الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
يناير.. الثورة اليتيمة!
 


محمود الحلوانى

 
"اللى له ضهر ما ينضربش على بطنه.. طب واللى مالوش؟"
على بعد خطوات قليلة من ميدان التحرير، أيقونة الثورة المصرية، الذى أظنه لا يزال يحتفظ فى ذاكرته بقسمات ذلك الحلم الذى عاشه المصريون خلال 18 يوما، منذ قيام الثورة فى 25 يناير وحتى تنحى مبارك. الميدان الذى أظنه لم ولن ينسى دماء الشهداء، كما أثق فى أنه أودعها مكانا حميما جدا فى قلبه، وضم عليها جناحيه، فى أسى، مقاوما تلك المحاولات الكثيرة التى بذلت، ولاتزال تبذل، لمحوها من الذاكرة ومن التاريخ، ذلك الشاهد العدل الذى لا يحتاج إلى قسمٍ بالله العظيم، أمام قاضٍ، بأنه سيقول الحق.
على بعد خطوات قليلة من هذا الميدان، بالذات، يقدم البيت الفنى للمسرح، التابع للدولة، عرضا مسرحيا بعنوان "غيبوبة"، موضوع العرض هو ثورة يناير؛ وهو يرى أنها أصابت المواطن المصرى بحالة غيبوبة، لم يفق منها إلا فى 30/ 6.
وجهة نظر العرض يبثها، منفردا، ذلك المواطن، الذى اكتسب أفضليته على الجميع من كونه الوحيد الذى لم يشارك فى الأحداث، لم تتلوث يداه بالثورة (!)، ومن ثم فقد حق له أن يوزع تهم الخيانة والعمالة والإرهاب على جميع من شاركوا فيها، من موقع المواطن الوحيد الشريف، والوطنى المخلص الحريص على بلده (!).
لم يقدم العرض نموذجا واحدا لديه ما يبرر خروجه، كما لم ير دافعا واحدا يبرر الثورة.
لم يخرج أحد من الشعب الحقيقى إلى الميادين، لأن الشعب ببساطة كان يمثله ذلك المواطن الشريف، الذى أضير؛ من حيث لا ناقة له ولا جمل (!)
لم يرَ العرض ممن خرجوا سوى جماعة الإخوان (الإرهابية) وجماعة 6 أبريل (التخريبية، الممولة من الخارج) كما لم ينسَ أن أمريكا هى المحرك الخفى لهؤلاء المتآمرين، إضافة لبعض دويلات أخرى، ذُكر اسمها فى (صحيفة الاتهام) المسرحية، وهناك أيضا (نشتاء حكوك الإنسان). وحتى لا يترك العرض من السيناريو المعتمد شيئا، فقد احتفظ لجمهور الأهلى والزمالك (الأولتراس) بنصيبهما المقدر والمعروف من الاتهام بالتوظيف السياسى،  مقابل أموال يتلقونها، وإن كانت هزيلة.
وكأنى أسمع العرض يتساءل مندهشا: لماذا لم يفكر من خرجوا إلى الميدان- إن افترضنا براءتهم- كما فكر هذا المواطن الشريف؟! أن يتركوا البلد بعد أن ضاقت بهم وعليهم، ويا دار ما دخلك شر، وهو خيار هذا المواطن، وما كان مقدما عليه، قبل أن تصيبه الطلقة الطائشة التى أدخلته الغيبوبة، القادمة من ناحية الميدان، بينما كان فى طريقه إلى مجمَّع التحرير، لاستخراج أوراق سفر أو هجرة؟!
لم يشغل العرض نفسه بالسؤال عمن أطلق تلك الرصاصة، وغيرها من الرصاصات التى أسالت دماء الشهداء، بل شغل نفسه بتقديم الإجابات: لاشك أنهم قتلوا أنفسهم، فى حمى الصراع فيما بينهم على السلطة، والتآمر لصالح جهات أجنبية مختلفة.
العرض تم تقديمه على مسرح السلام، بعد أن انتهى من جولته المظفرة فى العاصمة الثانية، الإسكندرية، وبعد أن عاد من فتحه المؤزر فى أسوان، التى ذهب إليها مندوبا عن وزارة الثقافة المصرية، لتصحيح مفاهيم أولادنا، فى جنوب الوادى،  وتنويرهم، وذلك ضمن فعاليات المشروع القومى الرائد الذى سهرت عليه الوزارة، حتى أبدعته، وشاركت فيه كل أجهزتها، والذى حمل اسم: "صيف ولادنا"!
ما قدمه العرض ليس جديدا، كما تعلمون، فهو عين ما نسمعه من شاشاتنا الوطنية العميقة، وفرسانها الذين انفردوا بآذاننا، وهاتك يا تخوين، حتى أن أحدهم قال: اللى هاسمعه يقول على يناير دى ثورة هاضربه بالجزمه.
وعايزِّنى أكسبها!

ياروح ما بعدك روح.. وانا روحى وجعانى
فى ظنى، لم تراهن ما تسمى بالدولة العميقة على شىء لاستعادة نظامها الذى طارت رأسه فى يناير 2011، مثلما راهنت على نسختها السلطوية، المصغرة، التى صنعتها على عينها، من تشكيلات من النخب الثقافية والسياسية، المنتقاة بعناية من أرزقية وأفندية البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، وقد اطمأنت تماما إلى أن هذه "البرتيتة" قد التهم أفرادها الطعوم الكثيرة التى أُلقيت إليهم على مدى طويل، ولا يزالون يطلبون المزيد، كما تيقنت من أنهم "أُشربوا فى قلوبهم العجلَ"، وأدمنوا أكل السحت، ولم يعودوا يقوون على العيش بدون (المعلوم) من الرشاوى المتفاوتة الأحجام والمقاسات، من وجاهات، ووظائف ومراتب ومناصب وسلطان، تلك التى لم تتوانَ السلطة تلو الأخرى عن تقديمها إليهم، وفقا لقانون الحظيرة، واتباعا للقواعد المنظمة له والتى تنص فى ديباجتها الافتتاحية على أن: "كل برغوت على قد دمه".
يعرف النظام تلو الآخر جيدا أنه لم يعد ممكنا أن تقطع تلك النخب، وقد ارتاحت معيشتها، ما بينها وبينه من روابط مقدسة، وأنه سيهون فى أعينها كل شىء فى مقابل ألا تُمَس حصصها من (المعلوم).
لم يعد ممكنا، بعد أن قدم "السبت" أن تبخل هذه العصافير المغردة فى سماء الوطن بـ"الأحد"، وأكاد أسمع لسان حالها يقول: حقَّه، دى كانت تبقى عيبه، والناس ياكلوا وشنا.
نجحت الأنظمة السابقة، منذ خمسينيات القرن الماضى، مستفيدة من ناتج الحراك الاجتماعى، الذى كان عماده التوسع فى التعليم، فى أن تستولد من رحمها نسخة أقرب إليها، تشبهها تماما، لتؤنس وحدتها فى عزلتها القاتلة، ولتحميها عند اللزوم من (الهمج) الذين يقبعون هناك فى أدنى السلم، قوامها من "المتعلمين، واللى بيعرفوا يقولوا كلام يهز القلب" أولئك الذين يهمهم فى المقام الأول حتى العاشر الحفاظ على (المعلوم) من مكتسباتهم، وصيانته، وتنميته، وهو المسموح به لهم طبعا، فى مقابل دعم أصحاب العطايا ومساندتهم والوقوف معهم فى الضراء ـ لا قدر الله طبعا ـ قبل السراء.
كلٌ يدعم على قدر موهبته، وعلى قدر ما يأخذ، وهى قسمة عادلة تماما تجعلهم ينامون لياليهم قريرى الأعين، مسدودى الأنف والأذن والحنجرة.
يسُمح -بالطبع- لفئة من هؤلاء بقلبِ خِلَقِهِم، واتخاذ سِحن المعارضين، ووضع صورهم العابسة تلك على صدور مقالاتهم فى الجريدة، وفوق مكاتبهم فى الوزارة، والهيئة، والمؤسسة، والمجلس؛ حيث تشيع تلك الصور جوا ديمقراطيا محببا يمكن المباهاة به؛ كما تُظهر السلطة كقديسة تتلقى طعنات الأنذال مفتوحة الصدر، إضافة إلى أنها تحتفظ لأولى النعمة ببعض أوراق اللعبة معمَّاة، يديرون بها العجلة، فى الاتجاه نفسه، ولكن فى شىء من الخفاء الذى يحتاجونه ـ أحيانا ـ كما يحتاجون (المطبلاتية والمخوناتية) الأقحاح، ومكشوفى الأوجه.
لا غضاضة إذن فى أن تغض الأنظمة الطرف، وتعمل ودن من طين وودن من عجين، عن جشع هؤلاء وتجاوزاتهم، وتلاعبهم بأى قيمة من أجل أن يحصلوا على المزيد من الأرباح التى توفرها لهم المناصب والوجاهات المختلفة، وما يديرونه من أعمال على سبيل (الفنتازية المعاصرة) وربما شاركت بنفسها فى سن القوانين الملزمة التى تسهل لهم ذلك على قفا أى مواثيق شرف وأى كلام عن العدالة، والتكافؤ والتنافس والشفافية، وما إلى ذلك من كلام- فى عرفها- لا يودى ولا يجيب.
هذه النسخة المصغرة، والتى صنعتها الأنظمة على عينها، ليس من مصلحتها حدوث أى تغيير حقيقى، وهى التى تحيى وتميت وتعز وتذل- بالنيابة- وأى تغيير حقيقى بالتأكيد سيوسع المجال أمام غيرها، ويتيح الفرص أمام (الهمج) للمشاركة فى الكعكة، الأمر الذى بالتأكيد سيقلل أنصبتها من (المعلوم) وقد يحرمها تماما من الكعكة التى قد لا تستحقها. فلماذا إذن تدافع أو تدعم أى مسعى، خارج الدائرة، من مساعى التغيير!؟
لا، ليست أخلاق القبيلة هى التى تسود هنا. فى القبيلة يتساندون على بعضهم البعض، ويقدرون عوائلهم وقراباتهم، وجيراتهم، وأصدقاءهم، ويرفعونهم على ما عداهم ويميزونهم، وفى ذلك أضعف الإيمان، بينما ما تتحلى به هذه النسخة المصنوعة هو أخلاق اللصوص، قانونهم: أنا وبعدى الطوفان، وإن اتسعت (المصلحة) لآخر، وكان على أن أختار، فسأختار الأقل كفاءة الذى لا يمكنه تهديد موقعى،  أو القوى الذى يضمن لى هذا الموقع، أو المحتمل أن تزيد معه فرص حصولى على (المعلوم).
لا بد إذن، من أجل البقاء والاستمرار، من أن يلجأ هؤلاء إلى "تقييف" كل فضاء، وتزييف كل خطاب، وحشو كل فراغ، وتفريغ كل ممتلئ، والإيهام بما ليس مهما، والتهويم على كل مهم، حتى يخلو الفضاء العام من أية فعالية اجتماعية أو ثقافية أو سياسية حقيقية، والسبيل الوحيد هو أن يبقى الوضع على ما هو عليه، وعلى المتضرر أن يشرب من كيعانه.
- وعايزِّنى أكسبها!

من كان منكم بلا خطيئة
ومن موقعى هذا أعلن أنه: ليس من حقى،  كما ليس من حق أحد كان، توجيه اللوم لأى نظام من تلك النظم التى جاءت قبل الثورة، والتى جاءت بعدها كذلك، ولا اتهامها بشىء: "فمن كان منَّا بلا خطيئة فليرمها بحجر"، ثم يا أخى:
- "لا تعايرنى ولا أعايرك، الهم- سيادتك- طايلنى وطايلك".
على إذن أن أقدم اعتذارى،  وأطلب السماح.
لم لا؟ وأنا -بالفعل- أمارس فى نسختى الصغيرة، ما تفعله حكومتى فى نسختها الكبيرة. أمارس سلطاتى بنفس الآليات التى ورثتها عنها كابر عن كابر، وفاسد عن فاسد.
فى أسرتى وأنا الأب والزوج، فى مكتبى وأنا المدير، فى جريدتى وأنا رئيس التحرير، وأنا مسئول الصفحة أو الباب، فى مؤسستى،  على شاشتى،  فى فضائى الذى أتحرك فيه.. ومثلها تماما أدافع عن حكمتى وبصيرتى. ومع ذلك تظل هى أحسن منى،  وأكثر اتساقا. فهى لم تقرأ شيئا عن المدينة الفاضلة، ولا عن الحق والخير والجمال. لم تكتب عنهم، ولم تدبج الأناشيد والخطب.
لم تحلم فى يوم من الأيام بعالم أجمل، كانت قد سكنته يوما فيما تستمع إلى قطعة موسيقى، أو تقرأ قصيدة أو رواية، أو تهتز خلجاتها لمشهد مؤثر على خشبة مسرح، أو أمام مشهد فى فيلم.. أنا من يمارس هذه الأعمال ليل نهار، ويحترفها، ثم ينقلب عليها ويخونها بمجرد أن تلوح الجزرة.
وعايزِّنى أكسبها!

"معذرة يا صحاب.. قلبى حزين من أين آتى بالكلام الفرح"
هل كان الأمر سيتغير لو استغل (مرشحو الثورة) الفرصة التى سنحت أمامهم، للفوز بالمقعد الرئاسى، فى انتخابات 2012؟
لو كانوا قد استجابوا لنداءات التوحد والاصطفاف وراء مرشح واحد من بينهم، يتوافقون عليه، ويمنحونه ثقتهم وأصواتهم، ليخوض الانتخابات ممثلا للثورة، كما يتوافقون على فريق رئاسى منهم يدير الدفة.. تلك النداءات التى كانت قد أطلقت فى الفضاء العام وقتها، مخافة أن تتفتت الأصوات فيما بينهم، فتسقط ثمرة الثورة فى حجر مرسى أو شفيق؟
دعك من أنهم فشلوا فى هذا الاختبار الوجودى الأبرز، وبرهنوا بفشلهم على أمراض نخبنا المصرية المزمنة، وأعادونا إلى النفق المظلم الذى لا يعلم إلا الله وحده متى سنخرج منه، وكيف.
هل كان يمكن لو نجحوا فى قيادة سفينة الوطن أن يحدثوا التغيير المنشود؟ أم أنهم كانوا سيوَاجَهون بتلك النسخة السلطوية الصلبة، التى كانت سترفض التغيير، وتحارب من أجل الحفاظ على مصالحها- باسم الثورة أيضا- فيُضطَرون إلى الإبقاء عليها فى مواقعها، أو إلى إعادة تدويرها، من أجل أن تدور العجلة، مع إجراء بعض التغييرات على اللافتة والشعار؟
هل لو جاء ملاك من السماء سيستطيع؟

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ملف العدد(ما بعد يناير)"
 

  » 25 يناير ومحاولة تغيير المستقبل
  » إشكالية التأريخ لثورة 25 يناير2011
  » الاقتصاد المصرى بين طموحات ثورة 25 يناير ومعوقات الواقع الحالى
  » الشعب يريد
  » يناير.. الثورة اليتيمة!
  » يناير وحلقات الحُمق والجنون

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 6 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية