عبدالغنى داود والنوسانى!

عبدالغنى داود والنوسانى!

العدد 938 صدر بتاريخ 1أغسطس2025


أحتفظ بنسخة من مخطوطة مسرحية «النوسانى» تحت رقم «118»، وهى النسخة التى قدمها إلى الرقابة عام 1987 المسرح الحديث بالبيت الفنى للمسرح بوزارة الثقافة. ومكتوب على الصفحة الأولى الداخلية أن المسرحية من جزأين تأليف عبدالغنى داود ومن إخراج عادل زكى. أما موضوعها المذكور فى التقارير الرقابية والمكتوب من قبل الرقباء، فتدور أحداثه حول شخص «النوسانى»:
والنوسانى هذا يعمل فى إدارة المعاشات، ويرتشى مقابل إتمام أية خدمة للجمهور، ويعرقل أوراق من لا يدفع.. تأتى إليه «سيدة» الفلاحة الفقيرة الجميلة وزوجة المرحوم «خلف» الذى كان يعمل ساعيًا بالمصلحة.. تأتى لتستكمل إجراءات صرف المعاش. وتدفع الشيء الزهيد الذى تمتلكه وهو خاتم زوجها.. ولكن النوسانى يراه شيئًا تافهًا ويعرقل طلبها لأنه يريد أن يستغل جمالها ويجعلها تعمل كخادمة لدى أحد كبار المسئولين.. وترفض سيدة أن تبيع شرفها.. وكان النوسانى قد أخبرها بأن اسم زوجها ورد خطأ فى الدفاتر ولذا ذاقت سيدة الأمرين بين أروقة ومكاتب إدارة المعاشات لكى تحصل على معاش تصرف منه على أولادها اليتامى لكنها لم تحصل على شىء لأنها إنسانة شريفة.. كان موقف النوسانى مؤسفًا تجاه سيدة صاحبة الحق، أما موقفه من «جمالات» سكرتيرة «صفوت بك» الذى كان يعمل مديرًا بالإدارة والذى توفى وترك ثروة طائلة مما سرق ونهب فقد كان موقفه مغايرًا لموقفه مع سيدة. فقد عاون جمالات على إثبات بنوة طفلها الذى حملت به سفاحًا؛ لأن المرحوم زوجها كان كبير السن وقد أصيب بالشلل بعد الزواج منها. وبمعاونة النوسانى تنتصر على أهل زوجها وتحصل على الميراث وتدفع مقابل ذلك ما يطلبه النوسانى.. تخطط جمالات للعبة كبرى تختار النوسانى، ليصبح مديرًا عامًا للإدارة الهندسة رغم أنه غير مؤهل علميًا لهذا المركز.. لكن جمالات كانت امرأة لا تتورع أن تبيع شرفها من أجل أهدافها المادية.. لذا تقنع الوكيل بكل شىء وبعد أن توصلت إليه عن طريق علاقتها غير الشريفة بالمدير العام.. ويحتل النوسانى هذا المركز من أجل المعاونة فى صرف أذونات الأسمنت واستلام تموين الحديد دون وجه حق لكى يبنى الوكيل وعديله الفيلا الجديدة.. ويحذر الموظف «عبدالواحد» النوسانى من خطورة موقفه ويعرفه أنه يعمل مع حيتان وأن المباحث تراقبهم جميعًا وأن النهاية قريبة.. لكن النوسانى كان أكثر دهاءً واستخدم المستندات التى بين يديه فى الإطاحة بالمدير العام والوكيل، وأصبح النوسانى فى يوم وليلة أعلى منصب وهو منصب الوكيل.. ويطلق النوسانى زوجته بعد أن شعر بأنها لا تقدر ولا تلائم مركزه ويطردها.. وتمر الأحداث وتنتهى بأن يصبح عبدالواحد وكيلًا بدلًا من النوسانى.. ويجمع النوسانى أوراقه ليرحل فى هذه اللحظة تأتى إليه سيدة مرة أخرى بعد أن ذاقت الذل للوصول إلى مكتبه.. وتبدأ فى التوسل إليه واستعطافه من أجل أن يعطيها حقها لكنها تولول حينما تكتشف أن الوكيل الشخصية العظيمة التى كانت تظن أنه سيخلصها من الظلم الذى لاقته، ما هو إلا النوسانى الذى ارتشى بخاتم زوجها، ويأتى عبدالواحد على أصوات النزاع ويقرر معاونة سيدة حين يعجب بجمالها، ولكن حين يطالبها بإعادة كتابة طلب المعاش من جديد تنفجر فى ثورة بعد أن استبد بها الشعور بالقهر والظلم وضياع الحق، ويأمر عبدالواحد موظفيه بتسليمها للبوليس لإثارتها الشغب وتعديها على الموظفين أثناء تأديتهم لعملهم.. وهكذا تنتهى المسرحية بمدير جديد يدعى أنه سيخلص الجمهور من الظلم ولكنه امتداد له.
كتبت الرقيبة «فادية بغدادي» تقريرًا عن هذه المسرحية، اختتمته برأى قالت فيه: “تصور المسرحية الحياة الوظيفية فى مصر بصورة سيئة وقاتمة وبشعة من خلال ما يحدث فى أحد المصالح الحكومية.. يبين الكاتب أن الموظف لا يؤدى عمله إلا بالرشوة، وصور النفوس وقد امتلأت بالطمع والجشع وانعدام الضمير. وقد استشرى الفساد من أول الموظف الصغير بالمعاشات الذى يعطل مصالح الخلق وتضيع الحقوق بين يديه ويفتح درج مكتبه ليتلقى الرشوة مبررًا هذا لاحتياجه إلى المال.. ثم ينتقل بنا الكاتب إلى الموظف الذى يعلوه ثم إلى مديره ثم إلى المدير العام ووكيل الوزارة الكل يسرق ويرتشى وينهب.. حتى عندما انكشف أمر هذه المجموعة جاء الوكيل الجديد بنفس الصفات.. حقًا صورة مُظلمة لحاضر ومستقبل لا أمل فيه.. وفى بعض الصفحات أدان الكاتب القضاة ورجال الشرطة.. لذا أرى عدم التصريح بتأدية هذه المسرحية إلا إذا جاء تعديل بالنهاية حيث يكون عبدالواحد الوكيل الجديد صورة مشرفة للوكيل الذى يعمل للمصلحة العامة ولخدمة الجمهور ويراعى الله فى عمله.. كما يجب أن يظهر أن عبدالواحد إنسان نزيه وشريف فى داخل المسرحية.. كما أرى حذف الملاحظات ص «43، 54، 55، 56، 57، 58، 59، 61» [وهى أقوال حوارية تطالب بحذفها] وبسبب تلك الملاحظات والنهاية القاتمة والتى لا أمل فيها للإصلاح أرى عدم التصريح بهذا النص”.
أما الرقيبة الثانية «فايزة الجندي» فقد رفضت النص أيضًا، وكتبت فى تقريرها رأيًا نهائيًا، قالت فيه: “أرفض الترخيص بأداء المسرحية خاصة أن نهايتها جاءت مخيبة لأى أمل فى الإصلاح فجاء الوكيل الجديد على شاكلة من سبقوه”.
لم يبق إلا التقرير الرقابى الثالث والأخير حتى يتم حسم الرفض بإجماع آراء الرقباء، لكن الرقيبة الثالثة «نجلاء الكاشف» خالفت رأى الرقيبتين السابقتين، وكتبت تقريرًا اختتمته برأى قالت فيه: “على الرغم من أن هذا النص المسرحى يسفه تلك القيم الفاسدة والمتفشية فى بعض دواوين الحكومة من رشاوى وتزوير، ويتناولها بالسخرية والاستنكار اللاذع فى محاولة للتنفير منها، إلا أن هناك بعض التحفظات التى يجب النظر إليها بعين الاعتبار عند إجازة هذا النص للعرض العام، ألا وهى: أولًا، قيام كاتب النص بتغليب عنصر الشر على الخير فى المسرحية، وذلك فى صراعهما معًا، مما جعل العمل يأتى قاتمًا ينال من موظفى الحكومة ابتداءً من الموظف الصغير ومرورًا بالمدير الإدارى فالعام فوكيل الوزارة ثم أخيرًا المسئول الكبير والذين وصفهم جميعًا بتداعى قيمهم وتفشى الرشوة والمحسوبية بينهم فيما عدا شخصية «عبدالواحد» الموظف الذى بدا رافضًا لما أتى به النوسانى وأتباعه من تصرفات تدينهم، والذى على الرغم من اعتلائه منصب وكيل الوزارة، لم يظهر بالشكل الذى يمكن أن نصنفه أنه كان فى صراع معهم، فعلى الرغم من أن هذه الشخصية كان يمكن أن تشكل عنصرًا إيجابيًا وحيويًا فى بناء العمل لما كانت ستحدثه فى النهاية من توازن خلال صراعها مع هذه الشخوص المتناقضة ربما أدى إلى رؤية يحدوها التفاؤل والأمل وليس القتامة والإحباط مثلما رأينا فى المسرحية. فلقد تناول الكاتب هذه الشخصية خاصة فى النهاية فى خط درامى ضعيف وأتى به وهو الرافض منذ البداية، منتشيًا بالمنصب الجديد، ناطقًا بعبارات تتنافى ومبادئه وتمسكه بقيمه فى بداية المسرحية وذلك حين أخبر النوسانى برغبته فى تأمين مستقبله ومستقبل بناته لعدم دوام ذلك المنصب، بل يجعله الكاتب أيضًا ثائرًا متفهمًا لتلك الأرملة التعيسة «سيدة» التى دفعها ذوى القيم الفاسدة إلى الخروج عن وعيها فأخذت تلعن الجميع مما أثار حفيظته، وكان يمكن للكاتب توضيح مدى تفهم الوكيل أى عبدالواحد لها بأن يجعله يتغاضى عن ثورتها هذه ملتمسًا لها العذر وذلك حتى يضفى عليه إيجابية تجعلنا نشعر بالعظمة والتفاؤل. ولذا لزم التنويه بضرورة تقديم «تعديل» يقوى من الجانب السوى لعبدالواحد لإحداث توازن بين الشخصيات المتصارعة تضفى نوعًا من الأمل. ثانيًا: هناك بعض العبارات يستوجب استبعادها ألا وهي: أقوال النوساني: «اللى شاغلنى من عشرين سنة عن اليهود.. من المؤلف وألا من الخلق ولاد الحرام.. أنا دايمًا أقول: الموظف غلبان حتى ولو كان وزير”. وكلام وكيل الوزارة: “وقدمت للكبار خدمات مريعة.. أنى أبويا بواب”. وكلام زوجة النوساني: “ما تشتمش سلالتى.. أنا سلالتى أسيادك وأأصل منك ومن سلالتك اللى كانوا بينزحوا باكبورتات الجوامع.. يا ابن خدام الميضة.. ياللى كان طول عمره يقرأ على الترب بقرصة”. كما ذكرت الرقيبة أكثر من عشرين موضعًا للحذف بها حوارات لا تتحمل المساحة هنا نقلها بأكملها، وهى فى صفحات: 34، 39، 40، 43، 46، 50، 51، ومن 54 إلى 62. وأنهت الرقيبة تقريرها بقرار قالت فيه: “أرى أنه لا مانع من الترخيص بعرض هذا النص المسرحى بشرط الموافقة على ما أتى بهذا القرار من تحفظات عبارة عن تعديل وحذف مشار إليه”.
أمام هذا الاختلاف بين الرفض والقبول بين الرقباء الثلاثة، شكلت الرقابة لجنة ثانية للمراجعة وكتبت عنها الرقيبة «لواحظ عبدالمقصود» تقريرًا اختتمته بقولها: “تناقش أحداث المسرحية الانحراف وجرائم الرشوة والاختلاس، وما يترتب عليها من فساد وظلم وعدم استقرار المجتمع إلا إنه يؤخذ على المسرحية عدم وجود توازن بين شخصياتها، فكل الشخصيات منحرفة مرتشية، لذلك أرى أنه لكى تصبح المسرحية صالحة للعرض يجب وجود توازن بين الخير والشر وتوقيع عقاب رادع على المنحرفين”. وقد أشر المدير على هذا التقرير بقوله: “اتفقت لجنة المراجعة مع لجنة القراءة على ضرورة تعديل هذه المسرحية «النواساني» حتى تتوازن المسرحية فيما كانت فى أحداثها من خير وشر”. وبعد طرح الأمر على المدير العام وقرأ جمع التقارير بالإضافة إلى تقرير اللجنة الثانية، كتب تقريرًا نهائيًا اختتمه بقوله: “أرى رفض الترخيص بالمسرحية التى تقول بأنه لا أمل فى إصلاح الجهاز الحكومى الذى أصبح جميع أفراده فاسدين فى كل المواقع والمراكز حتى المسئول الكبير، إلا بعد تعديل النص بما يحقق الموضوعية، وأن يُخطر المؤلف بذلك”.
المطالبة بتعديل النص من قبل مدير عام الرقابة يُعد من الأمور النادرة! فالمتعارف عليه هو التصريح بالنص، وفى حالات قليلة يتم رفض النص، وفى حالات أقل يتم التصريح بالنص بعد إجراء حذف قليل فى بعض العبارات! كل هذا يحدث غالبًا فى معظم النصوص التى تُقدم إلى الرقابة، وفى حالات نادرة.. بل نادرة جدًا يتم مطالبة المؤلف القيام ببعض التعديلات، ويتم استدعاؤه إلى الرقابة والجلوس مع الرقيب لمناقشة وتنفيذ التعديلات المطلوبة! وهذه حلات نادرة جدًا جدًا لأن حدوثها يعنى تأجيل العرض وتغيير فى تدريب الممثلين الذين غالبًا ما يكونون قد حفظوا الحركات والحوار وتمت البروفات قبل الحصول على تصريح الرقابة بالتمثيل، لأن تصريح الرقابة بالتمثيل يُعد من الأمور الإدارية الروتينية التى لا تعيق العرض، لا سيما عندما يقوم مسرح من مسارح الدولة بإنتاج العرض! وهذا ما حدث مع نص «النوساني» كونه نصًا مُقدم من قبل المسرح الحديث، مما يعنى وجوب ذهاب المؤلف إلى الرقابة لمناقشة الرقباء فى التعديلات المطلوبة، إنقاذًا للعرض!
بناءً على ذلك وجد وثيقة مرفقة بالنص عنوانها «محضر بشأن مسرحية النوساني»، جاء فيه الآتي: “حضرت اليوم الموافق 20/10/1987 بناءً على طلب الإدارة لمناقشتى بخصوص مسرحية «النوساني» من تأليفى والمقدمة للمسرح الحديث. وقد تمت المناقشة والتباحث مع الآنسة الرقيبة الأستاذة «نجلاء الكاشف»، واتفقنا على التعديلات الآتية الواردة فى الصفحات التالية «20، 21، 51، 63، 64، 65» وقد تضمن التعديل الحذف والإضافة والإلغاء فى هذه الصفحات، وقمت بالتوقيع على هذا التعديل.. وهذا للعلم. [توقيع] مؤلف المسرحية «عبدالغنى داود»”. وفى أسفل الوثيقة وجدت تأشيرة مكتوب بها الآتي: “«للعرض»: حضر الأستاذ عبدالغنى داود وأستقر الرأى بعد مناقشة الأستاذة نجلاء الكاشف على أن يتم التعديل للمسرحية التى ألفها الأستاذ عبدالغنى داود فى الصفحات المشار إليها عاليه وقدمت التعديلات اللازمة وأرفقت بالنسخ مع التقارير. [توقيع] الرقيبة نجلاء الكاشف”.
«التعديلات» بالنظر إلى النص المرفق وجدت ملاحظات كثيرة سأتوقف عند أمثلة منها سواء كانت محذوفات من الرقيب أو من المؤلف، ومنها: ص(4) حذف الرقيب قول النوساني: “يا قليل الدين.. والاسم بتصلى وبتقرأ قرآن.. دا أنت مثواك جهنم». وقام المؤلف بحذف فى ص(20) ووقع على الحدف! والحذف هو قول عبدالواحد: “.. الراجل بتاعنا اللى هييجى. كفاية بقى لنا عشرين سنة بعيد وبيشردوا فينا.. خلاص العصابة القديمة بتسلم سلاحها». وحذف أقوال لعبدالواحد فى ص(34) منها: “مش قلت لك الراجل بتاعنا جاى فى التغيير الجديد.. ضيعت على نفسك فرصة العمر.. وكيل الوزارة بيبنى فيلا مع عديله، هتروح فين وسط الحيتان دى.. إحنا كنا عاملين حسابك فى مركز تانى أنسب لك.. لكن دول ما يعرفوش يحطو الراجل المناسب فى المكان المناسب.. أنت هنا قاعد طرطور مجرد بصمجى.. هم اللى هياكلوا اللقمة لوحدهم”.


سيد علي إسماعيل