الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
25 يناير ومحاولة تغيير المستقبل
 


د.أشرف الصباغ


يرى الكثيرون أنه بحلول الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، أن الأمور لم تتغير، وأن نفس النظام قد عاد بنفس آلياته وأدواته. هذا الرأى المتشائم يتعارض مع الواقع لعدة أسباب، من بينها أن آليات المواجهة مع هذا النظام السياسى قد تغيرت بشكل شبه جذرى، وأن الأحزاب التقليدية فقدت مصداقيتها وهيبتها، وأن تكتلات وقوى جديدة قيد التشكيل والتبلور بدرجات معينة، وأن السلطة لم تعد "مقدسة"، وأن المؤسسات الدينية قد تم إنزالها إلى "الأرض".
ربما تكمن الثورة الحقيقية فى تلك الأسباب المذكورة أعلاه، حتى وإن لم يتغير النظام، أو أن النظام عاد بشكل أكثر قسوة لينتقم ويشتت ويقمع، ويحاول استعادة هيبته بكل الوسائل والأدوات القانونية وغير القانونية. ولكن التاريخ لا يعود إلى الوراء أبدا. غير أن الملاحظ هنا أن العالم يتغير، والواقع يواصل تحولاته، بينما المنظومات السياسية والإدارية والتشريعية والدينية تتعلق بالماضى وتسعى إلى إعادة كل شىء كما كان عليه قبل 25 يناير 2011.
هذا هو التناقض الواضح والملموس بين هذه المنظومات وبين ما يجرى فى الواقع من جهة، وما تحمله الأجيال الجديدة المتمردة والرافضة من جهة أخرى.
إن عملية التشكيل والتبلور هى طور من أطوار أى عملية ثورية. وهى لا تسير فى خط مستقيم، شأنها شأن العملية الثورية بكل مراحلها وأطوارها، خاصة وأن الثورة المضادة قاسية وشرسة ولديها كل الأدوات والإمكانيات والمقومات السلبية لإعادة الزمن ليس فقط إلى الوراء، بل وإيقاف الزمن، من وجهة نظر أصحاب تلك الثورة المضادة، وتحديدا الذين يقودونها بشراسة وغشم. وهذا هو سر التفاؤل الذى يتسلح به القادرون على فهم التحولات الاجتماعية والتاريخية ومساراتها المتعرجة والحادة، والمترهلة والبطيئة أيضا، لأن الأمر ببساطة يتعلق باستحالة إيقاف الزمن أو إعادته إلى الوراء.
فى الحقيقة لا يستطيع أحد إنكار أن هَبَّة 25 يناير 2011 قامت بمساهمة لا بأس بها من وسائل التواصل الاجتماعى والواقع الافتراضى، لم تحقق تحولات، وإن كانت بطيئة أو غير ملموسة بقوة.
لقد كانت وسائل التواصل الاجتماعى، والواقع الافتراضى عموما، ضروريين لاندلاع تلك الاحتجاجات فى ظل التقدم العلمى– التقنى. وهذا لا يتعارض إطلاقا مع المقومات الاجتماعية لهذا الحراك التاريخى.
كل ما فى الأمر أن الأنظمة السياسية ووسائل الإعلام وأجهزة الأمن والاستخبارات التابعة لهذه الأنظمة تمكنت بدرجات متفاوتة من السيطرة على هذه الاحتجاجات وقمعها بطرق مختلفة، بل ونجحت بدرجات أقل فى توجيهها لاحقا تحت مسميات عديدة غير بريئة، وإن كانت تبدو متماشية مع تلك التحولات.
الآن تجرى عملية تنميط للمجتمعات وفقا للتحولات الجديدة وباستخدام كل الوسائل الممكنة وعلى رأسها الثقافة والإعلام والمنجز العلمى التقنى، وهى الوسائل التى تمتلكها الأنظمة والمؤسسات التابعة لها، بما فيها الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى. وبالتالى، فمقاومة ومواجهة الحالات الجديدة من تنميط المجتمعات وأساليب القمع والقهر الممنهجة الجديدة فى ظل الواقع الافتراضى الحالى، لن تتحقق بنجاح وبشكل جذرى إلا فى "واقع ما بعد افتراضى" له ملامح وشروط خاصة.
