سينما 30.. الواقع بين الحقيقة والخيال

سينما 30..  الواقع بين الحقيقة والخيال

العدد 938 صدر بتاريخ 1أغسطس2025

فى إطار الدورة الثامنة عشرة للمهرجان القومى للمسرح المصرى قدمت فرقة البحيرة القومية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة العرض المسرحى سينما 30 تأليف محمود جمال حدينى ومن إخراج محمد الحداد، وقد حصد العرض فى المهرجان الختامى لفرق الأقاليم فى دورته 47 على عدة جوائز منها: المركز الأول فى التأليف مناصفة مع نص شارع 19 لنفس المؤلف، حيث عرض لـ(محمود جمال حديني) نصان فى المسابقة، والمركز الأول فى الإخراج (محمد حداد)، والمركز الأول تمثيل رجال (محمد البياع) مناصفة مع (محمود سليمان) عن عرض مرسل إلى، والمركز الأول تمثيل نساء (نور رامز) مناصفة مع (تسنيم عمر) عن عرض الوهم، والمركز الأول (منى شكرى) كصمصمة ملابس، كما حصدت (منى شكرى) على المركز الثانى ديكور، وحصل على المركز الثالث فى الإضاءة (معاذ مدحت) مناصفة مع (شادى عزت) عن عرض اليد السوداء.
فاز النص الدرامى (المسرحى) بجائزة ساويرس الثقافية كأفضل نص مسرحى فى الدورة 14 لعام 2019م، وقد كتب النص عام 2017م وقدم فى نفس العام فى عرض مسرحى لفريق كلية التجارة جامعة عين شمس من إخراج المؤلف وفاز بجائزة أفضل عرض مسرحى بمهرجان التمثيل الكبرى بالجامعة فى دورته العاشرة، وجائزة أفضل مخرج، وجوائز أخرى، واشترك به فريق الجامعة ضمن مسابقة المهرجان القومى للمسرح فى دورته العاشرة، ثم توالى تقديم النص فى أكثر من عرض مسرحى بنفس الاسم ومنها عرض فرقة قومية البحيرة.
نص العرض
تدور الفكرة الرئيسية للعرض حول سحر السينما أو ماهية السينما وعلاقة الإنسان بالفن فى مواجهة السلطة، سلطة رأس المال والحكم والدين.
تدور الأحداث حول مخرج مصرى يدعى منير (محمد البياع) درس السينما فى الخارج وجاء إلى مصر فى سنة 1930 لإخراج أول فيلم مصرى ناطق وهى فكرة افتراضية من المؤلف حيث من المعروف أن أولاد الذوات للمخرج محمد كريم هو أول فيلم مصرى ناطق أنتج سنة 1932م.
اتجه المخرج لتصوير الفيلم الذى أطلق علية أسم غرام فى بلاد الريف إلى أحد قرى ريف مصر (أطلق عليها أسم ضى القمر) حيث تدور الأحداث فى الريف، وفى الريف يتعجب الأهالى من وجود الكاميرا؛ هذا الشيء الغريب الذى لم يألفه الإنسان من قبل، ونجد العمدة يشعر بالقلق والخوف تجاه هذه الكاميرا، ويحاول منع أهالى البلد من التعامل مع المخرج، ثم تبدأ رغبة الأهالى فى التعامل مع الكاميرا والمخرج بعد أن خصص نصف ريال لكل من يحب التعامل معه ويعمل له اختبار أمام الكاميرا، ويكتشف قدرته على التمثيل، وهذه الفكرة إسقاط على الواقع المعاش حيث انتشرت فى مصر مكاتب تسمى الكاستينج لعمل أى مصنف مرئى حتى ولو كان الممثل دارس للتمثيل وعضو فى نقابة المهن التمثيلة؛ لكنه مجانى، كما عرض نماذج من هؤلاء البشر لمن يحب المال ومن يحب السينما، فقد أظهر العرض من أحب الفن الذى يعرض الحقيقة، ويظهر القلق تجاه السينما من السلطة المتمثلة فى المأمور والعمدة، والسلطة الدينة المتمثلة فى الشيخ، وأيضًا الهانم المتحكمة فى سلطة رأس المال صاحبة الأراضى التى يعمل بها الفلاحين، وتتوالى الأحداث. 
العرض يسلط الضوء من خلال المحاكاة الساخرة على الجهل والتخلف فى القرية من خلال تفاعل أهل القرية مع الكاميرا والسينما، ويوضح دور الفن فى التعبير عن قضايا المجتمع، ويؤكد على أهمية الفن ودوره فى توثيق ورصد الواقع ونقله للآخرين.
رؤية المخرج
 اختيار المخرج نص سينما 30 على ما أعتقد أنه اختيار مناسب مع البيئة لفرقة البحيرة القومية، ومع وجود عدد كبير من ممثلى الفرقة يستطيع توظيفهم فى العرض ليتناسب مع فلسفة الهيئة العامة لقصور الثقافة، كما اختار الممثلين بعناية وسكن كلًا منهم فى دوره، وكان الاجتهاد فى التدريبات والعمل كفريق واحد له الأثر على أدائهم باحترافية عالية ومنها المحافظة على النطق السليم وعدم النطق أو الاداء بطريقة الإيقاع القديم لهذا الزمن أو لكنة تخص قرية معينة من ريف مصر، وأن يصل الأداء الصوتى للمتلقى بشكل جيد، والتعبير الجيد بلغة الجسد وتنفيذ فكر المخرج بسهولة ويسر وشكلت المَشاهد لوح تشكيلية، واستطاع أن يقدم عرض منضبط تناغمت فيه كل عناصر العرض واندمجت معًا لتتحقق رؤية المخرج التى قدمها فى قالب واقعي.
كان ديكور (منى شكرى + الملابس) عبارة عن عدة بانوهات مقسمة لتكوين مشهد عام لمعالم قرية ما، وضعت فى عمق ويمين ويسار المسرح، فنجد على يمين المتلقى عدة منازل، ونرى زيز ليؤكد شكل القرية فى ذلك الزمان، وعلى يسار المتلقى عدة منازل، ونرى فرن يعمل بالقش والحطب لصنع العيش أو الفطير أو أية مخبوزات ليؤكد أيضًا تلك الفترة، وفى امتداده نرى سور من الحصير ليدل على وجود زريبة بهائم وبجواره ما يمثل برج للحمام وفى عمق المسرح وعلى يسار المتلقى نرى مسجد، وعلى اليمين منزل العمدة، وفى منتصف العمق نجد بانر رسم عليه ساقية ريفية ومنظر طبيعى يمثل جسرًا يتقابل عنده أهل القرية أتناء الدخول من وإلى ساحة القرية، كما نرى كاميرا سينما من الطراز القديم، وهى السحر الذى يريد الفلاحين التعرف عليها، والكل يوصفها من وجهة نظرة فمنهم من يقول أنها حديدة وقعت من القطارات، أو هى جزء من ماكينة رى.. إلخ، وباقى الفراغ المسرحى يمثل ساحة القرية التى يتجمع فيها الأهالى؛ مثل لقاهم مع العمدة عندما يطلب لقاهم لإبلاغهم بأى شىء جديد أو للمسامرة سويًا، كما استخدمت فى لقاء أهالى القرية بالمخرج منير لعمل اختبارات بالكاميرا، وينتشر على أرض ساحة القرية بقايا الدريس الذى يسقط من الفلاحين فى الذهاب والإياب من وإلى دورهم فى القرية أتناء قدموهم من الحقول.
أما الملابس فقد عبرت عن الفترة الزمنية للعرض بالأشكال والألوان المتنوعة المناسبة لكل شخصية.
وإضاءة (معاذ مدحت) كانت متسقة تمامًا مع أحداث العرض، فغلب على معظم المشاهد الإضاءة الكاملة (Fall Lite)  مما يجعل المشهد يبدو أكثر طبيعية خاصة فى ساحة القرية عندما يجتمع الأهالى، مثل اجتماعاتهم مع العمدة أو الالتفاف حول المخرج وهكذا، وركزت الإضاءة حتى تظهر وجوه الممثلين، كما عبرت الإضاءة عن الوقت صباحاًً باللون البرتقالى مثل مشهد تجمع الفلاحين فى ساحة القرية بناءً على تعليمات العمدة، أو مساءً باللون الازرق مثل مشهد منير مع الأهالى أثناء العشاء والمسامرة، ويستخدم البؤر الضوئية فى مشاهد اختبار أهالى القرية أمام الكاميرا، واستخدم السلويت عند نزول شاشة بيضاء للعرض من السوفيتا لإظهار فكرة بدايات السينما بالأبيض والأسود أثناء حكاية منير عن السينما لأهالى القرية؛ ولكن ومن وجهة نظرنا أجد أنه استخدام فى غير محلة حيث أن هذه الشاشة من التقنيات الحديثة فيشعر المتلقى بأنها دخيلة وغير مناسبة لأحداث العرض. 
كانت الأشعار (محمد مخيمر) نابعة من وجدان البيئة المصرية ومستلهمة من أجواء الريف المصرى، ومعبرة عن الحالة الدرامية، ففى بداية العرض أو الأفرتير من خلال الكلمات والموسيقى نسمع لحن (مغميين يا سواقى دايره وجاسيه بينا سنين، مغميين) يكشف لنا أن هذه القرية مغماه أو تعيش فى إظلام أو فى جهل حيث نجد أن جميع الشخصيات تضع قماشة أوشال أسود على الرأس حيث يظهر العمدة فى الأحداث ونجده هو المسيطر على هذه القرية حتى مأمور المركز يوافق العمدة على كل ما يفعله، ويعبر ذلك على حالة التناص التى شاهدناها فى الفيلم المصرى الزوجة الثانية، ثم ننتقل بالكلمات إلى (النص ريال، النص ريال، هيغدينا ويعشينا ويفطرنا ويهنينا) إلى فرحة أهل البلد بالنص ريال الذى سيقوم المخرج بإعطائه لكل من يشارك معه فى العمل، فكنت الكلمات عن النص ريال الذى سيحقق جميع أحلامهم، ثم نسمع كلمات حكاوينا (ومهما تطول حكاوينا هتلجا فى الحكاوى دموع) وهذه الحكاوى كان يحكيها بعض من أهالى القرية للمخرج منير فى النص الأصلى، واستعاض عنها محمد الحداد مخرج العرض بهذه الكلمات للتعبير عن المضمون.
والموسيقى والألحان (مروان سمير) كانت هادئة ومنبثقة من روح العرض، ودمج الملحن بين الآلات الشرقية والغربية، وفى المجمل كانت الموسيقى والألحان مناسبة للحالة العامة للعرض، ومنضبطة فى اختيار أوقات نزولها.
وعن كيرو جراف (شريف عباس) والتى قُدمت على شكل تعبير بالحركة على هيئة تكوينات أكثر ما هو تعبير جسدى فى الثلاث أغانى السابقة.
كل الشكر لكل من ساهم فى خروج هذا العرض إلى النور، ومنهم:
الممثلون:
محمد البياع (منير)، إبراهيم سليمان (سراج)، أحمد القسطاوى (العمدة)، سعد عبد الحليم (المأمور) سيد أبو خزيمة (منصور)، نور رامز (عيشه)، خيرى غزال (الشيخ يونس)، محمد مبروك (الباش حكيم)، ساندى نعيم (الخرساء)، حازم سمير (محروس الفقير)، محمد ناصر (عطا)، عبدالرحمن منير/ مصطفى كفافى (إبراهيم)، محمد زعيتر (حسن)، إيمان غان (أم أحمد)، محمد عبيد (عم صديق)، ياسمين الطيارى (أم شعبان)، إيمان بدوى (صبحيه)، عزه غانم (العجوز)، لورا حليم (ناظلى هانم)، روان عمارة (خضره)، عبدالرحمن دونجا (سليمان)، عادل توفيق (الفقير)، يارا مسعود/ شروق المصرى (أم حامد)، صفاء الرومى (اللبيسة)،إبراهيم ناصر (شرقاوي)، محمد الطيب (متولي)، أحمد الفار (السِماوي)، أحمد الحرفة (أبو عيشه)، همسة محمد ( حسنيه)، هايدى جابر (خديجه)، شمس رفاعى (سعيدة)، محمد صبرى (فصيح) 
والأطفال: دنيا، كنزى، فريده، رودينا
هيئة الإخراج: مخرج مساعد (مصطفى بخاتى، موستا عبدالمنعم)، مخرج منفذ (سعيد عيد).
والشكر موصول للمخرج محمد الحداد الذى بدأ حياته كمخرج معتمد بنوادى المسرح فى عام 2018 بعرض كراكيب دماغ عن نص (1980 وأنت طالع) لمحمود جمال حدينى، وتجربة نوعية عن نص (كوميديا الأيام السبعة) للمؤلف العراقى على عبد النبى الزيدى، وأول شريحة لقصر ثقافة دمنهور عن نص (تاتانيا) للمؤلف الكويتى بدر محارب، ثم نص (بنت القمر) للمؤلف (محمد السوري0) تجربة نوعية لقصر ثقافة المحمودية، ثم حلمة الاكبر هذا العرض المتميز.


جمال الفيشاوي