أحمد عادل: بدأنا من الأساسيات.. ثم منحنا الجسد حرية أن يحكى من تلقاء نفسه

أحمد عادل:  بدأنا من الأساسيات.. ثم منحنا الجسد حرية أن يحكى من تلقاء نفسه

العدد 938 صدر بتاريخ 1أغسطس2025

فى عالم ملىء بالضجيج اليومى، يصبح التعبير الحركى هو الوسيلة الفعالة لفهم الذات والتواصل مع الآخر دون كلمات. من هنا، جاءت مبادرة «ورشة التعبير الحركى للمبتدئين»، التى فتحت أبوابها دون اختبارات أو شروط، لتتيح المجال لأى شخص يرغب فى خوض تجربة فنية فريدة، حتى وإن لم يسبق له الوقوف على خشبة المسرح.
هذه الورشة التى امتدت لثلاثة أشهر، لم تكن مجرد تدريب تقنى، بل رحلة لاكتشاف الإمكانيات الكامنة فى الجسد، ومواجهة الخوف، وتحويل الملامح اليومية لحياتنا إلى مشاهد حية تُحاكى الواقع.
اختُتمت الورشة بعرض مسرحى بعنوان «رقصة القرن»، حمل فى طياته هموم الإنسان المعاصر، من لحظة الاستيقاظ وحتى ذروة التوتر والانفجار.
فى حوارنا مع المخرج أحمد عادل نتعرف على كواليس التجربة، وتفاصيل العمل مع مجموعة متنوعة من الأعمار والخلفيات، وكيف نجح فى تحويل المبتدئين إلى مؤديين حقيقيين، وتقديم عرض حركى مؤثر بلا كلمة واحدة. 
فى البداية، كيف نشأت فكرة ورشة «التعبير الحركى للمبتدئين»؟ ولماذا تم توجيهها لهذه الفئة دون اختبارات أو اختيارات تمهيدية؟
الفكرة ليست جديدة بالنسبة لى. بدأت فى تقديم الورشة منذ عام 2017 أو 2018، وكانت تُقام وقتها داخل كلية الهندسة بجامعة عين شمس. نظرًا للإقبال الكبير، كنت مضطرًا لإجراء اختبارات وقبول عدد محدود لا يتجاوز 30 أو 25 مشاركًا. لكن بعد خروج الورشة من نطاق الجامعة، أصبحت الفرصة متاحة لأى شخص يرغب فى خوض التجربة دون الحاجة لاختبارات. وهذا كان هدفى منذ البداية، أن أفتح المساحة للجميع، وأؤمن أن كل إنسان قادر على التعبير بجسده، متى فهم جسده واكتشف إمكانياته، الحركة بالنسبة لى هى وسيلة لاكتشاف الذات، ولهذا لم أضع أى شروط أو معايير للمشاركة.
امتدت الورشة على مدى ثلاثة أشهر.. ما أبرز المحاور التى ركزت عليها خلال فترة التدريب؟
مرت الورشة بعدة مراحل. بدأنا بأساسيات التعامل مع المسرح، كيف يتحرك المؤدى على الخشبة ويتفاعل مع المساحة من حوله، سواء بشكل فردى أو جماعى، وعملنا على تمارين استكشاف الجسد، وهى البدء بألعاب بسيطة، لكنها تنقل المشاركين تدريجيًا إلى التعبير الحركى بحرية، دون وعى منهم بأنهم يرقصون أو يؤدون، ثم انتقلنا إلى كورس فى الارتجال الحركى مكوّن من 12 جلسة، وكان الهدف منه تمكين كل مشارك من استخراج حركة نابعة من داخله للتعبير عن مشاعره بشكل طبيعى وغير متكلف.
كيف تعاملت مع اختلاف الخلفيات العمرية والخبرات بين المشاركين، خاصة وأن الورشة موجهة بالكامل للمبتدئين؟
فى الحقيقة، هذا التنوع كان مصدر ثراء للورش، ضمّت المجموعة طلاب جامعات، طلاب ثانوى، موظفين، آباء وأمهات... أعمار وتجارب مختلفة تمامًا. هذا التنوع جعل كل مشهد نعمل عليه يحمل جزءًا من الواقع اليومى لكل فرد. على سبيل المثال، فى مشهد الأتوبيس، أضاف كل مشارك من تجربته مع الزحام فى المواصلات العامة، وهو ما منح المشهد صدقًا وقربًا من الناس.
ما أبرز التحديات التى واجهتك لتحويل هؤلاء المبتدئين إلى مؤديين قادرين على تقديم عرض حركي؟
أكبر تحديين أواجههما دائمًا فى بداية الورشة هما: «أنا مش هقدر»، و»مستحيل أعمل ده قدام ناس». هذه العبارات تتكرر كثيرًا، وكان علينا أن نكسرها تدريجيًا. لذلك، نبدأ بمحاكاة داخلية داخل الورشة، حيث يؤدى المشاركون التمارين أمام المجموعة، ليكسروا رهبة الوقوف أمام جمهور، ويعتادوا على الظهور الحركى بثقة.
لماذا اخترت «رقصة القرن» ليكون العرض الختامى.. وما الذى يميز هذا العمل تحديدًا؟
كان الاختيار نتيجة الضغوطات التى نواجهها فى يومنا العادى، حيث كنا نلتقى كل يوم بعد يوم عمل طويل، محمّل بالزحام والضغط والإرهاق. كنا نحتاج دائمًا لنصف ساعة من الهدوء قبل بداية الورشة، وهذه اللحظة التحضيرية ألهمتنا فكرة العرض، لماذا لا نحكى عن الفوضى اليومية التى نعيشها؟ «رقصة القرن» تجسيد لحالة الجرى المستمر وضغط الحياة.
فكانت بداية العرض من لحظة الاستيقاظ كأن الشخص زومبى، ثم يتطور إلى مشاهد الازدحام والخناقات ومشاعر الناس المكبوتة.
كيف تم تجسيد فكرة «زحمة الأشياء» وسرعة الحياة حركيًا ومسرحيًا؟
اعتمدنا على صور حركية مباشرة. فى المشهد الافتتاحى، استخدمنا أغنية «يا صباح الخير يا اللى معانا» بصوت أم كلثوم، بينما يتحرك المؤدون كأنهم زومبى. بعد ذلك، ننتقل إلى مشهد الأتوبيس، حيث يتكدس الجميع فى مساحة ضيقة، ومع كل حركة «فرملة»، تتولد التوترات والانفعالات. استخدمنا التكوينات الجسدية والإيقاع السريع لخلق شعور بالضغط يحاكى إيقاع الحياة اليومية.

كيف ساعدت الخلفيات الشخصية للمشاركين فى بناء المشاهد؟
كل مشهد كان نابعًا من تجربة شخصية. كل مشارك ساهم بجزء مما يعيشه فى الشارع أو العمل أو البيت. استخدمنا هذه التجارب فى التكوينات، وتم توظيفها باستخدام التقنيات التى تعلّموها فى الورشة، وهو ما منح العرض صدقًا واقعيًا ملموسًا.
العرض تضمن مشاهد قوية، مثل التحرش أو التعب النفسى.. كيف حافظت على التوازن بين البعد الإنسانى والصدمة الفنية؟
كنت حريصًا على تقديم كل مشهد بصدق، لا بصدام. لم نلجأ إلى المبالغة أو الاستفزاز. مشهد الفتاة التى تضع رأسها على كتف خطيبها ويتهمها الناس بـ«قلة الأدب»، مثلًا، هو مشهد حقيقى ومتكرر. ومشهد التحرش أو السرقة، لحظات مررنا بها جميعًا. قدمناها من منظور إنسانى، لا بهدف إثارة الصدمة، بل بهدف إيصال الإحساس.
لحظات الخيال والهروب من الواقع كانت حاضرة فى العرض.. كيف صممتها بصريًا وحركيًا؟
هى لحظات تشبه الحلم. فجأة تتغير الإضاءة، يصبح الإيقاع أبطأ، والموسيقى أكثر هدوءًا. هذه الفسحات السريالية كانت ضرورة، سواء لنا داخل الورشة أو للجمهور، لكى نمنح أنفسنا مساحة للتنفس وسط كل ذلك الضجيج الواقعى.
كيف حافظت على إيقاع العرض دون أن يشعر الجمهور بالتكرار أو الإرهاق؟
اعتمدت على التنويع بين المشاهد السريعة والهادئة، بين الحركة الجماعية واللحظات الفردية. استخدمت الموسيقى والإضاءة لتحديد إيقاع كل مشهد. الهدف كان الحفاظ على تركيز الجمهور، دون أن نرهقه أو نشتته، وفى الوقت نفسه أن يشعر بنبض الحياة الذى نحاول تجسيده.
هل استعنت بتجارب أو مراجع بصرية فى بناء العرض؟
بالطبع. هناك عروض سابقة شاركت فيها أو أخرجتها، مثل «آخر ساعة قبل النوم»، ساعدتنى كثيرًا، لكنها ليست مرجعًا مباشرًا. كل تجربة أعتبرها بداية جديدة، أحب أن أبدأ من الصفر مع كل مجموعة، وأن نكتشف الشكل الفنى سويًا، ونبنى العرض من داخلهم هم.
كيف وظفت الموسيقى، الإضاءة، والسينوغرافيا لدعم الحكى الحركى بدون حوار؟
كل عنصر كان يعمل فى خدمة الجسد. الإضاءة كانت تحدد إيقاع المشاهد، والموسيقى تدفع بالمشاعر للأمام، والسينوغرافيا جاءت بسيطة قدر الإمكان حتى لا تسرق الانتباه من الحركة. لا شىء زائد عن الحاجة. كنا حريصين أن يكون التركيز الأساسى على الجسد كأداة للتعبير.
متى شعرت بأن المشاركين أصبحوا جاهزين للعرض أمام الجمهور؟
تأكدت من ذلك فى يوم «الجنرال» أو البروفة النهائية. دعيت أصدقاء لم يشاهدوا أى تدريبات سابقة، وطلبت منهم أن يخبرونى بانطباعاتهم. كانت ردود أفعالهم صادقة وقوية، وقالوا إنهم فهموا كل شىء وشعروا به، وهنا تأكدت أننا جاهزون.
كيف تفاعل الجمهور مع العرض، خاصة أنه قائم على التعبير الحركى فقط؟
بصراحة، فاق التفاعل توقعاتى. القاعة كانت مكتملة العدد، وهناك من حضر واقفًا. كثيرون قالوا إنها كانت المرة الأولى لهم فى عرض مسرحى، ورغم غياب الحوار، فهموا كل شىء وتأثروا، وهذا أكبر تقدير يمكن أن يحصل عليه صانع عرض.
ما الرسالة التى أردت إيصالها من خلال العرض؟ وهل شعرت بأنها وصلت؟
كنت أريد أن أقول إننا نعيش فى دوامة مستمرة، مضغوطين بشكل دائم، ومحتاجين لحظة نعيد فيها ترتيب أنفسنا. أردت أن يشعر الناس بأجسادهم، أن يدركوا أنهم ليسوا وحدهم فى هذا التعب. ووفقًا لتفاعل الجمهور، أظن أن الرسالة وصلت بوضوح.
هل تنوى تكرار التجربة مستقبلًا؟ وهل هناك توجه لإنشاء مستويات متقدمة من الورشة؟
نعم بالتأكيد. نعمل حاليًا على ورشة جديدة منذ شهرين، والعرض القادم سيكون رومانسى، وهو عرض مختلف تمامًا، بطابع رومانسى راقص. وهناك نية لفتح مستويات متقدمة، لكننى أركز دائمًا على المبتدئين، لأنهم الأكثر احتياجًا لهذه الورش.
كيف ترى مستقبل مسرح التعبير الحركى فى مصر.. وما الذى يحتاجه كى ينتشر أكثر؟
أنا متفائل. أرى شبابًا صادقين، يحبون هذا الفن ويبنون أنفسهم ببطء وثبات. والتحدى الأكبر هو أن هذا النوع من الفن ليس متاحًا للجميع.وأعمل حاليًا على كسر هذه الحواجز، وأن يصل هذا الفن للناس العاديين، لا يظل حكرًا على المتخصصين فقط.
ما النصيحة التى توجهها لمن يريد دخول مجال التعبير الحركى دون خلفية مسبقة؟
أنصحهم بالصبر.. لا تتعجل النتائج. تعرّف إلى جسدك، تمرّن، شاهد عروضًا، واقرأ، وتعلّم كل يوم شيئًا جديدًا. استمتع بالتجربة والبروفة والرحلة ككل. هى رحلة ممتعة ومليئة بالاكتشاف.


صوفيا إسماعيل