لا أحد يمكنه أن يتصور هذا "الواقع ما بعد الافتراضى"، بالضبط عندما لم يكن يتصور أو يحلم أحد بالطفرة العلمية– التقنية التى خلقت واقعا افتراضيا متوافرا للناس. فوفقا للوثائق العلمية للدول الصناعية الكبرى، قد تم الكشف عن هذا الواقع الافتراضى فى حقبة الخمسينيات من القرن العشرين، ولكن استخداماته كانت محصورة فى المجالات العسكرية والاستخباراتية.
والواقع الافتراضى ليس فقط أجهزة كمبيوتر أو تقنيات رفيعة متقدمة، أو وسائل تواصل اجتماعى. إذ إن الواقع الافتراضى يشكل عالما كاملا على عدة مستويات: يشكل عالما موازيا، وعالما شبيها بالواقع، وعالما يمثل انعكاسا للواقع وهو فى الوقت نفسه جزء منه وامتداد له.
عندما كانت الجماهير تقوم بهباتها الاحتجاجية وثوراتها فى القرن العشرين، لم تكن تتخيل أصلا شكل ذلك الواقع الافتراضى الذى سيبدأ فعليا مع بداية الألفية الثالثة، والذى نعيشه الآن. 
قد يبدو هذا الكلام مقدمة أو تحليلا أو تكهنا لشىء ما. وقد يبدو مجرد خيال أو تصور فلسفى. ولكن للأسف، فهو كلام عادى وطبيعى فى ظل الطفرة العلمية– التقنية التى نعيش جزءا لا بأس به من منجزاتها، بينما الجزء الأكبر لا يزال قيد الخزائن السرية والمعامل والغرف المظلمة فى مبانى استخبارات الدول الكبرى. ومع ذلك فهذا الكلام بحد ذاته يمكن أن يصبح مادة للبحث فى ضوء ما قام به الشباب من احتجاجات شعبية فى السنوات الأخيرة، أدت فى مجملها إلى شكل من أشكال التغيير، وألقت بصخرة ضخمة فى المياه الراكدة.
كان من الصعب أن يقود هذا الحراك أشخاص من كبار السن بحكم السن نفسه، وبحكم طريقة التفكير، وبحكم نضوب الخيال. هذا ليس تقليلا من شأن الأجيال السابقة أو اتهاما بالتقاعس، بقدر ما هو طبيعة الحياة، وطبيعة حيوية الشباب، وقدرتهم على الخيال والتصور والحلم فى ظل واقع مرير على كل المستويات من جهة، ومنجز علمى– تقنى تمكنوا من استيعابه بدرجات متفاوتة من جهة أخرى.
وإذا كانت الدولة بمفهومها الإدارى والسياسى والتنظيمى، وبما تمتلكه من سطوة وسلطة وأجهزة قمعية، تقف دائما ضد أى تحولات ضخمة وواسعة تضر بمصالح رعاتها والمستفيدين من بنيتها وتكوينها، فهناك مشكلة صراع الأجيال التى يمثل فيها الجيل الأكبر عائقا أمام طموحات وأحلام وخيال الجيل الشاب الذى يريد التغيير والقادر عليه فعليا. فالجيل الأكبر عادة ما يعتبر نفسه وصيا –أبا– وفق المنظومة الأبوية التسلطية المستبدة للأب الطبيعى فى البيت وللرئيس فى العمل ولمؤسسات السلطة بكل رءوسها حتى الوصول إلى الأب الأكبر.
الهبات المقبلة، والاحتجاجات والثورات، ستحقق نتائج مبهرة فى حال الوصول إلى مرحلة ما بعد الواقع الافتراضى. والثورة لن تتم إلا فيه. وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على صلابة الجيل الشاب وقدرته آنئذ على التحمل والخيال والإبداع والخلق.
هنا نصل إلى قراءة لتحولات القرن العشرين الذى لا تنفصل أحداثه عن أحداث بداية القرن الحالى. بل تعتبر مقدمه لها، خاصة وأن "انتفاضة 18 و19 يناير 1977" وقعت فى سبعينيات ذلك القرن. فماذا يمكن أن نسمى القرن العشرين الذى كان القرن الأكثر حركة وتحولا على مدار العشرين قرنا الأخيرة، وبالذات من حيث وقوع حربين عالميتين، وظهور إمبراطوريات واختفائها، وتقدم علمى تقنى جبار؟ إن تسمية قرن "الثورة"، مثلا، ينطبق على قرون ومجالات أخرى قبل القرن العشرين. فالثورات الوطنية والاجتماعية فى أمريكا وفرنسا، على سبيل المثال، كانت فى القرن الثامن عشر. وقبل القرن العشرين بدأت الثورة الكانطية فى الفلسفة، تلك الثورة التى تأسست على الثورة العلمية التى قام بها كوبرنيكس فى القرن السادس عشر.
وبالتالى فتسمية "قرن الثورة" لا تنطبق فقط على القرن العشرين. وإذا أمعنا النظر بعمق سنكتشف أن النصف الأول فقط من القرن العشرين هو الذى يمكن أن تنطبق عليه التسمية، وبشكـل جزئى. أما النصف الثانى فهو على النقيض حيث قامت الانقلابات والثورات المضادة، وتأسست المصطلحات المضادة فى الفنون والآداب والعلوم والسياسة والاقتصاد والإعلام.
وبالطبع ففى بداية النصف الثانى قامت ثورات (محل خلاف؟!) فيما سُمِّى بالعالم الثالث بعد ذلك. وكانت كلها ثورات ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية العسكرية بالدرجة الأولى، ناهيك طبعا عن الانقلابات!
هناك من يقول إنه قرن الـ "Power" حيث تجمع الكلمة بين معانٍ عديدة ومتنوعة. فهى تعنى القوة، والإمكانية، والسلطة، والجبروت، والنفوذ، والقدرة، والصلاحية، والدولة، والطاقة، والكهرباء. وينطلق أصحاب هذا الرأى من كون هذه التسمية تجمع بين جوانب النفوذ السياسى والتقنى.
إن كلمتى الدولة العظمى "Super Power" والمحطة الكهربائية "Power Plant" تملكان فى اللغة الإنجليزية جذرا مشتركا. وبالتالى فالقرن العشرون هو قرن الدولة العظمى والمحطة الكهربائية: طاقة السلطة السياسية التى تحاول عصر العالم كله بيد واحدة، وسلطة الطاقة التقنية التى تحطِّم نواة الذرة وتبعث بالصواريخ إلى أبعد نقاط المنظومة الشمسية.
القرن العشرون هو عصر تكنولوجيا السلطة وسلطة التكنولوجيا.
وإذا كان القرن العشرون هو قرن "الطاقة"، فمعنى ذلك أنه أيضا عصر "الكتل"- الجماهير الواقعة بين حجرى الرحى، والتى أصبحت بشكل أو بآخر مثل اللحم المفروم، والتى تمثِّل الوسيلـة والأداة، والتى تملأ مقاعد متفرِّجى كرة القدم وقاعات السينما والسجون والمعتقلات، والتى حصدتها الحروب والمجاعات والأمراض، والتى تم تهجيرها من بلادها: فأصبحت هناك دول بكتل، وكتل بلا دول.
وإذا استخدمنا هنا صيغة أينشتاين التى تربط بين الكتلة والطاقة من أجل تفسير عملية تحطيم الكتل الفيزيائية والاجتماعية، سنجد أن ذلك هو مصدر الطاقة الفعَّال الذى يغذِّى الإرادة نحو السلطة.
لقد كان القرن الثامن عشر، عصر "التنوير"، وعصر التفكير مع أنه لم يخلُ من عبادة الفرد، ومن السذاجة والمثالية. ولكن التنوير كان هو الغالب بالمقارنة مع القرون السابقة. أما القرن التاسع عشر، فقد كان عصر "الواقعية"، حيث قام بإصلاح الخطأ الذى كان موجودا فى القرن الثامن عشر: خطأ تغليب التفكير الساذج والمثالى والإيمان المطلق بهذا التفكير. وبالتالى ربط القرن التاسع عشر بين التفكير والواقع، وجعل الأول فى خدمة الثانى. وفى إحدى رسائل بلينسكى أقسم أنه من أجل الواقعية يمكنه أن يضحِّى بحياته، ولتذهب المثالية إلى الشيطان.
من هنا أصبحت الرواية وعلم الجمال والشعر أمورا واقعية فى القرن التاسع عشر. هذا بالطبع إلى جوار بدايات العلوم الحديثة.
من الصعب إدراك كيف أنه من هذا الاستسلام الإرادى لكلمة "أنا موجود" يمكن العمل على إنماء كلمة "أنا أستطيع". ولكن "أنا أستطيع" قد نمت فعليا من "أنا موجود". والدليل على ذلك هو أن أكثر الحسابات والتدقيقات علميةً أدت إلى نتيجة فى غاية الأهمية: معرفة الجوهر تقود إلى إمكانية السيطرة عليه. وقد حدث ذلك بالفعل بداية من الدارونية إلى الدارونية الاجتماعية، ومن نظرية الانتقاء الطبيعى إلى أبسط الأفكار حول أنه طالما يكون البقاء للأقوى، فمن الضرورى أن يكون هذا الأقوى هو أنا.
ولكن كما انتصر الفكر التنويرى، الذى تطوَّر إلى الواقعية، على نفسه وتخلَّى عن الذهنية والسذاجة والمثالية، تجاوزت الثقافة الواقعية نفسها بسرعة وتخلَّت عن حَرْفِيَّتِها لصالح بناء إرادى للواقعية بدلاً من الخضوع العبودى لها.
لقد ظل نيتشه حتى آخر الفترات اليَقِظَة فى حياته يتعذَّب من فكرة أنه مجرد كاتب بائس. وكان قد أدرك آنذاك أنه كان لا بد أن يكون عالم أحياء ما بعد (أو ما فوق) دارونى من أجل صناعة قومية من السادة، وصناعة كائن حى ما بعد (أو ما فوق) بَشَرِى. ولكن فكرة ما بعد أو ما فوق علم الأحياء هذه ظلَّتْ مجرد حلم أدبى (على الأقل، ولحسن الحظ طبعا، فى فترة حياة نيتشه).
لقد تجاوز القرن العشرون ذلك العالم الذى كان من الممكن ألا يكون بحاجة إلى كل تلك القوة والقدرة والسيادة و.. و.. تلك التى تحدَّثنا عنها منذ قليل. وأصبح امتلاك الكرة الأرضية بمصادرها الطبيعية والبشرية أمرا مفيدا ومجديا ورائعا، ولكنه مع ذلك ليس كافيا لذلك الخيال الجامح، ولا لشهية السلطة وشهوتها، ولا للعولمة، ولا لغزو عوالم جديدة. إن هذه الكرة الصغيرة- كرتنا الأرضية- ضائعة فى أطراف الفضاء الكونى، تائهة فى زاوية ما من الفراغ اللامحدود واللانهائى، ذلك فى وقت واحد مع وجود مجرات عديدة أخرى لم يتم اكتشافها بعد، ولا ندرى كيف سنخرج إليها: عَبْرَ الثقوب السوداء، أم عن طريق الإلكترونات، أم من خلال أرواحنا؟!
فى ضوء كل ذلك، ليس هناك شك فى أن القرن الواحد والعشرين سيكون حاصل ضرب قدراته وإمكانياته الخاصة فى كل ما أنتجه القرن العشرون من قوى وإمكانيات وإنجازات. وليس هناك شك فى أن القدرة العلمية- التقنية، والقدرة الاجتماعية- السياسية فى القرن الواحد والعشرين ستنمو وتتطور، ولكن ليس أبدا من أجل غزو "عوالم جديدة" وأبعاد جديدة والولوج إليها، بقدر ما هو "فتح ثغرة" فى الواقع.
وبالرغم من أن محاولات "فتح الثغرة" فى الواقع لم تتوقف أبدا طوال القرن العشرين، وإنما على العكس اتسعت ساحة الإدراك العلمى للواقع بالمقارنة مع القرن التاسع عشر، إلا أنه لا يمكننا القول إن الواقعية سادت وتسيَّدَتْ خلال القرن العشرين، ولا يمكننا أن نتحدث عن وجود التبجيل المطلق للواقع فى حد ذاته. وبالتالى لا تزال عملية إدراك الواقع مستمرة (فى بداية القرن الواحد والعشرين) ولكن من أجل خدمة هدف آخر: خدمة السلطة والسيطرة. وعلى هذا النحو سوف يستمر تزايد القوة والقدرة فى القرن الواحد والعشرين، ولكنها ستكون فى خدمة أهداف أخرى- ليس طبعا السلطة والسيطرة، وليس امتلاك العالم، وإنما الخروج إلى عوالم بديلة أو موازية.
إن السلطة بوصولها إلى نهاية العالم، أصبحت فى حاجة إلى أمر آخر، إلى مضاعفة العوالم نفسها. زد على ذلك أنهم فى ميكانيكا الكم وميكانيكا الكمبيوتر يتحدثون فعليا عن تعدد العوالم الموازية، وعن العوالم المُحْتَملَة، والعوالم الممكنة، والعوالم الافتراضية.
من هنا تبدأ صيغة جديدة ستنطلق من رحم القوة والقدرة. تلك الصيغة ستبدأ من تأكيد القوة والقدرة وتجاوزهما معا وفى وقت واحد. وستكون فى شكل إمكانية الخروج من حدود الواقع الموجود فى أحاسيسنا والمُتَعَارَف عليه والمألوف لدينا. وسوف تتحول كلمة "أنا أستطيع" متجاوزة نفسها إلى كلمة أخرى ضعيفة، ولكنها لا نهائية: إلى كلمة "مِن الممكن" أو "من المحتمل". وبدلا من القوة والقدرة سوف تحل الاحتمالية.
وبالتالى، "من الممكن" أن يكون القرن الواحد والعشرون هو قرن الافتراضية، ليس فقط بخصوص التقنيات الإلكترونية- الكمبيوترية، وإنما أيضا بشأن مضاعفة الوسائل البديلة للوجود، والنظريات الافتراضية، والتجارب، والمجتمعات.
إن القدرة أو القوة هى الصيغة القصوى لفعالية الوجود (وهذه كانت أبرز علامات أو كرامات نهاية القرن العشرين). ولكن خلف حدود الفعالية تظهر نوعية جديدة: الاحتمالية (التى ستكون أبرز كرامات مرحلة الانتقال إلى القرن الواحد والعشرين) التى نعيش مقدماتها فى الوقت الراهن.
وبينما تكون الفعالية محدودة بـ"أستطيـع أن أفعل"، تكون الاحتمالية هى الدخول إلى بُعْدٍ آخر جديد: "ماذا يمكن أن أكون". ولكن السعى إلى القوة فى هذه الحالة، أو فى هذا الطور من التطور، ينتج من جراء ندرة الحياة أو شُـح الوجود، ومن عدم كفاية الواقع: هنا فقط واقع واحد، وفى هذا الواقع الواحد لا يوجد سوى واحد فقط يمكنه أن يكون قويا على حساب الآخرين.
ولكن حينما يتضاعف الواقع ويتعدد، أى عندما تكون هناك وُقُعٌ كثيرة، فسوف تتشتت السلطات وتتبدد: سيصنع كل واحد لنفسه "أشياءه الخاصة" من العوالم الممكنة (والتى سوف تكون من علامات أو كرامات نهاية القرن الواحد والعشرين وبداية الثانى والعشرين).
هنا نتوقَّف قليلا لنتأمل اللوحة، أو ببساطة لنطلق العنان لخيالنا بالمعنى العلمى والإيجابى بعيدا عن الشطحات والهلوسات.. إذا كان القرن الواحد والعشرون سوف يصبح قرن تعدد الأبعاد والقياسات، وتراجُع الثقة بالواقع، والتوالد السريع للمهرجين والأفاقين، وتنامى التزييف، والتصنُّع، والنَسْخ الإعلامى، والمَسْخ الإعلامى أيضا، والأشباه الإلكترونية، والعوالم المتعددة.. إذن فماذا يمكن أن يكون عليه القرن الثانى والعشرون؟ وماذا يمكن أن نطلق عليه من التسميات؟ وبأى كرامات سيهل علينا؟! هذا طبعا إذا كنا سنستمر فى الوجود بأحاسيسنا العادية والمألوفة بالواقع!
"من الممكن" فقط تحديد (ولو من حيث المبدأ) اسم مرعب جدا للقرن الثانى والعشرين حيث ستتوافر لكل واحد على حدة إمكانية بناء عالم واحد خاص به. وبالتالى، سيكون القرن الثانى والعشرون هو ببساطة قرن "الوحدة"! ما يعنى ببساطة أن القرن الواحد والعشرين هو آخر فرصة أمام سكان كوكب الأرض لرفض التنميط الاجتماعى والعقلى والنفسى، ورفض كل القوى التى تحاول تقييد الروح البشرية وحبسها فى أنماط يسهل تطويعها والتحكم فيها.
وربما كانت 25 يناير 2011 هى إحدى محاولات المصريين لتغيير المستقبل.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ملف العدد(ما بعد يناير)"
 

  » 25 يناير ومحاولة تغيير المستقبل
  » إشكالية التأريخ لثورة 25 يناير2011
  » الاقتصاد المصرى بين طموحات ثورة 25 يناير ومعوقات الواقع الحالى
  » الشعب يريد
  » يناير.. الثورة اليتيمة!
  » يناير وحلقات الحُمق والجنون

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 6 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية