الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 305 - فبراير 2016 - رئيس مجلس الإدارة: د. محمد أبوالفضل بدران - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
يناير وحلقات الحُمق والجنون
 


بسمة عبد العزيز


بعض الأنظمة ينقلب بمرور الوقت غاشمًا مُستبِدًا، وبعضها يُولَد هكذا، وعادة الأنظمة التى تفقد شرعيتها وشعبيتها أن تلجأ إلى اتخاذ تدابير مُوغِلة فى العنف، وأن تدقّ بقبضة شرسة أعناق المتمردين عليها كى تُعيد بَسط سيطرتها على الجماهير. تستدعى أدوات القمع وتُجَوِّدها، تعلن أمارات وحشيتها فى وجه كل مُعارِض، وتمارس ألوانًا مِن الاضطهاد، تحذف مِن الوجود كل صوت مُغاير، بحيث يصبح الخوف سيدًا مُطاعًا، ويستقر بناءُ القهر صلبًا مُحكَمًا.
لا ينكر أحد –سوى النظام القائم بالطبع- أن الحراك الثورى الذى بدأ فى يناير عام ألفين وأحد عشر، والذى انبثق عنه فيضٌ مِن التحدى لكل أوجه السُلطة، قد انتهى اليوم إلى واقع نقيض، يتغوَّل فيه الحاكم، ويتقاطر المعتقلون تباعًا، وتتضاعف أعدادُ المختفين، وتتشكل صورة المستقبل خاضعًا للأصفاد والقيود.
يبدو المشهد الراهن قريبَ الشبه بما كان عليه فى كنف أنظمة سابقة، لكنه فى الوقت ذاته يلوح مُفتقِرًا إلى الحنكة والاتزان بشكل كبير، إذ هو يعتمد على حِزمة مِن الإجراءات الخارجة عن حدود الفكر المتزن والعقل الرشيد، لا ترقى بالنظام إلى مستويات الأنظمة الدكتاتورية العريقة، بل تنقله إلى خانة كبار المضحكين، حيث تستوى تدابيره وأفعاله مَبعثًا على طوفان مِن السُخرية المريرة. بين أحضان الفاشية المأفونة التى تصطبغ بها عديد القرارات والتصريحات الرسمية، والتى تفتقِر إلى إطارٍ منطقى مُتماسِك، يصبح التزام السُلطة بالقانون أمرًا "مُعوقًا" للعدالة الناجزة، كما يغدو المقرّ الرئيس للطامحين إلى تحقيق أحلام العدالة والحرية هو زنزانة فى أحد السجون. ثوار بداية العام، الذين حملوا على كفوفهم تطلعات رومانسية مسالمة حول مسألة التغيير، يتم التخلُّص منهم واحدًا بعد الآخر، وواحدة بعد الأخرى، فى لقطات عبثية مُكثفة، لا يجرؤ على ابتداعها أعظم المتفكهين.

حول الخطاب
يمكن النظر إلى خطاب مؤسسة الحُكم الداعم فى ظاهره للحُريات، والمتباهى على الملأ بهوامش تعبير فسيحة وغير مسبوقة، بكثير مِن الدهشة والفضول إذ يقابله على الجانب الآخر ما ينفيه شكلا وموضوعًا. كثير مِن النشطاء الذين أسهموا بشكل فعال فى ثورة يناير، وعشرات بل ومئات الصحافيين والطلاب يجرى احتجازهم، لا لجرائم ارتكبوها بل على خلفية قضايا رأى، واتهامات مُتعلِقة بالنشر وباحتجاجات سِلمية اتخذت صورًا شتّى، ويكفى التطلُّع إلى هيئة شاب صغير لم يتجاوز العشرين مِن العمر، يقضى أيامه مسجونًا لأنه ارتدى قميصًا كُتِبَت عليه عبارة: "وطن بلا تعذيب"، فغدا مصيره ومصير ذويه عذابًا متواصلا لسنوات متتالية؛ يكفى النظر إليه حتى يدرك المرء مدى التواء الطريق، ويكفى مُتابعة مسار التنكيل الذى حاق به حتى يمكن التأكد مِن جنون الانفصال بين الخطاب والواقع.
يناير مؤامرة. فكرة تتسلل مع الهواء الذى نتنفسه، ويجرى خلطها بالماء والطعام، ورغم أن السُلطة لا تنفك تؤكد العكس، فإن أفعالها ترسّخ هذه الفكرة وتداعياتها؛ توارى الينايريّون مِن المشهد العام، أو هم أُرغِموا على التوارى؛ بعضهم قابع فى غياهب السجون، وبعضهم تعرَّضَ لحملات تشويه ووَصم أقصته عن ساحة العمل السياسى، وألقت به فى جُبِّ العِمالة وسوء القصد والتخوين، وقد آثر بعضٌ آخر السلامة فصَمتَ، أو فضَّل الرحيل، وأغلق عينيه دون حُلم الكرامة الذى خبا وانطفأ، خَجِلا مِن مآل أصحابه. كلّ مَن ليس مع النظام هو مِن جماعة الإخوان المسلمين، وكل مَن هو إخوان إرهابى، وكل مَن هو إرهابى يستحق التصفية المباشرة دون محاكمة، تلك هى متوالية أخرى صارت مِن المُسلَّمات الجنونية التى يتم تطبيقها بحماسة، وكثير مِن ضحاياها يمثلون هؤلاء الذين ما انفكوا عن يناير باحثين. قُبيل كلّ ذِكرى تخرج السُلطة مُحذرة مِن أية نية للاحتفاء، أو لاستعادة روح الثورة الينايرية، تزعق بخطاب يفتقر إلى الحدود الدنيا مِن رجاحة العقل وحصافة التدبير، وتصل بمُغالاتها فى التخويف والترهيب إلى حدّ إطلاق التهديدات بضرب الرصاص الحى على أعين قِدامى الثائرين البائسين.

السعى لإعادة إنتاج الماضى
يتمثل النظام تاريخًا مرَّ وانقضى، ويحاول تقمُّص روح مرحلة فائتة حظت بمساندة شعبية هائلة لا يفتأ يهفو إلى مِثلها، أو حتى إلى نُطفة مِن رحيقها، وفى إطار استدعائه روح القومية الغاربة، وتسويقه شعاراتها التى صارت مُفرغة مِن المضمون، تبدو المحاكاة ساذجة لا محلَّ لها، وتتفتق المُقارنات التى يحاول عقدها بينه وبين الماضى عن صورة تنوء بتناقضات تكللها الحماقة، فما زالت المشروعات التى تحققت على مدار العامين المنصرمين متوسطة الحجم والقيمة، لا يعقل أن توضع عينًا بعين أمام المشروعات العملاقة التى أنجزت مُنتصف القرن العشرين وكانت ردود الأفعال تجاهها أدل شاهد على قيمتها، تمامًا كما لا يستقيم الجمع- ولو من باب الهزل-  بين حفر تفريعة إضافية لقناة السويس، وبين المُنجَز المادى المُهيب للحضارة المصرية القديمة فى عبارة واحدة خلال خطبة تذاع على الملأ.
إن الرغبة المحمومة فى صناعة هوية البطل المُنقِذ لتتخطى الإدراك السليم، والمُبالغة فى الشعور بالذات– ذات السلطة- تتعاظم بما يخيف، وقد بلغ الشططُ فى بعض المرات مداه، حيث تداولت الصُحف أنباءً عن اعتقال أشخاص بتهمة الإساءة إلى قناة السويس "الجديدة".
فى سياق المُحاكاة، ومِن وحى التجارب السابقة، تعمد مؤسسة الحُكم إلى بناء هيكل شِبه تنظيمى، تدفع الشباب إلى الانضمام إليه عبر التلويح بالحصول على موقع مرموق، أو فرصة عمل غير مُتاحة فى الأحوال العادية، تقفز بهم إلى دائرة الضوء. التنظيم الطليعى، والاتحاد الاشتراكى، وبرنامج التأهيل الرئاسى.. كيانات ربما تشكل فى مُجملها مترادفات لفكرة واحدة: صناعة جماعة شابة فتية تحيط بالنظام وتدين بدينه، تعمل حرسًا حديديًا فى سبيل حمايته إذا ما تطلب الأمر، وتحوز ثقته وعطاياه فى الوقت ذاته. لا شك أن هوس استرجاع الماضى يجتذب البعض، لكنه يستبعد بالضرورة القسم الأعظم من الينايريّين، الباحثين عن حرية لا قولبة، وعن تعددية لا نماذج مستنسخة.

العبث بالقوانين
فى غمرة انشغال الناس بتفصيلات وأحداث تشتت الانتباه، لكنها لا تغنيهم مِن جوع قارص إلى غدٍ أقل تعاسة، يجرى صكّ وتعديل عشرات التشريعات بما يمهد الأرض لحُكم شمولى طويل الأمد، يفتك بمن لا يفصح له عن ولاء صريح، وعبر ترسانة قوانين تبدو مُجحفة لكنها منطقية فى ظلّ حراك ثورى منقوص، يتم تكميم الثوار الساعين إلى استكمال ما بدءوا، والزج بهم بين جدران السجون، وفى الوقت ذاته يدَّعى النظام نجاح "الثورة" فى تحقيق هدفها المنشود، وربما كانت النصوص التى صيغت خصيصًا لتجرم فعل التظاهر، والتى اقتنصت شبابًا وشابات كثيرين، مثال بارز على الإخفاق العميق فى تحقيق تغيير ملموس، ومثلها النصوص التى مددت فترة الحبس الاحتياطى مِن أيام لا تتجاوز الخمسة والأربعين إلى سنتين كاملتين، يذوق فيهما المحبوس صنوفًا مِن القهر والإذلال، وهى إطالة أفقدت المُسمّى دلالاته الأولى، فلم يعد أمرًا وقتيًا عابرًا، بل صار بمثابة العقاب والتنكيل الذى قد يمتد بلا نهاية.

حماقة الاستجابة وجنون الاتهام
طال الإخفاء القسرى والاختطاف قِسمًا آخر مِن الينايريين، هؤلاء لم تُلصَق بهم الاتهامات ولم يدانوا عبر القوانين، فقط اختفوا مِن على وجه الأرض، ولم يكن إخفاؤهم أمرًا مذهلا بقدر ما جاء الردّ على الأصوات التى تعالت تطلب الكشف عن أماكنهم؛ أكد المسئولون أن هؤلاء المختفين ليسوا بمختفين، وأن بعضهم ذهب للالتحاق بداعش، والبعض الآخر هاجر هِجرة غير شرعية إلى إيطاليا، ولم يستحِ أصحاب هذه التفاسير مِن إخراج بعض المخفيين قسرًا مِن جعبتهم على فترات متباعدة، وتقديمهم إلى الرأى العام على أنهم متهمون بارتكاب جرائم، دون أن يشفع لهم حدوثها بعد إعلان اختفائهم، وقد ظهروا لاحقًا فى مَقَرَّات تابعة للسُلطة مُكبَّلين ومنهكين.
ثمة اتهامات بدت غريبة بما يكفى كى يتندر حولها الناس، وكى تصبح طرفة يتداولها الجميع ويقهقهون مِلء أشداقهم؛ فتاة صغيرة السن مُصابة تتحرك بصعوبة وتستخدم العكاكيز خطَّطَت لاغتيال شخصيات عامة مِن خلال قنبلة زرعتها فى كاميرا تحملها فى حقيبتها، وشبان فى مُقتَبَل العُمر حملوا شكائر الإسمنت وطافوا بمُحافظات الجمهورية يسدون البالوعات ويملأونها إرهابًا، وآخرون نظموا وقفة احتجاجية أمام القصر فقيل عنها مظاهرة تستوجب سنوات فى الأسر، بينما أمناء الشرطة يقفون ويهتفون ويسبون ويرفعون اللافتات، ويحصلون على امتيازات لا زنازين.
لم تكن أفعال المجلس العسكرى حال تسلمه مقاليد الحكم سوى تمهيد لما سيجىء، صور ثوار يناير بعد تشويه هيئتهم، ورصّ مجموعات من الأسلحة البيضاء أمامهم، وتلاوة بيانات تشير إليهم باعتبارهم مِن الخارجين على القانون والمسجلين خطر، لم تكُن إلا مُقدمة لمصير مُشين.
وسط مؤشرات فقدان البصيرة والإدراك، يؤكد النظام أنه يستهدف تمكين الشباب بينما هم عازفون عن اغتنام الفُرصة، ويستشهد على الجانب المقابل بوقائع تحدث فى كوريا الشمالية للتدليل على أن المصريين يحظون بأفضل ديمقراطية، وذاك هو خير ختام يُتَمِّم أعراض الاضطراب الدفين التى ما فتأت تطفو على السطح تِباعًا.
فى حوار عابر قال لى صديقٌ نقلا عن آخر: "المباراة متواصلة والحَكَم غائب". جزءٌ رئيسٌ مِن مَشهد اللامعقول، وعمود مِن أعمدة الجنون؛ أن يتبارى اثنان، ويكون سَنّ القواعد والإشراف على تطبيقها، والحُكم على مَن يخالفها بيدّ أحدهما. الحكام فى حالنا الراهنة ليسوا بغائبين، فلنقل إن منهم مَن يلعب دورًا غير دوره، وإن منهم مَن انضم لاعبًا إلى فريق بعينه، وارتدى زيه ورفع رايته، فصار الخصم والحكم واحدًا لا اثنين.
على أرض الفعل السياسى لا يمكن الحديث عن عدل وإنصاف حين يكون الخَصمُ حكمًا والحَكَمُ خَصمًا، تصبح الشكوى فاسدةً لا محالة، كما يغدو التظلُّمُ ذا أفقٍ مسدود، والسُلطة التى تضع نفسها مَوضِع الخصم وتستبيح فى الوقت ذاته أن تكون الحكم، تحتل فى غالبية الأحوال منصة الفوز وحدها؛ هى التى تضع قوانين اللعبة، وهى التى تعدِّلها وتكيفها وفقًا للظروف والمستجدات، وهى التى تبتكر قواعد تسرى على منافسيها ولا تسرى عليها، بما ييسر لها تسجيل الأهداف وتحقيق الانتصار.
كتب أبو نواس فى ذلّ يستعطف الخليفة ألا يعاقبه: "بك أستجير من الردى وأعوذ من سطوات باسك/ وحياة رأسك لا أعود لمثلها.. وحياة رأسك/ فإذا قتلت أبا نواسك/ من يكون أبا نواسك؟". كما كتب المتنبى لسيف الدولة الحمدانى: "يا أعدَلَ النّاسِ إلاّ فى مُعامَلَتى/ فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ". كلاهما أدرك أن السلطة تمثل له خصمًا وحكمًا، كلاهما راح يتسول مِنها الحماية وهى التى تهدده. كلاهما خشى مِن بأسها، وكلاهما لم يجد مانعًا مِن مداهنتها اتقاءً لشرّ أصيل لا راد له سواها، وطمعًا فى جودها وهباتها. كثير مِن اللاعبين على الساحة فى هذه اللحظة يعزفون الألحان ذاتها، ويقرءون على أسماع السُلطة الأشعار ذاتها، وإن فى ركاكة ومَزيد مِن الابتذال، لكن الينايريين لا يعرفون هذه الألحان والأشعار، ولا يحفظون إلا عن الكعكة الحجرية وعن شارع عيون الحرية، هؤلاء ليسوا فقط الذين حملوا اللافتات وباتوا فى الميدان، هم أيضًا مَن ظلوا حتى اللحظة متشبثين ببقايا العقل، وقابضين على الأمل فى يوم بهى يتهاوى فيه بناءُ الظلم والامتهان، وتتوارى حلقات الحمق والجنون ولو قليلا.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ملف العدد(ما بعد يناير)"
 

  » 25 يناير ومحاولة تغيير المستقبل
  » إشكالية التأريخ لثورة 25 يناير2011
  » الاقتصاد المصرى بين طموحات ثورة 25 يناير ومعوقات الواقع الحالى
  » الشعب يريد
  » يناير.. الثورة اليتيمة!
  » يناير وحلقات الحُمق والجنون

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 6 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية