الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
الشعب يريد
 


أحمد أبو خنيجر


رفعت الثورة المصرية فى يناير شعارين أساسيين وما تزال تتمسك بهما حتى الآن: "عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة إجتماعية" و"الشعب يريد إسقاط النظام". ربما كان هذان الشعاران الأكثر تداولا وهتافا من بين شعارات كثيرة تم رفعها وهتفت بها حناجر وأفواه الجماهير المحتشدة فى ميادين ثورة يناير بطول البلاد وعرضها. بالطبع كانت الهتافات الأخرى حيوية وهامة فى إشعال حماس الجماهير وشدة تفاعلهم، جاءت الشعارات فى حينها مواكبة للحظة الثورية وتبعا لتطورات الأحداث المتغيرة، ولطبيعة تجاوب النظام القائم وردود أفعاله، أيضا متابعة القوى المجتمعية وانضمامها لميدان الثورة؛ وبالرغم من أهمية كل الشعارات والهتافات التى انطلقت إلا إن الشعارين ظلا بمثابة الأيقونة الخاصة بالثورة، أو الافتتاحية التى تجمع الميدان المختلط وتوحده، مرتفعة عن الانتماءات الضيقة والطموح الخاص، كانت المواجهة قاسية ولذا كان من المناسب توحيد القوى تحت شعار يعبر عنها جميعا، وليقود يوما طويلا من أيام النضال الثورية تلك.
يبقى أن الشعار الأول: عيش، حرية، كرامة إنسانية وعدالة اجتماعية. لم يكن من إنتاج الثوار فى يناير، لكنه كان قادما من جهاد القوى الوطنية طوال السنوات السابقة على اندلاع الثورة، وهو ضمن مجموعة كبيرة من المطالبات التى جرى رفعها فى وجه النظام الذى قابلها بمزيد من التجاهل والسخرية فى بعض الأحيان، كانت مجموعات كبيرة من القوى الوطنية قد تشكلت من إحساسها الخانق بدكتاتورية النظام وعدم استجابته وعدم عمله من أجل المصلحة العامة للشعب، اللهم إلا لصالح فئة قليلة تتماهى مع النظام هى الوحيدة المستفيدة منه، يمكننا أن نشير، لو قصرنا الأمر حول الحراك فى الشارع المصرى، إلى أن بدايات الشعار كانت مع حركة "كفاية" وما تبعها من حركات وتجمعات ذات طابع سياسى تهدف للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والساسية والاقتصادية على كافة الأصعدة.. لذا بدا مناسبا أن يمتد الهتاف مظللا ميادين التحرير فى كافة أرجاء البلاد؛ فلا خلاف على الإحساس الفادح الذى كان يعانيه المصريون، من انعدام كافة أشكال العدالة الاجتماعية وإنسداد الأفق السياسى، والفقر والإفقار الذى يرزح تحته أغلب المجتمع المصرى، ناهيك عن الإحساس المتدنى بكرامة المواطن المصرى داخل وخارج بلاده، يكفى فقط زيارة سريعة للمستشفيات والمدارس وأقسام الشرطة وقطارات السكك الحديدية ومقار أمن الدولة والطرق السريعة ودواوين الحكومة كى تدرك ماذا تعنية مفردة كرامة هذه، أو دعك من كل هذا وراجع فقط أرقام المصريين الذين ماتوا فى الحوادث والقطارات المشتعلة والعبَّارات المتهالكة والمسارح غير المجهزة، وراجع معها كيف تعاملت الحكومات المباركية مع تلك الحوادث وكيف عوضت مواطنيها.
لكن النظام ظل فى غطرسته وتجاهله لكافة المطالب فى ظل رغبته فى تثبيت أركان التوريث وتوطيدها لتتحول لأمر قائم، ثم ما جرى خلال الأيام الأولى من الثورة من قتل ومواجهة الثوار العزل بالرصاص الحى، فما كان أن أطلق الثوار هتافهم المدوى والأكثر خطورة: الشعب يريد إسقاط النظام.
ربما كان هذا الهتاف هو أخطر ما نادى به الثوار إبان ثورتهم، ليس ذلك بسبب أنه يعبر وبشكل واضح عن الرغبة الأكيدة فى التخلص من هذا النظام الذى جثم على صدور المصريين كل هذا الوقت من الزمن وفقط، لكنه يجعل ويؤكد من جهة أخرى أن هذه المواجهة/ الثورة هى النهائية التى لن يتم التراجع عنها إلا برحيل هذا النظام وسقوطه.
إن الإصرار الواضح فى هذا الهتاف يجعل من الثورة رغبة حقيقية فى التغيير الذى ينشده المصريون، لكن خطورة هذا النداء فيما نظن أنه أبعد بكثير من كل ما تم ذكره، فهو إن كان يحمل ذلك وأكثر لكنه فى ذات الوقت يحتوى على تناقض قاتل، ربما كشفت عنه الأيام التالية من ثورة يناير وجر عليها كافة المنعطفات والتحولات التى مرت بها حتى الآن.
قد يقول قائل إن هذا الشعار جاء طائرا على أجنحة الثورة من تونس حتى حط بميدان التحرير، قد يكون هذا صحيحا، لكن الأكثر صحة فى هذا السياق، أن الثورة التونسية السابقة فى التوقيت على الثورة المصرية قد رفعت الكثير من الشعارات بالتأكيد لم تتبناها جماهير يناير، لكنها تبنت هذا الشعار المتوافق مع أحلامها وطموحها فى تغيير وجه تاريخها والانتهاء من حقبة طويلة من الخوف والجوع والبطش الأمنى وانسداد الأفق السياسى وتردى الأوضاع الاجتماعية على كافة المستويات وكتابة لحظة فى تاريخها النضالى لانتزاع حقوقها، فكانت أن أطلقت الشعار هادرة به فيما تم التعارف عليه بجمعة الغضب فى الثامن والعشرين من يناير إبان المواجهات الحادة بين الثوار وقوات الشرطة.
ورغم صدق الشعار وقوته وتعبيره الصريح عن الرغبة فى التحرر من كافة أشكال السلطة القائمة لكنه فى ظنى مفارق لحقيقة الوضع على الأرض، ليس هذا وفقط بل يحتوى على جملة من التناقضات تجعله أبعد ما يكون عن الفعل الثورى والرغبة الصادقة فى التغيير؛ وقبل الكشف عن بعض هذه التناقضات، على أن أؤكد هنا أن هذه القراءة وهى مشروعة بكل تأكيد، لم ولن يكون فى نيتها انتقاص قدر ما جرى فى الثورة المصرية، بل العكس هو الصحيح، إذ يرى كاتب هذه السطور أن ما جرى فى يناير هو أنبل ما قام به المصريون فى تاريخهم الحديث، بل ودفع العالم بأكمله لأن يقف تحية لهذا الشعب تقديرا وإجلالا لما صنعه، لذا فإن هذه القراءة تنطلق فى محاولة من صاحبها تبين ما جرى بقدر من التأمل الهادئ البعيد عن الحماسة والتشنجات السياسية، بالأحرى فهذه القراءة هى قراءة ثقافية فى أحوال الثورة المصرية وما كشفت عنه، ثم محاولة تتبع المسارات التى سارت فيها وأفضت بها إلى نتائج قد تكون غير مرضية للكثير من ثوار يناير، ربما وقتها كان الحماس والأمل والطموح غير سامحين بهذا التحليل لما تحويه اللحظة من تفاعلات وانفعالات طوال الثمانية عشر يوما داخل ميادين التحرير، والآن وبعد مرور سنوات على ما جرى وتكشف كثير من الأوراق والمعلومات، والعودة من جانبى لقراءة التاريخ المصرى مرة ثانية، وقراءة تاريخ الثورات العالمية هو ما دفعنى لإعادة فعل القراءة هذا، محاولا التمسك بالموضوعية قدر الإمكان، حتى وإن كان ما سوف تخلص له هذه القراءة غير مرضٍ للبعض، أو ليس على هواهم، فقط ما يهمنى هو فهم ما جرى وتبين أوضاعنا الحقيقية دون تزييف أو عوار، ذلك أن أسباب الأزمة أعمق كثيرا مما يتم تداوله بكثير من التساهل والسطحية، الأمر الذى يجعل من حالتنا حالة ميئوس من إصلاحها، ومن ثم النهوض، لتقوم مصر بدورها الرائد الذى تخلت عنه لزمن طويل.
يتم تعريف الشعب على أنه مجموعة متجانسة من البشر لديها من التاريخ المشترك والأحلام والتطلعات والمصالح المتقاربة، تشترك فى عدد من السمات كاللغة والوعى المتقارب والتكوين الثقافى المتشابه، وهو ما يجعل ميولها وطرق تكوينها شديدة التقارب، أسوق هذا التعريف والتحديد التجميعى لأسائل الشعار والهتاف الرئيس الذى تم رفعه وتبنيه فى ثورة الخامس والعشرين من يناير: الشعب يريد إسقاط النظام. فكما يقول أهل المنطق إن المقدمات الدقيقة والصحيحة تؤدى لنتائج صحيحة ومنضبطة، وأن أى عوار تنبنى عليه المقولة فى صياغتها سيؤدى بالضرورة لنتائج مشوشة ومغلوطة فى معظم الأحيان، وبهذا المنطق علينا أن نتساءل هل كانت مجموعة البشر الهادرة فى ميادين الثورة بامتداد مصر كلها تمثل هذه الوحدة من الشعب بما يسوقه التعريف، بمعنى آخر هل كانت التجمعات البشرية  فى الميادين لديها من الأحلام والطموحات والتاريخ والوعى واللغة ما هو يقارب بينها بحيث يجعلها كتلة متجانسة ذات مصالح محددة.
قبل أن أجيب على هذا التساؤل دعونا نستعرض طبيعة التجمعات الموجودة داخل الميادين، بنظرة مدققة وفاحصة يمكن تقسيم الجماعات البشرية حسب توجهاتها إلى ثلاث تكوينات، نستطيع فى ضوء ما جرى من أحداث وتوصيفات لاحقة على الثمانية عشرة يوما أن نصفها كالتالى: جماعات ذات توجه مدنى، وجماعات ذات توجه دينى، وأخيرا وهى الأغليبة دون توجهات غالبا يغلب عليها الانفعال والعفوية، هذه التجمعات تمثل الأولى نسبة عشرين فى المائة ومثلها التجمعات الثانية بينما الغالبية التى تمثل ستين فى المائة التى أطلق عليها فيما بعد حزب الكنبة وغيرها من الأسماء، وأيا ما كان الأمر فإن تلك التوجهات وعدمها يجعلها تصيب الشعار الأساسى فى مقتل، ذلك أنها تنفى عن تلك التجمعات صفة الشعب المتجانس الهوية والتوجه، وهو ما سوف تنعكس نتائجه الخطيرة والمروعة نتيجة لاختلاف التوجهات والرؤى ومن ثم المصالح لكل توجه، فحين يبدو فى الأفق ملامح لسقوط النظام(؟!) حتى تظهر هذه الانقسامات المروعة التى ستصل لذروتها بالتهديد فى التقاتل الأهلى، لكن دعونا لا نستبق النتائج ونواصل القراءة الهادئة للشعار والهتاف الرئيس ونرى ما يحمله من تناقضات حادة فيما يعلنه وفى حقيقة ما هو موجود على أرض الثورة.
لن نتوقف هنا عند لفظة "يريد" رغم ما تنطوى عليه من دلالات فقط سوف نرجئها قليلا ونذهب للشق الثانى من الهتاف: إسقاط النظام. فإذا أردنا مثلا هدم بيتنا القديم المتهالك والذى لم يعد صالحا للسكنى وإقامة حياة آدمية به، وذلك من أجل بناء منزل حديث يكفل لنا العيش بين جنباته فى أمان ويحفظ حياتنا الإنسانية وكرامتها بما يليق بها من تبجيل وتقدير وغير ذلك من الأمور، إذا أرنا ذلك فعلينا قبل أن نشرع فى الهدم أن يكون لدينا مخطط لهذا البناء الجديد يحتوى على كافة التفصيلات التى نرغب فى وجودها داخل البيت الجديد، السؤال الآن وبنفس طريقة الهتاف والشعار: هل كان الثوار والجماعات الثورية تلك تمتلك نظاما بديلا، أو على الأقل تصورا للنظام الجديد الذى تريد إقامته حال سقوط النظام القديم المتهالك حتى تشرع مباشرة فى إقامته؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعود للتقسيمات الموجودة داخل الميدان، وإذا نحينا منها هنا الجماعة الثالثة/ حزب الكنبة، مع ما فى ذلك من خطورة وعوار وهو ما سوف نتناوله لاحقا، سنلمح التيارين المتجاذبين، المدنى والدينى،  وعلينا أن نسائلهما: هل كان لديهم تصور لنظام بديل للنظام القائم؟ وما هى ملامح تلك النظم، بالطبع سيجيبك البعض أنه بالفعل لديه نظام، فهل هذا صحيح؟ وهل هناك اتفاق بين التوجهين، أو كل توجه على نظام بعينه؟
المقصود بالنظام هنا هو طرق وآليات الحكم والنظام الاقتصادى والسياسى والاجتماعى وطبيعة الدولة والحكومة ونظم الانتخابات والتشريعات ووضع المرأة وحقوق الأفراد والأقليات والحريات الفردية والعامة وحقوق الإنسان وغير ذلك من التفصيلات، هنا ستجد التباينات الحادة فى كل مجموعة، ففى المجموعة ذات التوجه المدنى على سبيل المثال ستجد الاختلافات بين نظام رأسمالى ونظام اشتراكى أو ليبرالية معتدلة أو ليبرالية ترفع من شأن السوق، بين دولة برلمانية ذات رئاسة محدودة، أو رئاسية بسلطات محدودة للحكومة والمجالس النيابية والتشريعية، أو رئاسية مختلطة وغير ذلك من التصورات؛ والأمر ذاته ستجده لدى المجموعة ذات التوجه الدينى، حيث تجد الاختلافات على أشدها بين الإخوان المسلمين والسلفيين والجماعات الإسلامية المتشددة فى تصور الدولة، بعيدا عن التصورات المثالية التى لن تتعدى فكرة الخلافة الإسلامية دون برامج واضحة ومحددة لكيفية إدارة البلاد ومصالح العباد؛ هذا إن وجد لدى لكل الأطراف تصور واضح ودقيق لشكل الدولة والنظام الذى يديرها.
بالطبع هذه التصورات قد يكون بعضها تم طرحه خلال الأيام الأخيرة من الثمانية عشر يوما، وإن كان بشكل غير معلن بين كل جماعة على حدة حينما رأت الجماهير الهادرة فى الميادين ترنح النظام بعد موقعة الجمل، لكن هذا لم يخرج للعلن والنقاش حوله داخل الميادين وغيرها من التجمعات القريبة من الميدان، وكأنما الثمرة أصبحت دانية من كل جماعة، فبدا حوراها مع أى جماعة أخرى هو نوع من العبث لا طائل منه وإضاعة للوقت لا أكثر.
إشكاليات التصورات المطروحة وقتها أنها آتية من الماضى والتجارب البعيدة، مدنية كانت أو دينية، وليست وليدة اللحظة الثورية والحالة المصرية بكل تركيباتها وتعقيداتها المفرطة؛ فبينما الجماهير المصرية كانت تخط خطا جديدا فى التاريخ الإنسانى للثورات وتقدم نموذجا فريدا يجرى لأول مرة فى التاريخ البشرى، لا يمكن هذا الفعل أن يرتد ويعود للأخذ بالنظم القديمة السابقة عليه، كانت طبيعة الفعل تقتضى تفكيرا فى نظام جديد وغير مسبوق يتوافق مع الحالة المصرية بكل إشكالياتها ووضعها وتطلعات أبنائها وأحلامهم، وليس الكلام هنا عن اختراع العجلة لكن عن الأمل الذى كنت تراه فى عيون المصريين وقتها والأفق الواسع العريض الذى انفتحت أبوابه أمام الملايين للنهوض ببلادهم وتقديم نموذج جديد يمكن نقله عنهم فيما بعد.
سيبقى لنا هنا أن ننظر ببعض من السرعة للكتلة الأكبر فى الميادين والتى تمثل نسبة الستين فى المائة كما أشرنا من قبل، وهى الكتلة العاطفية أو الانفعالية فى أفعالها وخروجها بحثا عن أفق جديد، هذه الكلتة التى خرجت تحت ضغط الفقر وبطش السلطات الأمنية والشرطية وتعاملها غير الآدمى مع الأفراد والبطالة والعنوسة والأوضاع الاجتماعية المتردية، يقينا كان يعنيها قدوم نظام جديد، أى نظام، يقضى على كل ما تعانيه وتقاسى منه، ليس مهما نوع النظام طالما سيحقق لها ما تصبو إليه، وتتطلع نحوه فى الغد القريب؛ هذه الجماعة بوعيها السياسى المتدنى أو المنعدم عند كثير من أفرادها، وهذا ليس إدانة لها، فالغرض هنا ليس إدانة الأطراف بقدر ما هو تبين وإعادة قراءة لما جرى، هذه الجماعة هى أول من سينصرف عن الميدان عقب إعلان مبارك تنحيه عن السلطة وستعاود القدوم فى اليوم التالى الثانى عشر من فبراير للاحتفال بنجاح ثورتها وسقوط النظام، وإن كان من حقها أن تفرح برحيل رأس النظام فهل كان وعيها فى تلك اللحظة يعنى أن النظام برمته قد سقط، هذا عنها فما بال الوعى لدى الكتلتين الدينية والمدنية اللتين دعاهما للاحتفال أيضا فى نفس اليوم ليس هذا وفقط بل الانصراف عن الميادين وكأنما برحيل مبارك قد سقط النظام فعليا.
"ها قد فعلها المصريون"، "إن المصريين يعلموننا مرة أخرى" هكذا انطلقت ردود الفعل فى العالم حول ما قام به المصريون فى الخامس والعشرين من يناير، ليس انبهارا بما جرى وفقط بل تقديرا وإدراكا حقيقيا لطبيعة الفعل والنموذج الجديد الذى يضربه المصريون للفعل الثورى، فتاريخ الثورات عبر العالم يخبرنا بتجارب عنيفة ودموية صبغت الثورات السابقة، فما بين الثورات التى قادها العسكريون والتى قامت بها الجماهير الغاضبة ضد السلطات الغاشمة كلها كانت تتميز بسمة العنف والتخريب والدموية الشديدة؛ يمكننا هنا أن نراجع ما جرى فى الثورات الفرنسية والبلشفية وثورات التحرر فى أمريكا اللاتينية وغيرها من بلدان العالم فى العصور الحديثة أو حتى عبر العصور القديمة.
إن الفعل العظيم لا يأتى إلا من الشعوب العريقة بتحضرها وإرثها العميق ومكوناته، لذا كان نزول الجماهير واعتصامهم بالميادين فقط دون استخدام العنف ورفع السلاح فعلا جديدا يقدم لأول مرة فى التاريخ البشرى، وينظر له العالم بعين التقدير والاعتبار لشعب ظن كثيرون أنه قد أصبح عجوزا وقد تراكمت عليه السنون والهموم وأصبح غير قادر على الفعل والحركة؛ لذا جاء الفعل صادما ومبهرا فى آن، وهو ما قامت بعض الحركات بتقليده والحذو خذوه فى كثير من ميادين العالم.
هذا الفعل المفارق لكل ما سبقه من تحركات ثورية وجماهرية كان يستتبع التفكير فى المستقبل بشكل مختلف عن كل ما سبق من تجارب، فعل يرتبط بالحلم وطبيعة التربة المنتجه له ليس بعيدا عنها أو تم تجربته فى تربة أخرى فى ظل ظروف بيئية مختلفة فى التكوين والوعى والثقافة، وهو ما لم يتحقق، فكما قلنا إن الكتل الموجودة فى الميادين كانت تفكر فى المستقبل بعقلية مشدودة للماضى، فى كل التصورات التى بدأ تداولها فى الأيام الأخيرة من الثورة وما تلاها من فعل يؤكد أن كل الأفكار كانت ماضوية وهمها المستقبل، لا يمكن لك أن تسير للأمام وأنت تنظر للخلف، فهذا الفعل المخالف للطبيعة هو ما يجعلك تسقط فى الخطوة التالية، ربما كانت لدى الشباب الآتى من فضاء وتكوين ووعى مختلف بعض الطروحات التى كان همها المستقبل متخلصة نسبيا من الإرث الثقيل للماضى وسطوة حضوره وهيمنته على اللحظة وتمدده فى المستقبل، لكن هذه الأصوات خافتة وقليلة وقد تكفل الضجيج العام بالتعتيم عليها، فضاعت وسط الهدير العارم الذى عم البلاد عقب الحادى عشر من فبراير.
سادت فى تلك الفترة بعض الأسئلة القديمة التى تحاول محاكمة الفعل الذى جرى بمنطق الوعى الماضى، ورغم أن السخرية فى ذلك تكشف عن وعى غير قادر على مواكبة الحدث الثورى والنظر له بعيدا عن كل المقولات التى أطرت وأرخت للثورات فى الماضى، من تلك الأسئلة سؤال تردد كثيرا وقد تجد البعض يردده الآن على أنه واحد من أسباب فشل الثورة وإن لم يكن أهمها، والسؤال هو: من قائد الثورة؟ وهو ما سوف تجيب عليه كثيرًا الانقسامات والتحالفات والائتلافات فيما بعد، الذى لن يفضى إلى شىء، سوى مزيد من الانقسام والاختلاف، فبينما عبقرية اللحظة التى قالت بالفعل الجماعى فى الميادين، دون قادة ومنظرين بعينهم، أى أن الإجابة عن السؤال تكمن فى مفارقة التصور القديم للفعل الثورى، إلا أن الجميع كان يريد رده وتكبيله والتفكير فيه بالتصورات القديمة وبالتالى من السهل محاكمته والانتقاص من قدر الفعل العظيم ومن ثم إسقاط فعل الثورية عن الميادين، كانت اللحظة تستدعى وعيا جديدا ومغايرا، فالثورة فى واحد من أفعالها هى ثورة على الأفكار والتصورات المستقرة والثابتة، خلخلة منظومة الأفكار السائدة، ومحاولة خلق وزرع أفكار جديدة ناتجة من اللحظة ومساوية لها فى القدر والطموح، ومن ثم يعود السؤال ويصبح من إرث الماضى الفكرى الذى يجب تجاوزه، لكن هذا لم يحدث بسبب الوعى القديم والمخلص للماضى المسيطر على الجميع إلا قليلا منهم، وأيضا بسبب مناطق الوعى القادم منها الكتل الثلاث المتحركة فى ميادين الثورة.

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ملف العدد(ما بعد يناير)"
 

  » 25 يناير ومحاولة تغيير المستقبل
  » إشكالية التأريخ لثورة 25 يناير2011
  » الاقتصاد المصرى بين طموحات ثورة 25 يناير ومعوقات الواقع الحالى
  » الشعب يريد
  » يناير.. الثورة اليتيمة!
  » يناير وحلقات الحُمق والجنون

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 6 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية