الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
العياط
 


محمد ممدوح عبد السلام 


"العياط".. اسم مدينة يثير الغرابة لأول وهلة. قد يثير السخرية أو يدفعك للبحث عن أصل التسمية. كثيرون سألونى عن أصل التسمية بنبرة تهكمية أكثر منها بدافع المعرفة. لم أجد الإجابة لأننى فى الحقيقة لم أكن أعرف، وأغلب المحيطين بى أيضًا لا يعرفون حتى هذه اللحظة التى أكتب فيها. اعتقدت فى الصغر أن المدينة سميت بذلك لأن أهلها الوحيدون الذين يبكون على ظهر الكرة الأرضية. كان هذا الاعتقاد هو الإجابة الشافية- من وجهة نظرى- لأقربائى الذين يأتون لزيارتنا من القاهرة، فيستلقون -بالمعنى الحرفى للكلمة- على أقفيتهم من إجابتى مندمجين فى بكاء مصطنع ليثبتوا لى أن ثمّة "عيّاط" أخرى فى مكانٍ ما من العالم فأهرب إلى حجرتى باكيًا. بمرور السنوات وبالبحث اكتشفت أن أصل التسمية يرجع إلى سببين.. الأوّل: أن أهل المدينة كانوا الأكثر بكاء من كثرة الضحك.. الثانى (وهو الأرجح): أن أحد الأثرياء الذين يعيشون فى القاهرة فقد زوجته وأولاده فخرج يبحث عن مكان هادئ ينشد فيه الراحة والأمان النفسى من هول الصدمة فاستقر به المقام هنا، ومن كثرة بكائه على زوجته وأولاده سميت المدينة بـ"العياط". تلك الرواية أصابتنى بالدهشة: لماذا انتظر المقيمون فى هذا المكان البدائى وقتها رجلاً من القاهرة يبكى لهم فيشتقون اسم مدينتهم- فيما بعد- من فعل إنسانى يمارسونه كل يوم تقريبًا؟! ربما اكتسبت التسمية قوتها ليس من الفعل ذاته وإنما من خلفية الرجل الاجتماعية بالأساس، إنها مدينة ولدت من دموع رجل مجهول حزنًا على فقد عائلته. تجوّلت منهكًا فى شوارع المدينة تشوّش على عقلى نداءات الباعة وضجيج السيارات الذى لا ينتهى؛ بحثًا عن أثر لهذا الرجل، حجرة أو بيت أو حتى قبر فلم أجد شيئًا يدل عليه، فربما منح المدينة اسمها وتركها إلى مكان آخر ليدفن فيه. أحب رؤية مدينتى على خريطة جوجل: خيط أصفر رفيع كثعبان، لو تحرّك فى أية لحظة ليلقى نظرة ما على العالم لألقى بكل هذه الأشياء جانبًا: طرق غير ممهدة، مدارس، مطاعم صغيرة، كشك جرائد وحيد، محطة قطارات، محكمة، قسم شرطة، أكوام قمامة، مستشفى بائس. ستزحف كل هذه الأشياء إلى النيل شرقًا لتستقر فى قاعه، أو تعبره إلى الجهة الأخرى لتزيح المدينة المقابلة وتأخذ مكانها. تخلّص الثعبان من عبئه لنرى المدينة على صورتها الحقيقية: أراض زراعية شاسعة، نخيل، مستنقعات، أكواخ قليلة متناثرة يستريح فيها الفلاحون بين فترات العمل الشاقة. وعلى مسافة بعيدة من الشرق كانوا يستطيعون رؤية المراكب الصغيرة، ولم يدر بخيالهم أن كل هذه المسافة ستملؤها يومًا ما البيوت، الطرقات، المصالح الحكومية، حركة الناس، ضجيج الباعة والسيارات. القطار الذى اخترق الأرض، كان هو الشىء الوحيد الذى ينتمى إلى المدنية. كتلة حديدية لا تعيرهم اهتمامًا، تمرق كالسهم فتترك خلفها ضجيجًا سرعان ما يبتلعه الأفق.
فى اعتقادى أن البشر لا ينتبهون إلى الحدود المحيطة بهم إلاّ عندما تصبح مجتمعاتهم أكثر تعقيدًا، وكذلك مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية: فلم يكن من الضرورى أن ينتبهوا فى تلك الفترة إلى أن مدينتهم- فيما بعد- تقع جنوب محافظة الجيزة- لم تكن محافظة أيضًا آنذاك- كآخر مدينة من هذه الجهة، يحدها النيل من الشرق، ومحافظة الفيوم من الغرب، مدينة البدرشين شمالاً، وفى الجنوب مدينة الواسطى التابعة لمحافظة بنى سويف. المدينة تتبعها 39 قرية. وقبل ثورة يوليو 1952م كانت المدينة حتى قرية "كفر عمار"- تبعد مسافة 15 كيلو متر تقريبًا جنوب المدينة- ملكًا لإقطاعى اسمه بطرس غالى، لا تزال عزبته الصغيرة جدًّا باسمه: الاسم فقط، بحيث انحصرت المساحات الشاسعة- منذ ما يزيد على ستين عامًا تقريبًا- فى فيللاّ صغيرة بلا سور يجلس فى حديقتها الجرداء اثنان من العاملين فيها لحراستها، فكرّت مرة أثناء مرورى عليهم أنهم يحرسون الظلام وصمته الموحش بالداخل، فلم أرَ على مدار عمرى شخصًا يقف فى شرفة الفيلا أو فى فراندتها.
ما تبقى من أراضٍ فى المدينة حتى امتداداتها الشاسعة فى القرى الأخرى- شمالاً- كان مقسّمًا بين مجموعة من كبار الملاّك أيضًا.
محطة القطارات كانت عبارة عن حجرات متجاورة تطل على القضبان الحديدية مباشرة، لم يتبقَ منها غير حجرتين كبيرتين من طوب أحمر حال لونه وأحجار بيضاء كبيرة. لا أعرف فى أى شىء يتم استخدامهما الآن غير عدة أشخاص أراهم جالسين أمامهما ينتظرون شيئًا لا يأتِ أبدًا، والأبواب خلفهم مفتوحة على ظلام خفيف من ضوء النهار. كانت المحطة بلا أرصفة ولا أسوار، بلا كوبرى للمشاة يعبرونه إلى الجهة الأخرى. قضبان مفتوحة على الموت الذى لم يبالِ به أحد. لم يدلنى أحد على تاريخ بناء تلك الحجرات. المحطة بشكلها الحالى تم إنشاؤها فى أوائل الستينات تقريبًا. لا يعرف هذه الحقيقة غير العجائز الذين يقتربون من الثمانين. الخمسينيون يقولون إنهم فتحوا أعينهم فوجدوها هكذا ولا يتذكرون- فى الأعم الأغلب- تاريخ البناء.
أقدم بناء يقع غرب المدينة: مسجد الشيخ شعبان غنيم. أنشئ فى العام 1920م بعد ثورة 1919م المجيدة، تم تجديده فى العام 1993م! أى بعد 74عامًا من بنائه، لا يصلح للصلاة وقتها لأنه كان معرضًا للانهيار فى أى وقت، خاصة بعد زلزال العام 1992م المدمّر.
البناء القديم الوحيد- بالقرب من المسجد- الذى رأيته مغلقًا قبل هدمه كان مبنى المحكمة: من دور واحد، ساحة فسيحة تنتهى ببوابة حديدية سوداء ضخمة، المبنى أصفر اللون، تحفة فنية تشبه عمارات وسط البلد، وقيل إنه بنى مع المسجد. كنت أمر على المبنى فى أوائل التسعينيات فى الطريق إلى معهدى الأزهرى طالبًا فى المرحلة الابتدائية. تراكمت تلال القمامة خلف البوّابة الحديدية، تناثرت أمامها أوراق صفراء قرأت فى إحداها أملاك الملك فاروق فى القرى التابعة للمدينة، لا أتذكر تاريخ تلك الوثيقة ولا أسماء القرى. ندمت بعد ذلك لأننى لم أحتفظ بتلك الورقة. انتقل نشاط المحكمة إلى المساكن مؤقتًا للانتهاء من هدم المبنى القديم. المبنى الجديد ضخم، بارد، بلا أى لمسة جمالية، ممرات ضيقة تفتح عليها حجرات بلا حصر تتراكم فيها الملفات التى أكلها التراب.
فى أوائل الخمسينات كان فى المدينة 3 سيارات كاديلاك للمشاوير الخاصة، كأن تنقل متأخرًا جاء من القاهرة إلى قريته مقابل ربع جنيه، على كلٍ كان الذين يذهبون إلى القاهرة قلة فى ذلك الوقت، والذين يملكون الربع جنيه أيضًا. الآن تجد من بجيبه مائة جنيه، لكن لا قيمة لها وتصرف فى غمضة عين. تغيّر الوضع بمرور الوقت وأصبح هناك سيارات كثيرة تنقل الناس إلى القرى المجاورة، تصطف بجوار سور محطة السكك الحديدية فى مواجهة المحكمة. لكن يوم السوق -الأحد- تمتلئ المدينة عن آخرها بالبائعين والمشترين من القرى المجاورة، حيث يحتلون موقف السيارات -تصطف فى مكان آخر- حتى شرق المدينة فى الجهة المقابلة فى شكل حدوة حصان، مارين بالمزلقان من الجهة الشمالية: لا تندهش عندما تجد باعة السمك وفرشات الملابس وسط القضبان بلا مبالاة كاملة، وحين اقتراب القطار يرفعون بضاعتهم سريعًا وينتحون بها جانبًا لحين مروره، فى تلك الدقائق يبحثون عن فكة لمشترٍ أو يواصلون البيع!
وكان أولّ ما تم بناؤه فى شمال المدينة" مستشفى العياط المركزى" فى العام1940، وقد تم التوسع فى مساحتها بعد ذلك، الغريب أنها فى حالة صيانة دائمًا، لكن الواقع لا يعكس غير الممرات الغارقة فى مياه الصرف الصحى!.
فى ذلك الزمن لم يكن فى المدينة بأكملها غير دكتور واحد فقط، الآن انتشر الدكاترة فى عمارات قديمة- لا تزيد الواحدة عن خمسة أدوار- بلافتات متجاورة فى مداخلها أو معلّقة بجوار النوافذ. الأغلبية من الشباب، منهم من يقيم فى المدينة أو فى إحدى القرى. الذين يقيمون فى القرى، فى الأغلب باع لهم آباؤهم الأرض التى يمتلكونها، وهى مساحة صغيرة على أية حال، كى يستطيعوا أن يشتروا لأبنائهم الشباب شقة يحولونها إلى عيادة خاصة.
وبالقرب من المستشفى تم بناء أول صيدلية:"صيدلية حمادة" التى أنشئت فى العام 1948م لصاحبها د.محمد أحمد حمادة، ولا تزال تعمل حتى هذه اللحظة، ربما لا يلتفت كثير من المارة- كنت واحدًا منهم- إلى أن تاريخ الصيدلية من عمر دولة إسرائيل!.
وفى غرب المدينة كان أول مبنى يقام للكنيسة أوائل الثلاثينات تقريبًا ليتم هدمه وبناء آخر مكانه فى العام 1996م على مساحة أكثر اتساعًا، وهو المبنى القائم حتى الآن بجوار مبنى الإدارة التعليمية، الذى كان فى الأصل حجرات صغيرة متجاورة تابعة لأرض المحلج التى يخزّن فيها القطن، والتى تزيد عن 15 فدانًا تقريبًا، كانت محاطة بأسلاك صدئة ربطت فى قوائم خشبية.
رأيتها للمرة الأولى عندما انتقلتُ إلى المرحلة الثانوية الأزهرية، كنت أمر عليها كل يوم فى طريقى، ولاعتقادى الساذج وقتها بأن الأرض مهملة منذ سنتين أو ثلاث على أقصى تقدير، فقد صحح كثيرون لى المعلومة بأنها مهملة من منتصف الثمانينات تقريبًا. أرقب الحشائش المتناثرة فى الأرض الفضاء، برك الماء العطنة، أكوام القمامة، التراب الناعم الذى يزيحه الهواء على الطريق صاعدًا إلى شرفات العمائر المقابلة، كنت أقول لصديق: لو بيعت هذه الأرض- وهو ما حدث بعد ذلك- أتمنى أن يقطتعوا مساحة يقيمون فوقها سينما صغيرة، لم تعرفها هذه المدينة البائسة يومًا، أو متحفًا صغيرًا- حلم أثار سخرية البعض- يعرض ما يتم اكتشافه من آثار فى قرية "اللشت" عاصمة الدولة الوسطى فى مصر القديمة، فنحن أولى بها باعتبارها إحدى القرى التابعة للمدينة.
بيعت الأرض. تحوّلت إلى مبانٍ سكنية ومجموعة من المحلات المتلاصقة، لقد تفرّق دم الأرض بين القبائل. لو صدر حكم الآن باسترداد الأرض، كيف سيتم ذلك والأرض تفتتت وتغيّرت ملامحها إلى الأبد!؟. لكن أقدم مصنع فى المدينة- الوحيد تقريبًا- يعود إنشاؤه إلى العام 1964 تقريبًا، مصنع الزيوت والصابون التابع لشركة القاهرة للزيوت والصابون التى تم خصخصتها فى العام 2001م، وطرح أسهمها للبيع فى البورصة العام 2005م. لذا سميت الجانب الغربى من المدينة "الجانب المنكوب"، فمن الطريف أن هناك ثلاث قرى تابعة للمدينة بها بيوت ثقافة، والمدينة ذاتها حتى سنة مضت تقريبًا لم يكن بها قصر ثقافة، تم بناؤه فى مواجهة المعهد الأزهرى، بجوار آخر عمارة فى صف العمائر السكنية الممتد، التى يطلق عليها "المساكن".
صف العمائر هذا فى الأصل كان مصرفًا كبيرًا يروى الأرض الزراعية على الجانبين عندما كانت المدينة غارقة فى بدائيتها أو ريفيتها إذا شئنا الدقة، تم ردمه جيدًا والعمل فى البناء من منتصف السبعينات تقريبًا.
الطابع الريفى ملمح مميز لهذه المدينة الصغيرة. ربما هذا ما يؤرق البعض: أنهم لا ينتمون إلى مدينة بالمعنى الحرفى للكلمة. لكن الحقيقة الأكثر سطوعًا هنا بلا أدنى مبالغة أو تحيز مسبق، كما يراها كبار السن: أن المدينة لم تعرف المصالح الحكومية بشكلها الحقيقى إلاّ فى ستينات القرن الماضى، كمجلس المدينة الذى تم افتتاحه فى العام 1960: اكتشفت التاريخ بالمصادفة البحتة فى إحدى زياراتى لقضاء مصلحة ما. مررتُ من البوابة الحديدية الرئيسية، وأثناء دخولى المبنى نفسه اكتشفت اللوحة الرخامية الباهتة على يمينى أسفل الحائط، مغروسة حافتها السفلى فى تربة طينية لمربع زرع صغير من الطوب الأحمر: مكتوب فى اللوحة أنه تم افتتاح مجلس المدينة فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر. اللون الباهت للوحة الرخامية واسم الزعيم الراحل أثارا شجونى، مع أنى ولدت بعد رحيل الرجل بـ16عامًا تقريبًا. كادت دمعة تطفر من عينى. حجرات تفتح على ممرات صغيرة شبه معتمة، موظفون كسالى بلا عمل، منهم من لم يجد كرسيًّا يجلس عليه من كثرة عددهم. قلعة محصنة بعيدة عن مشكلات الناس اليومية: الباعة والمقاهى التى تعتدى على الطريق العام- بخاصة وسط المدينة- بحيث لا يجد المار موطئ قدم.
الجميع يتعايش هنا مع القبح بلا مبالاة مكتفين بالشكاية فقط، ومنها تلك المشكلة التى تفتحت عينى عليها وعمرى يقترب الآن من الثلاثين عامًا!. تستطيع أن تلمح ظل الرأسمالية الأسود هنا فى الأشياء البسيطة: كان مجلس المدينة يمتلك عددًا من سيارات النقل الجماعى تنقل المواطنين من أمام قراهم إلى المدينة وبتذكرة ركوب لا تتعدّى العشرة قروش، زادت فيما بعد بحيث لم تتعدَ الخمسين قرشًا، كان هذا فى التسعينات. فجأة لم يجد الناس هذه السيارات. اختفت من الخط الرئيسى فى ظروف غامضة. لم نرها فى الباحة الخلفية لمجلس المدينة إلا لأيام معدودة ثم اختفت إلى الأبد. تُرك الناس من يومها للسيارات الخاصة التى ترفع أجرة الركوب عند أى ارتفاع طفيف فى أسعار البنزين، ثم لا تعود إلى ما كانت عليه، حتى مع انخفاض الأسعار فيما بعد!. الناس توصلوا إلى هذه القاعدة الأبدية: الباعة لا يفترشون الطرقات ليس لقوتهم، وإنما لأنهم يدفعون لموظفى مجلس المدينة شهرية ثابتة فى مقابل تركهم فى أماكنهم. وكما يحدث فى كل المدن المصرية: يعود للشوارع رونقها، ويسير فيها المارة بأمان وحرية عند زيارة مسئول من العاصمة، وهى زيارات نادرة على أى حال، ليعود بعدها الباعة إلى أماكنهم بدقائق. كان مشهدًا يوميًّا تقريبًا: سيارات مهروسة ومحطمة على جانبى الطريق الخارجى للمدينة، مصر- أسيوط الزراعى، كان شبه طريق حتى العام 1970م، البداية الحقيقية لتمهيده ورصفه، لكنهم وقعوا فى خطأ كبير: جعلوا الطريق حارة واحدة. وعندما وعيت العالم، كان الطريق بلا إضاءة باستثناء أضواء السيارات المتقابلة التى تتصادم: سيارات نصف نقل تنقل الخضر والفاكهة غائصة مقدمتها فى ماء الترعة الكبيرة الممتدة بامتداد الطريق من الشرق، وقد ردم جزءها المار بالمدينة من مدخلها الجنوبى وبنيت عليه المساكن. تنهب أقفاص الطماطم والخضر. تنهب بلا رحمة أو تحمل بكاملها إلى المنازل لأناس يعانون شظف العيش.
كنا نرى هياكل السيارات المحطمة وقد خلت من القتلى والمصابين، مندهشًا -أنا الطفل الصغير آنذاك- من سرعة نقلهم فى سيارات الإسعاف، اعتقدت أن الملائكة هى التى قامت بذلك لسهولة المرور فى السماء دون عوائق. مرتان التى رأيت فيهما قتلى: الأولى لراكب بجوار السائق ناحية الباب، رأسه ملقى إلى الخلف والدماء تغطى وجهه، فرأيت بصعوبة ابتسامة لا مبالية، كأنه علم بمصيره قبل أن يخرج من البيت واستعد له راضيًا. الثانية: لامرأة خمسينية ترتدى جلبابًا أسود كانت راكبة موتوسيكل خلف ابنها، رأيتها مطروحة على بطنها على حافة الطريق الترابى، وابنها -لم يخدش!- يجلس بجانبها باكيًا.
آخرون حدثونى عن رؤيتهم لرءوس وأطراف مقطوعة. تم إنشاء حارة ثانية للطريق فى الجانب الغربى، اقتطعت من أجل ذلك مجموعة من الأرض ليست بالقليلة، أنير الطريق، لكن فى الجانب الغربى حدثت الكارثة ولا تزال: كيانات عشوائية جديدة بدأت فى الظهور، بيوت، مقاهٍ، مطاعم، وبعض المساجد والزوايا، التى يعرف الكثيرون أنها لم تنشأ فى الأصل من أجل العبادة، وإنما لتكون الطريق لبيع الأرض كمبانٍ سكنية فيما بعد. هذه المدينة -ذات الطابع الريفى- محيرة: كتشابك وتعقيد الرسومات التى ترسمها مياه المجارى التالفة على الجدران.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "المكان الاول والاخير"
 

  » العياط

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 1 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية