ملاحظات كثيرة على البابين الأول والثانى، فقد عانى الكتاب كثيرا من عيب وميزة أن يكون تجميعا لمقالات تم نشرها بالصحف خلال فترة طويلة نسبيا، خصوصا أنها ليست صحفا أكاديمية متخصصة فى الموضوعات الجادة، وحتى مع جهد الكاتب فى الصياغة الصحفية للمقال ولغته والتى قربها كثيرا للقارئ، نرى أن مكان هذه المقالات كتاب خاص بها يراعى وحدة الموضوع وتسلسله بعيدًا عن التقطيع الصحفى الذى أفقد القارئ وجود خط واحد للوصول للمعنى المراد الوصول إليه نظرا لكثرة التفاصيل والتفريعات وأسماء الكتب والموضوعات التى تناولتها المقالات.
وكنت أتمنى أن تكون المقالات مكتوبة أثناء البحث فى العلاقة بين مفهوم الثورة بعد قيامها وبين التحول الديمقراطى، لذلك فالبحث عن الجذور التاريخية للحدث الثورى ووضعه فى سياقه التاريخى يكون بعد الحدث حتى تكون الرؤية مطابقة لما حدث بالواقع.
واسترعى انتباهى استخدام الكاتب لفظة "هبة شعبية" سواء لما حدث فى تونس أو فى مصر فى مقالاته التى كتبها قبل يوم 11/ 2/ 2011 رغم أنه قال بعدها بسطر (ص300): "ترى ماذا يمكن أن أضيفه لهذه الأفكار بعد اندلاع الثورة الشبابية المصرية؟" مستخدمًا وصف ثورة فى كل المقالات اللاحقة على تنحى مبارك، وهذا يعنى عدم وضوح الرؤية للكثيرين من المراقبين للأحداث حينها، أو تبدلها، حتى ولو كانوا مفكرين ومنظرين سياسيين. ويمكن فى هذا السياق اعتبار هذه المقالات استشرافا لآفاق المستقبل وتنبؤًا وتحذيرًا من اندلاع الثورة، وقد أشار لهذا فى مقال كتبه فى فبراير قبل تنحى مبارك.
من الملاحظات التى لم أهضمها أنه كان هناك فى ثنايا الكلمات إلحاح كبير لبيان ارتباط حدوث الثورة بعوامل من خارج مصر أو من الإطار العالمى الذى تتواجد به مصر، رغم أن تأثرنا بالخارج لم يكن كبيرا، ودائما يدفع النظام بخصوصية الثقافة والوضع الاجتماعى والسياسى فى مصر، ويقاوم بها دعوات الالتزام بحقوق الإنسان وأولى مبادئ التطبيق الديمقراطى.. ولم يلتفت بنفس الدرجة إلى كثير من الأوضاع الداخلية التى فاقمت الإحساس بأهمية وضرورة وحتمية حدوث الثورة لانغلاق أفق أى تغيير داخلى كما أشار إليه الكاتب فى أكثر من موضع . وتأتى هذه الملاحظة رغم ما شاب موقف أمريكا خلال فترة وأحداث الثورة، وكيف بدا متأرجحا غير منحاز لموقف الجماهير فى الشوارع، وبدا وكأنه يحافظ على شعرة معاوية سعيًا وراء مصالحها، وقد كان النظام المصرى حينها خير من يمثل هذه المصالح.
إن كثرة الحديث شبه الأكاديمى عن السياق التاريخى قبل الثورة وتشريح النظام السياسى العربى، قد أفسد متعة المتابعة والتحليل للوضع فى مصر، وثانيا لم يتطرق إلى الأوضاع الداخلية وتعبئة الشعب ذاتيا لقبول حدوث ثورة، وهذا ما حدث حيث تقبل الناس الفكرة وخرجوا فى الشوارع بالملايين، لا يحركهم قائد وإنما دوافعهم الداخلية وكمية الكبت والمعاناة التى انفجرت فى وجه النظام. كما أن البابين الأول والثانى كان يمكن اختصارهما إلى أقل من النصف دون الإخلال بالسياق.
ويبقى هناك سؤال طرأ على ذهنى أثناء وبعد قراءة هذا الكتاب: هل الكاتب السياسى والاجتماعى لا دور له فى مقاومة وفضح الظلم والدفاع عن مصالح العامة وحقوقهم، أم يظل متمترسا حول نظرياته وتحليلاته واستنتاجاته قابعا فى برجه العاجى معزولا عن الالتحام مع الجماهير؟
اللافت والمهم أن الكتاب ضم الكثير من المعلومات والتحليلات والشهادة على العصر، ولذا أسماه الكاتب محاكمة القرن العشرين كحقبة زمنية كان بها كمية كبيرة من الأحداث أعادت تنظيم خريطة العالم السياسية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية مرات عدة بداية من سايكس بيكو بعد الحرب العالمية الأولى، وصولا لسقوط وتفكك الاتحاد السوفيتى ويوجوسلافيا، مرورا بحروب كثيرة أخفت دولا وأظهرت أخرى. وقد زخر الباب الأول والثانى بكثير من الملامح التى شكلت خريطة مصر السياسية والاجتماعية، فكان منها على سبيل المثال- طبقا لرؤية الكاتب-: أن هيمنة الفكر الواحد على السياسة المصرية أظهر أهمية التحول الديمقراطى من النظام السلطوى الذى تنتهجه النخبة الحاكمة فى مصر للنظام الليبرالى نتيجة لضغوط الداخل والخارج.
والمفاجأة أن ثورة 25 يناير حدثت بعد أن الفكر السائد فى العالم يؤكد انتهاء عهد الثورات، وأننا نعيش عصر الإصلاح لكل مناحى الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.
لقد فطن كل من شارك بالثورة- وخصوصا شبابها- أن النظام المصرى لن يجدى معه أى تغييرات جزئية بل لا بد من تغيير طبيعة النظام السياسية حتى يتم التحول الديمقراطى المنشود. وإن التحجج بالخصوصية الثقافية سواء فى مجال الديمقراطية أو فى مجال حقوق الإنسان ليس سوى محاولات من قبل النظم السلطوية للهروب من الممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان.
أما عما يسمى بالاستقرار فيقول الكاتب: أما قصة الاستقرار كحجة للتدرج فى الإصلاح السياسى فقط تجعلنا ننتظر خمسين عاما أخرى حتى يتم الاستقرار ومن ثم يتم الإصلاح السياسى.
وقد قادتنى هذه العبارة لتذكر مقولات كثيرة مازالت متداولة فى مصر عن فشل متوقع للتحول الديمقراطى، وهى تتشكك فى إمكانية حدوث ذلك رغم أن التحول ليس بصناديق انتخابات فقط كما يتصور البعض، وإنما هى عملية نهضوية متكاملة تحتاج البدء فيها بأسرع وقت ممكن حتى تنضج التجربة وتؤتى ثمارها فى غضون عشر سنوات على الأقل، لتخرج مصر من الكبوة التى دخلتها منذ نهاية ثمانينيات القرن العشرين والتى ما تزال قابعة فى قاعها.
وفى هذا يرى الكاتب أن التحول الديمقراطى ليس مجرد الانتقال من نظام سياسى لآخر، وإنما يتطلب الأمر تغييرات عميقة فى التوجهات وأنماط السلوك والبشر، وفى طريقة إدارة المؤسسات المختلفه لوظائفها، ولذا فهى تقتضى إعادة صياغة القيم السائدة وتغيير أنماط السلوك.
إن الناخب المصرى عادة ما يكون محصورا فى دائرة ضيقة حددها له النظام الحاكم وبالتالى تكون اختياراته السياسية محدودة بالإقصاء المبدئى الذى مارسه النظام، لذلك فنحن أمام معضلة حقيقية تتعلق بسلوك النخبة السياسية الحاكمة وسلوك الجماهير.
وعن حال المصريين قبل الثورة يرصد: معاناة من الاغتراب الواسع المدى- إحساس بعدم المواطنة وإنما يعاملهم النظام كرعايا، مما أوصل مصر لمحطة أنه لا بديل أمامها عن إطلاق الحريات السياسية وتفعيل العدالة الاجتماعية. كما أن التعديلات الدستورية مهما كانت جسارتها تحتاج إلى إعادة اختراع السياسة فى المقام الأول حتى تبرز فاعليتها الحقيقية وتؤتى مردودها الديمقراطى. كما كان لا بد أن تتخذ النخبة السياسية الحاكمة قرارا بضرورة تغيير الواقع والتخلى عن الشعارات التى ذهبت دائما لمقولة أنه ليس فى الإمكان أفضل مما كان، ولا بد من إعادة الحيوية للمجتمع السياسى مرة أخرى، بإشراك أكبر عدد من المؤسسات والأفراد فى العملية السياسية بالمشاركة فى الفكر والحوار وتداول السلطة.
وتتطلب العدالة الاجتماعية دراسة نقدية لخريطة توزيع الدخل القومى، والحد من إهدار المال العام، وترشيد عملية اتخاذ القرارات التنموية، والمواجهة الحاسمة للفساد، وسن التشريعات الكفيلة بردع الفاسدين، وإعادة النظر فى سياسات الأجور على الصعيد القومى، وتدعيم برامج الرعاية الاجتماعية وذلك لأنه من المعروف ألا ديمقراطية حقيقية بدون عدالة اجتماعية.
ولعله من المهم ذكر ملاحظة مهمة جدا تتعلق بالمادة 76 من الدستور المصرى الذى كان معمولا به قبل 25 يناير 2011 والتى تعدلت فى العام 2005 قبل انتخابات الرئاسة المصرية وفى هذا الصدد يقول المؤلف: "وليس لدينا شك فى أنه مع إقرار مبدأ التنافسية فى الانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية وبغض النظر عمن سينافسون مع الرئيس مبارك فإنه هو الذى سيكتسح الانتخابات لأسباب متعددة، لعل أهمها هو مصداقيته السياسية المتميزة فهو أحد أبناء ثورة 23 يوليو 1952 التى هى أساس شرعية النظام الحالى، وهو من أبرز قادة القوات المسلحة ومن أبطال حرب أكتوبر الذين صنعوا النصر، وهو أخيرا الزعيم السياسى صاحب الخبرة الدولية الواسعة التى استفاد منها فى تحقيق الاستقرار لمصر ودفع مشاريعها التنموية"، ويستطرد فى نفس الفقرة من المقال المنشور فى عام 2005، ومن الصعب فى الواقع فى نظام سلطوى قمعى الطابع أن تجد شخصيات سياسية قوية يمكن أن تكون أندادا له. هذا طبعا بعدما وصف التعديلات الدستورية للمادة 76 و77 بأنها خطوة جسورة رغم أنها كانت من أبرز أسباب اندلاع الثورة. ورغم كل ما قيل أعلاه نجده يعدد أسباب قيام الثورة فيردها إلى وجود المادة 76 و77 من الدستور كعقبة أساسية فى بناء دولة مؤسسات تستطيع النهوض بالديمقراطية الحقيقية.
إن كل ما ورد فى هذا الكتاب، وما قرأته فى مصادر أخرى قد أوحى لى بسؤال: لماذا فشلت ثورة 25 يناير فى تحقيق مطالبها؟ ولعلنا نجد من يفك طلاسم كل ما حدث خلال السنوات الخمس الماضية، لأنها تجرية إنسانية ثرية، وللأسف قد لا تتكرر فى القريب. كما أن هناك- كما يقول الكاتب- سؤالا مهما لم يستطع أحد القطع باجابة عليه وهو: من الذى يمثل الجماهير؟ هل هم طليعة الشباب التى قامت بالثورة؟ أم القوى السياسية التقليدية التى انضمت لها وأصبحت من مكوناتها؟ وهو سؤال مازال معلقا ولم تتم الإجابة عنه، فلم نر خلال هذه السنوات إلا مزايدات من الجميع على الجميع، وضاعت قضية الثورة الأساسية التى تمثلت فى إتاحة التمثيل الحقيقى للجماهير المصرية للمشاركة فى صنع مستقبلها.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن ثورة يناير أتاحت للوطن أعظم فرصة غير مكلفة للتغيير وإننا قد أضعناها بسذاجة غريبة، أو بسوء نية.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "كتاب الشهر"
 

  » الثورة وحدها تنقل الشعوب من الديكتاتورية إلى الديمقراطية
  » فى مديج وهجاء الفعل ذاته قراءة فى كتاب "التحول الديمقراطى"

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 2 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية