الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
الاقتصاد المصرى بين طموحات ثورة 25 يناير ومعوقات الواقع الحالى
 


عبد النبى عبد المطلب


انتفضت جموع الشعب المصرى فى 25 يناير لتعلن مطالبها المشروعة والتى تمثلت فى "عيش حرية عدالة اجتماعية"، ومن المؤكد أن اختيار كلمة "عيش" فى بداية المطالب كانت تعبر عن الحرمان الذى يعانى منه الشعب المصرى بكافة صوره، حرمان من تكافؤ الفرص، أو عرض فرص العمل طبقا للكفاءة وليس للمحسوبية، كما أن الحديث عن العدالة الاجتماعية كان يشير إلى ضرورة المساهمة فى أحداث التنمية، وبالتالى عدالة توزيع عوائدها.

الواقع الاقتصادى قبل 25 يناير
اتسم الواقع الاقتصادى قبل عام 2011 بزيادة فى معدلات النمو، وتحقيق معدلات عالية للتصدير، وارتفاع قيمة الاحتياطى النقدى من العملات الأجنبية،‏ حيث تشير البيانات إلى ارتفاع معدل النمو السنوى ليصل إلى نحو ‏7.3%،‏ وانخفض معدل التضخم إلى ‏5%‏، وتراجع العجز الكلى للموازنة من 9.2% إلى 7.5% من الناتج المحلى الإجمالى، وارتفع حجم الاحتياطى النقدى إلى نحو 35.2 مليار دولار، وهو يغطى أكثر من تسعة شهور للواردات، وارتفع حجم الاستثمار الأجنبى المباشر ليصل إلى نحو 13.3 مليار دولار طبقا لبيانات عام 2010.
ورغم هذه المؤشرات الجيدة فإن المواطن المصرى لم يشعر بأى تحسن فى حياته، بل ولم تتمكن الحكومة من إعطائه بعض الأمل فى المستقبل، بل كان العكس هو الصحيح، وكأن الحكومة أرادت أن تؤكد للغالبية العظمى من الشعب المصرى أنه لا مكان لهم فى المستقبل.
فبعد نجاح الحكومة عام 2010 فى فرض برلمان تفصيلى على هواها، وضمنت من خلاله أنها قادرة على تمرير القوانين والخطط التى تريدها كافة، أعدت على لسان الدكتور أحمد نظيف رئيس الحكومة آنذاك خطة لرفع الضرائب على الموظفين وأصحاب المهن الحرة، ورفع رسوم التقاضى والتعليم والخدمات الصحية وغيرها، إضافة إلى رفع أسعار بعض السلع الأساسية، وفى مقدمتها الزيت والسكر والأرز، بل وأشار رئيس الحكومة صراحة فى بداية عام 2011 إلى أن مصر ستبدأ المرحلة الثانية من الإصلاح الاقتصادى لتحقيق معدل نمو يتجاوز 8%، وأضاف أنه عندما يحدث هذا النوع من التحول الاقتصادى الذى ينتج عنه نمو كبير، فإنه دائما لا يحدث توزيع عادل للدخل، فقد يزيد الغنى غنًى، وقد لا يحصل الفقير على المستوى نفسه من الغنى. وأعطت حكومته الضوء الأخضر للإعلام الرسمى لتسويق هذه الخطة باعتبارها مرحلة انتقالية يجب على المواطن المصرى أن يتحملها للوصول إلى جنة النمو الموعودة. وبالفعل بدأنا نقرأ بعض المقالات حول الموجة الثانية من الإصلاح وحاجتنا الماسة إليها وضرورة التضحية من أجل نجاحها.
ورغم الاعتراف بتحقق بعض النجاحات التنموية فى قطاعات عديدة، فقد استمر الارتفاع فى أسعار السلع والخدمات، وارتفاع معدلات الفقر، والأمية، والبطالة، وانتشار العشوائيات، وتدنى مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وبدت ملامح تفشى الفساد والمحسوبية والاحتكار واضحة فى عمليات تخصيص الأراضى والإنتاج الصناعى والقروض البنكية، إضافة إلى تزاوج رأس المال والسلطة، والذى اتضح فى تولى أكثر من ثمانية رجال أعمال حقائب وزارية، ناهيك عن تزوير الانتخابات النيابية عام 2010 بشكل واضح.

آمال التنمية بعد 25 يناير
لا شك أن هذه العوامل السابق ذكرها قد أنتجت شعورا واضحا لدى غالبية المصريين وخاصة الشباب بعدم الاستفادة من تحقيق معدلات نمو جيدة، وانسداد الأفق فى حدوث تحول إيجابى مستقبلى، فأدى ذلك إلى اندلاع ثورة الشعب فى 25 يناير 2011 معلنًا رفضه الظلم فى شتى صوره، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا... إلخ، ونجح الشباب بالفعل فى إزاحة رأس السلطة، وتسلم الجيش إدارة البلاد لحين إجراء انتخابات نيابية، وكتابة دستور يكفل تحقيق مطالب الثوار.
ورغم حالة التفاؤل التى سادت الاقتصاد المصرى بحدوث طفرة بعد إسقاط مبارك وبعض رموزه، والقضاء على مشروع التوريث، واستعادة جزء من الأراضى المنهوبة والتى استولى عليها أعوان النظام دون سند، فإن تطور الأحداث صدم المصريين جميعا.
فعدم وجود رؤية واضحة للتنمية، أو أسلوب إدارة الاقتصاد، جعل القيادة السياسية تتخبط فى قراراتها، وبدأت فترة حكمها برفع مرتبات العاملين فى الدولة (رغم عدم وجود موارد حقيقية لتمويل هذا الزيادة فى المرتبات) على أمل امتصاص الغضب الشعبى الجارف، وبدأ الحديث عن الرخاء نتيجة توافر موارد تصل إلى 40 مليار جنيه سنويا من المصروفات النثرية للرئاسة، وتوافر تمويل ذاتى لعجز الموازنة يصل إلى أكثر من 360 مليار جنيه من الصناديق الخاصة، بل وتم إنشاء لجنة لاسترداد الأموال المهربة من قبل مبارك ونظامه، والتى قدَّرها البعض بأكثر من 70 مليار دولار (حوالى 490 مليار جنيه).
وقد أدت سياسة المجلس العسكرى فى إرضاء الناس مهما كانت التضحيات إلى  تصاعد المطالب الفئوية، وتعطل الإنتاج وانتشار حالة من الفراغ الأمنى أسهم فى وقف عجلة الإنتاج وإغلاق اكثر من ستة آلاف مصنع.

تدهور الاقتصاد تحت حكم الاخوان
 بعد وصول جماعة الإخوان المسلمين للحكم، ومحاولتها فرض السيطرة على مفاصل الاقتصاد المصرى، وزيادة حدة الصراع السياسى بين المؤيدين لدستور الإخوان والرافضين له، شهد الاقتصاد المصرى تدهورا كبيرا، فتراجع معدل النمو إلى أقل من 1%، وتراجع الاحتياطى النقدى لدى البنك المركزى من نحو 36 مليار دولار عام 2011 إلى أقل من 18 مليار دولار عام 2012، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير، بل ارتفع خروج الاستثمارات من مصر بشكل كبير. وقد أدت هذه المشاكل والخوف من إفلاس الاقتصاد المصرى إلى الثورة على حكم الإخوان وعزلهم من الحكم فى يوليو 2013.
وبعد التخلص من حكم الإخوان، وعزل الدكتور محمد مرسى، سارعت بعض الدول العربية إلى إعلان حزمة مساعدات عاجلة للاقتصاد المصرى، إيمانا منهم بأن قوة مصر هى قوة للعرب، وبالفعل حصلت مصر على مجموعة من المساعدات الخليجية لضخ الدماء فى شرايين الاقتصادى المصرى التى تصلبت نتيجة للمشاكل التى عرقلته عن الانطلاق نحو التنمية فى أعقاب 25 يناير 2011.
كما وضعت الحكومة المصرية خطة طموحا لتشغيل عجلة الإنتاج، فكان الإعلان عن مشروع ازدواج القناة، واشترط الرئيس عبد الفتاح السيسى أن يتم ذلك بأموال مصرية خالصة، وبالفعل استجاب الشعب لنداء الرئيس وجمع فى سبعة أيام عمل نحو 68 مليار جنيه، منها 28 مليار جنيه من خارج الجهاز المصرفى (أو من تحت البلاطة).
ورغم المساعدات المالية الخليجية الكبيرة والتى بلغت أكثر من 21 مليار دولار، ورغم حماس المصريين والأمل فى أن تسهم قناة السويس الجديدة فى تحقيق قفزة فى الاستثمار والتشغيل، فإن الاقتصاد المصرى لم يحقق هذه الانطلاقة نحو التنمية حتى الآن، حيث تشير البيانات إلى:
- ارتفاع قيمة الديون الخارجية لتصل إلى نحو 48.6 مليار دولار فى نهاية يونيو 2015، وذلك مقابل 46.1 مليار دولار فى نهاية 2014. كما ارتفعت بالتالى خدمة وأقساط هذا الدين، فقد أشارت بيانات وزارة المالية إلى أن أعباء خدمة الدين الخارجى متوسطة وطويلة الأجل بلغت 5.6 مليار دولار العام الماضى، فيما بلغت الأقساط المسددة 4.9 مليار دولار والفوائد المدفوعة بلغت نحو 700 مليون دولار سنويا، ولا شك أن هذا سيؤثر بدوره على الموازنة العامة للدولة ويقلل من حجم الإنفاق الموجه للنهوض بالاستثمار والتعليم والصحة وتحسين الخدمات الأخرى.
- انخفاض سعر صرف الجنيه بأكثر من 10% ليصل حاليا إلى نحو 7.83 جنيه مقابل الدولار الواحد، مما كان له أثر سيئ فى زيادة الأسعار، وانخفاض قدرة المواطن المصرى على توفير احتياجاته الأساسية.
- زيادة عدد المصانع المتعثرة والمتعطلة عن العمل ليصل إلى نحو أربعة آلاف مصنع فى نهاية يوليو 2015، مقابل نحو 1800 مصنعا فى نهاية يونيو 2014.
- ارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى نحو 13.6%، كما أنه غابت عن الحكومة أى خطط للاستعانة بالمورد البشرى للتنمية، بل غالبا ما يتعثر برنامج تعيين حمَلة الماجستير والدكتوراة، فما بالنا بخريجى الجامعات.
- ارتفعت قيمة الواردات المصرية بنسبة تقترب من 35% لتصل إلى نحو 72 مليار دولار فى نهاية ديسمبر 2014، بل وتشير التوقعات إلى ارتفاعها لتصل إلى نحو 84 مليار دولار فى نهاية عام 2015، وفى نفس الوقت ثبتت قيم الصادرات عند 26.3 مليار دولار.
- لم تتمكن مصر حتى الآن من تحويل التعهدات والتفاهمات التى حققتها فى مؤتمر شرم الشيخ لتنمية الاقتصاد المصرى إلى تعاقدات أو أعمال تنفيذية على الأرض، وبذلك فمن المتوقع ألا تتمكن من تحقيق معدل النمو المستهدف وهو 5%.
ولا أريد أن أسترسل فى عرض المشاكل التى يعانى منها الاقتصاد المصرى، ففى اعتقادى أنها واضحة ومعلومة للجميع، ولا شك أن تحطم الطائرة الروسية فوق شرم الشيخ خلال الأسابيع الماضية قد وجه ضربة قاسية لقطاع السياحة بعدما بدأ فى الانتعاش خلال العامين الماضيين.
ويبقى الأهم هو تقديم استراتيجية للتنمية تضمن تماسك الاقتصاد المصرى وعدم انهياره، وقد يكون من المناسب اتخاذ بعض الخطوات فى الأجل القصير وبعضها فى الأجل المتوسط، ومن أهمها ما يلى:
- اتخاذ الإجراءات التى من شأنها القضاء على حالة عدم اليقين السائدة فى الاقتصاد المصرى حاليا، فرغم تقدم الحكومة بعدة مشروعات للتنمية وعرضها على الاستثمار المحلى والأجنبى، فإن الاستجابة ضعيفة جدا، رغم ارتفاع معدلات الربح على هذه المشروعات، ويرجع السبب إلى عدم ثقة القطاع الخاص المصرى فى مناخ الاستثمار الحالى، وعدم بناء جسور الثقة بينهم وبين الحكم، خاصة بعد رفضهم الاستجابة لدعوة الرئيس للتبرع لصندوق تحيا مصر.
- العمل على حل مشاكل المصانع المتعثرة والمتوقفة، وذلك من خلال اتفاق بين هذه المصانع والقطاع المصرفى المصرى، وقد يكون من المناسب أن تدخل الحكومة كشريك أو ضامن لهذه المصانع، بحيث تمنع استيلاء هيئة التأمينات أو الكهرباء والمياه على الأموال التى قد تتوافر فى حسابات هذه المصانع كوفاء لديونها، ويمكن أن يصدر تشريع بإعفاء هذه المصانع من بعض هذه الديون أو جدولتها أو تأجيلها حتى تعود هذه المصانع للعمل.
- فتح قنوات اتصال بين الحكم والمصريين فى الخارج بغرض جذب استثماراتهم لتنمية محور قناة السويس، أو لتنمية منطقة الساحل الشمالى الغربى، أو المثلت الذهبى فى الصعيد، بما يضمن عدم خروج عوائد التنمية عن المصريين.
- وأخيرا أعتقد أنه يجب أن يتم تكليف الائتلاف الحاصل على النسبة الأكبر فى البرلمان بتشكيل الحكومة، حتى يكون هناك تنسيق كامل بين الحكومة والبرلمان والرئيس، فتشكيل حكومة من خارج هذا الائتلاف سيجعلها عرضة للنقد باستمرار، دون أن يتحمل البرلمان دوره فى الاقتراح والتشريع وتحمل المسئولية، وسوف نجد نقدا وتجريحا كثيرا للعمل والأداء، دون أن يقابله عمل أو مقترحات لتحسين وتجويد العمل.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ملف العدد(ما بعد يناير)"
 

  » 25 يناير ومحاولة تغيير المستقبل
  » إشكالية التأريخ لثورة 25 يناير2011
  » الاقتصاد المصرى بين طموحات ثورة 25 يناير ومعوقات الواقع الحالى
  » الشعب يريد
  » يناير.. الثورة اليتيمة!
  » يناير وحلقات الحُمق والجنون

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 6 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية