الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
إشكالية التأريخ لثورة 25 يناير2011
 


د.عمر مصطفى لطف


تعد ثورة 25 يناير 2011 من أهم ثورات مصر فى العصر الحديث، لما شهدته من تدفق شعبى لميادين مصر فى وجه نظام ديكتاتورى، أفسد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمصر، بل لنقل أفسد كل شىء فى مصر طوال فترة حكمه، هذا التدفق الشعبى لم يخشَ قسوة النظام الأمنى، وطالب بسقوط النظام السياسى والأمنى معًا، واستمر معتصما بميادين مصر، بجميع طوائف الشعب وباختلاف الأديان أو الأعمار أو لون البشرة، اعتصم حتى سقوط النظام فى مشهد مهيب فى 11 فبراير 2011.
ولأهمية ثورة 25 يناير فى تاريخ مصر، قامت عدة جهات حكومية فور سقوط النظام المستبد بتشكيل لجان توثيق للثورة وأرشفتها، بهدف جمع وحفظ جميع الوثائق المتعلقة بثورة 25 يناير للأجيال المقبلة؛ أُسوة بالأحداث التاريخية الهامة السابقة. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه اللجان هى لجان لتوثيق أحداث الثورات وليس لتأريخها. ولجان توثيق الثورات ليس بأمر جديد، فقد قام الرئيس الراحل محمد أنور السادات بتشكيل لجنة توثيق لثورة 23 يوليو 1952، وقيل إن اللجنة كانت مشكلة لتشوية ثورة 1952، بمهمة تولاها محمد حسنى مبارك حينذاك.
وقد ظهرت عدة لجان لتوثيق ثورة 25 يناير وأرشفتها، من أهمها اللجنة المركزية التى شكلها وزير الثقافة الأسبق د.عماد أبى غازى- من خلال دار الكتب والوثائق المصرية (مارس 2011)- لتوثيق ثورة 25 يناير كمادة خام دون تأريخ لكى يعتمد عليها المؤرخون فى المستقبل لكتابة تاريخ مصر المعاصر.
واتخذت اللجنة مدى زمنيًّا محددًا لجمع الوثائق التى حدثت فيه، وهى فترة الثمانية عشر يوما (التى استغرقتها حتى تنحى الرئيس الأسبق)، لأن اللجنة رأت أن قرار التنحى يعتبر نقطة فاصلة فى أحداث الثورة المجيدة.
وقد وضعت اللجنة تصورا للسعى إلى إقامة أرشيف أقرب ما يمكن إلى الكمال؛ مفهرس ومحفوظ طبقا للأصول المتبعة فى هذا المجال.
وكان عمل اللجنة يتضمن:
- جمع شهادات شخصية ممن شاركوا فى الثورة، سواء بالتخطيط أو بالسير فى المظاهرات أو بالاعتصام فى الميادين، وكذلك شهادات من لم يشارك بشكل مباشر فى أى من هذه الأحداث لكنه شهدها أو تأثر بها على أى وجه، ويقصد هنا العسكرى الذى كان يقف فى الميدان والبائع الذى يبيع السندوتشات، ومن كان له قضية شخصية خاصة به أيا كان نوع المشاركة ولو كانت ضد الثورة.
- جمع الصور وأفلام الفيديو والتسجيلات الصوتية المواكبة لأحداث الثورة.
- جمع الملصقات واللافتات والمنشورات والأعمال الفنية التى أنتجت أو وزعت فى الشوارع أثناء الثورة، وجمع الشعارات والهتافات والأغانى والنكات التى انتشرت وقتها.
- جمع الجرائد والمجلات والتسجيلات التليفزيونية المواكبة لأيام الثورة.
- الاتصال بلجان تقصى الحقائق المختلفة التى شُكِّلت فى أعقاب الثورة وجمع المادة الوثائقية التى أنتجتها أثناء فترة عملها.
- الاتصال بمنظمات حقوق الإنسان وجمع التقارير التى أصدرتها عن انتهاكات حقوق الإنسان التى حدثت أثناء الثورة.
- رصد دور المؤسسات والجماعات الدينية (الرسمية وغير الرسمية) ومواقفها من الثورة، وجمع المنشورات والأحاديث الصحفية للمنسوبين إليها أثناء أيام الثورة.
- رصد دور الأحزاب السياسية والنقابات المهنية وجمع التقارير والمنشورات والأحاديث الصحفية التى صدرت عن المنسوبين إليها أثناء أيام الثورة.
- تولى اللجنة اهتماما خاصا بمكاتبات الإدارات الحكومية المختلفة، من وزارات وهيئات حكومية ومؤسسات عامة، التى يتعلق نشاطها بشكل مباشر بالثورة وبأحداثها، مع الأخذ فى الاعتبار أن عمل اللجنة فى هذا الصدد تحكمه القوانين واللوائح المعمول بها فى دار الوثائق القومية، والمتعلقة بالحفاظ على سرية المكاتبات والوثائق الرسمية للدولة وتنظيم تداولها ونشرها.
وهذا المشروع لا يعلم أحد ما توصلت إليه اللجنة من توثيق لأحداث الثورة، بل ونجد أن الموقع الرسمى لها على شبكة المعلومات (الإنترنت) قد أغلق.
وفى مكتبة الإسكندرية- التى تمثل أحدث قطاع تكنولوجى للمعلومات فى التوثيق الرقمى- نجد مشروعًا آخر لتوثيق أحداث ثورة 25 يناير 2011؛ وهذا من خلال المشروع المعروف بـ"ذاكرة مصر التاريخية". وسعت الذاكرة إلى رصد أحداث الثورة بجميع المحافظات المصرية. وطلبت اللجنة المشرفة على المشروع من كل قادر المساهمة فى سواء بالصوت أو الصورة.
ومن إنجازات هذه اللجنة: إدخال 25 ألف صورة فوتوغرافية إضافة لـ2000 ساعة فيديو على مشروع " ذاكرة مصر التاريخية".
ولقد حصلت مكتبة الإسكندرية على مواد من متبرعين بألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بالإضافة إلى الصحف العربية والأجنبية التى نشرت فيها مواد تحليلية وتقارير وأخبار عن أحداث الثورة، وفضلا عن المنشورات التى وزعت بميدان التحرير وميدان المنشية بالإسكندرية والتى عُلقت على المنازل كتوجيهات من اللجان الشعبية، فضلا عن سلسلة من الحوارات والمناظرات السياسية التى أجرتها المكتبة لتوثيق الحدث.
وقامت مكتبة الإسكندرية أيضًا برصد حالة خالد سعيد، من بداية التشكيك فى تقرير الطبيب الشرعى فى حادثة مقتله مع الوقفات المتكررة والتى مثلت جذوة الثورة ومحطة من محطاتها الأساسية، كما كان تزوير الانتخابات محطة أخرى، وحصيلة أربعة أشهر من الأحداث المشتعلة بين الخارج والداخل.
وبخلاف الجهات الحكومية، ظهرت دعوات كثيرة على موقع التواصل الاجتماعى "الفيس بوك" لتوثيق ثورة 25 يناير، من خلال بعض الشباب أو المنظمات الخاصة. ومن مشروعات توثيق وأرشفة الثورة: مشروع "وثائق التحرير"، وهى ليست وثائق سرية تم الحصول عليها بشكل غامض وفى ظروف مضطربة كسابقتها من الوثائق، إنما هى موقع إلكترونى يوثق لأحداث ثورة 25 يناير من خلال جمع كل ما كتب أو نشر عن الثورة سواء كان معها أو ضدها، وترجمته إلى اللغة الإنجليزية حتى يتعرف عليها كل العالم. وهو مجهود ضخم ومهم للتأريخ للثورة.
أطلق موقع "وثائق التحرير" مجموعة من الطلاب الأجانب المقيمين فى مصر أغلبهم أمريكيون، ومجموعة أخرى من المصريين الحاصلين على الجنسية الأمريكية يبحثون عن الوثائق فى كل مكان لتوثيق كل ما يتعلق بالثورة، كما يهدف الموقع إلى توثيق المرحلة الحالية، ونقل فكر المصريين للعالم الغربى بعد ترجمة الوثائق والمنشورات إلى الإنجليزية، ويضم الموقع أقساما عديدة، ويتم تصنيف كل وثيقة حسب الموضوع الرئيسى الذى تتحدث عنه، فستجد قسم الاعتداء على المتظاهرين يضم كل ما يخص هذه الاعتداءات من وثائق وصور وفيديوهات، كذلك ستجد أقساما أخرى مثل النظام والفساد، الصحف، وسائل الإعلام، السجناء، الثورة ومطالبها، وغيرها من الأقسام.
وهناك مشروع "R– shief" لجمع البيانات الذى يجمع المحتوى من مئات المواقع الإلكترونية التى توثق الربيع العربى، منها ثورة 25 يناير فى مصر، وهو مشروع ضخم وموثق بالتواريخ ومصادر هذه البيانات.
وهناك مشروع "جامعة الميدان" من جانب طلاب وخريجى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، خاصةً أن الجامعة الأمريكية فى القاهرة كان لها نصيب وافر فى أحداث الثورة والمظاهرات الضخمة لوقوعها فى قلب ميدان التحرير، وبذلك أخذت الجامعة تسمى– جامعة الميدان– حيث كان طلابها وأساتذتها يجمعون المعلومات ويعدون الدراسات لكتابة أحداث الثورة المجيدة.
وهذا المشروع أيضًا لم تظهر له نتائج ملموسة حتى وقتنا هذا.
كل هذه المبادرات لتوثيق ثورة 25 يناير 2011 وأرشفتها، ستفيد المستخدم النهائى (المؤرخون – الأدباء – كتّاب السينما وغيرهم) بالتأكيد، ولكن عند التصدى للتأريخ والكتابة عن الثورة -بالاعتماد على البيانات المجعمة من قِبل هذه اللجان والمبادرات– نجد بعض الملاحظات المهمة، ومنها:
1- إن المصريين شديدو الحساسية للمحاولات الرسمية لكتابة التاريخ وخلق روايات من جانب الدولة عن الأحداث التاريخية. وهذا ما حدث من قبل كما ذكرنا سابقا عندما كان حسنى مبارك نائبًا للرئيس فى السبيعينات، كان هو نفسه فى لجنة حكومية مهمتها كتابة، أو إعادة كتابة، تاريخ ثورة 1952 لكى يلائم الأغراض السياسية للنخبة فى هذا الوقت. وهو تحديدا ما نريد تجنبه الآن فى كتابة أحداث ثورة 25 يناير. وتزيد جريدة الجارديان البريطانية عن هذه الإشكالية، بأن هناك توترًا كامنًا بين أعمال المشاركة الشعبية الجماهيرية وبين المحاولات الرسمية لفهرستها وتسجيلها.
ولهذا تردد الدكتور خالد فهمى (رئيس لجنة دار الكتب لتوثيق الثورة) فى بداية الأمر فى رئاسة اللجنة، فهو لم يكن يريد أن يظن الناس أنهم ينتجون رواية محددة للثورة، لكنه بدأ فيما بعد يفكر فى الاحتمالات ثم وافق حتى يستطيع المصريون الآن وفى المستقبل أن تكون لهم رؤيتهم الخاصة لهذه الفترة الحيوية.
2- يطرح هنا أسئلة مهمة؛ ما هى الثورة ومتى بدأت ومتى ستنتهى؟ وما هى معايير المشاركة فيها؟ هل هم هؤلاء الذين ذهبوا إلى التحرير فقط أم تشمل أيضا الأطباء الذين عملوا لساعات طويلة لمعالجة الجرحى؟ والأشخاص الذين لم يشاركوا فى صنعها فى بادئ الأمر ولكنهم نزلوا إلى ميادينها بعد عدة أيام لأسباب مختلفة؟ وهكذا. وما يزيد صعوبة الأمر ألا يوجد معايير أكاديمية أو نظرية للإجابة على هذه الأسئلة.
3- وهناك سؤال مهم آخر، "من الذى يتحدث عن الثورة"؛ فنلاحظ الآن أن كثيرين من المتحدثين عن الثورة فى الفضائيات والكتب، بعضهم اتهم بالخيانة ومحجوز الآن خلف قفص الاتهام؛ والبعض الآخر مشكوك فى مصداقيته؛ بل ونجد بعض الأحاديث التلفزيونية التى يروى فيها بعض الشخصيات مشاركتهم فى الثورة وما يعرفونه من أحداثها، نكتشف زيف ما فيها، ويكفى اللقاءات التى أجراها المذيع أحمد منصور مع شخصيات إخوانية، حاولت إبراز دور الإخوان فى نجاح الثورة، وبعض الأحداث الأخرى التى تصب فى مصلحتهم، والتى يدور حولها علامات من الريبة وعدم المصداقية، وخاصةً حواره مع وزير الشباب السابق أسامة يس.
جدير بالذكر أن عددً من القوى الإسلامية –فى نوفمبر 2013- شكّلت، بالتعاون مع قوى مدنية، لجنة تقصى حقائق لتوثيق جرائم تنظيم الإخوان، منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن، وذلك لتقديمها إلى المجلس القومى لحقوق الإنسان. وقال منسق تحالف شباب الإخوان المنشق عن التنظيم: إن الشباب المنشق شكل لجنة تقصى حقائق بالتعاون مع قوى سياسية ومدنية لتوثيق جرائم "الإخوان" منذ ثورة 25 يناير، مرورًا بموقعة الجمل وفض اعتصامى "رابعة" و"النهضة" وأحداث الحرس الجمهورى، وصولاً لفعاليات مرور 100 يوم على ذكرى فض "رابعة"، وسيتم تسليم النتائج إلى الأجهزة المختصة للتحقيق فيها، تمهيدًا لمحاكمة رموز (الإخوان) بشكل أكثر توثيقًا، لسد جميع الثغرات القانونية فى قضاياهم، بعد تورطهم فى أحداث العنف منذ ثورة 30 يونيو.
ونعتقد أن الأشخاص الحقيقيين المؤثرين فى الثورة لم يتحدثوا بعد، وهم الذين تعد شهاداتهم الأصدق والأهم فى التأريخ لثورة 25 يناير.
4- ويرتبط هذا بسؤال آخر، ما هى مصادر التأريخ للثورة، مثل: الإنترنت والذى لم يترك صغيرة ولا كبيرة، فبمجرد كتابة كلمة يأتى سيل من المعلومات، ولكن أين خبرة من يبحث فى الإنترنت ويرصد المعلومات والأحداث المرتبطة بالثورة، وهل هذه المعلومات المذكورة صحيحة أم لا؟ ولا بد من الإشارة إلى أن من أهم صفات المؤرخ الصدق والموضوعية والتقصى عن صحة المعلومة التى يستخدمها فى تأريخه للأحداث التى يكتبها.
وهناك وثائق أمن الدولة، والتى أحرق بعضها الشباب الغاضب وآخرون لمصالح شخصية وأهداف سياسية عقب الثورة؛ ويتبادر هنا سؤال عن مصداقية هذه الوثائق خاصةً مع السمعة الرديئة لهذا الجهاز قبل الثورة واستبداده. وأيضًا أين ذهبت أوراق أمن الدولة التى تم تداولها بين الناس؟ فهذه الأوراق لا بد أن توضع وتحفظ فى دار الوثائق القومية.
ومن مصادر التأريخ أيضًا، القنوات الفضائية التى قامت بتغطية أحداث الثورة، وتم التواصل مع قناة الجزيرة، التى غطت بالكامل الثورة، والتى يثار عنها الكثير من التساؤلات الآن عن مصداقية تغطيتها للأحداث فى مصر فى الوقت الحاضر.
ونندهش عندما نقرأ تصريحًا لرئيس لجنة توثيق الثورة فى دار الكتب، والذى يقول فيه إن المعلومات التى يتم تجميعها ليست اللجنة مسئولة عن محتواها حتى وإن كانت غير صادقة فليست وظيفتى أن أتأكد من صحة المعلومة. ومن دورى كمؤرخ أن أحفظ والقادم هو الذى سيقيم الوثائق سواء كانت صادقة أم كاذبة.
وهناك الكثير من الملاحظات الأخرى والتى لا يتسع المقال لذكرها، ولكننا فى نهاية الأمر نتمنى أن يتم التأريخ للثورة بطريقة موضوعية وعلمية، لأهمية الثورة فى تاريخ مصر المعاصر، خاصةً أننا كمؤرخين نعانى من عدم وجود مادة تاريخية علمية قوية موثقة عن الأحداث السابقة مثل حروب 56 و67 و1973 وثورة 1952 فالمادة الوثائقية ضعيفة، وأغلب ما كتب فى الحروب القديمة كان فى الخارج مثلاً حرب 1956 فالمادة الوثائقية العظمى لهذه الحرب فى لندن.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ملف العدد(ما بعد يناير)"
 

  » 25 يناير ومحاولة تغيير المستقبل
  » إشكالية التأريخ لثورة 25 يناير2011
  » الاقتصاد المصرى بين طموحات ثورة 25 يناير ومعوقات الواقع الحالى
  » الشعب يريد
  » يناير.. الثورة اليتيمة!
  » يناير وحلقات الحُمق والجنون

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 6 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية