العدد 939 صدر بتاريخ 25أغسطس2025
فى زمن تتسارع فيه الابتكارات التكنولوجية وتتشابك فيه الحدود بين الواقع والافتراض، بدأت الفنون - ومنها المسرح - تدخل عصرًا جديدًا تُعيد فيه صياغة أدواتها وجمالياتها. ومع بروز تقنيات الواقع الافتراضى (VR)، والذكاء الاصطناعى (AI)، والمؤثرات الرقمية المتطورة، بات المسرح الحى يواجه تحديًا وجوديًا: هل ستظل الخشبة قادرة على الحفاظ على سحرها الإنسانى أم أن التقنية ستفرض لغتها وتُعيد تشكيل طبيعة العرض المسرحى؟
فى هذا التحقيق، نفتح باب النقاش مع مخرجين، نقاد، وكتّاب مسرحيين ومصممى الديكور والإضاءة وملحنين من أجيال مختلفة، لنتوقف عند ملامح هذا التحوّل، ونرصد رؤاهم بشأن الفرص والمخاوف التى يفرضها هذا التداخل بين الفن والتكنولوجيا، وسط تساؤلات مفتوحة حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة على خشبة المسرح.
د. صبحى السيد: لغة المسرح البصرية لا تُستبدل.. والتقنية خادم لا سيد
يرى الدكتور صبحى السيد أن المسرح ارتبط منذ نشأته بالتقنية والتكنولوجيا، حيث اعتمد عليها فى أدواته ومؤثراته البصرية بدءًا من «الميشان» و«الكلوبوما» و«القبقاب العالى» و«القناع الإغريقى الشهير» و«البرياكوتا» و«الشاريوه» و«القرص الدوار»، كما استخدم ما طرأ على التكنولوجيا من أدوات الرفع والطيران، واستفاد من كل ما تم اكتشافه وتطويره حتى اليوم، مؤكدًا أنه لا يمكن بحال من الأحوال التخلى عنها.
ورغم ذلك، يشدد صبحى على أن المسرح احتفظ لنفسه بلغته الخاصة التى تميّز بها عن الوسائط الأخرى، مثل السينما والتليفزيون والفيديو بروجيكتور، مرورًا بالأفلام ثلاثية الأبعاد (3D) المجسّمة التى كنا نرتدى لها نظارة خاصة، وصولًا إلى تقنيات الواقع الافتراضى (VR) والشاشات التفاعلية، ومختلف الإسقاطات الضوئية على حائل مرئى أو غير مرئى، والليزر، والهلوجرام، وتقنية الـMove Capture، وما يستجد من أدوات ما زالت تؤثر على عين المتلقى داخل الفراغ المسرحى، وتخدم ما يُراد تقديمه للمشاهد.
ويضيف: حاولت السينما استخدام الأدوات المسرحية مثل بث الروائح أو اهتزاز المقاعد وأفلام 3D، ولكنها ظلت فى حدود تجريبية وضيقة، وتستمر السينما بشاشتها الفضية، رغم تطور صناعة الفيلم واختفاء شريط الخام أمام التصوير الديجيتال المتقدم جدًا، إلا أنها لم تتخلَّ عن جوهرها ولغتها الأصلية.
ويصف صبحى المسرح بأنه كائن حى، فالحضور المباشر لفريق العمل من المؤدين فى وجود الجمهور يجعل التفاعل أكثر صلة وأعمق أثرًا حال التفاعل المتبادل، فانفعال الجمهور وتصفيقه – مثلًا – يجعل الممثل يتوقف بضع ثوان استجابة له، كما يجعله أكثر توهجًا وصدقًا. هذا التفاعل الملموس ينسحب على جميع عناصر العرض، وخاصة المرئية منها، والتى تتفاعل بالضرورة مع الأداء بمختلف مواضعه، سواء كانت فى صيغ تقليدية أو أخرى غير تقليدية متعددة الدلالة، يتلقاها الجمهور فى سياقها المسرحى.
ويستعرض د. صبحى بعض الرموز المسرحية الكلاسيكية، قائلًا إن المسرح فى بدايته استخدم الفتحات الثلاث خلف المؤدى، واتُّفق على أن الفتحة الوسطى تشير إلى داخل القصر، واليمنى داخل المدينة، والفتحة اليسرى خارج المدينة. أما الآن، فإذا امتطى الممثل عصاه وجمح بها وتوافق معها، صارت جوادًا نشعر به وبأنفاسه ومعاناته، ونحن مدركون تمامًا، ولكن براعة الأداء وتفاعل الجمهور يُحرّك معها الخيال ويفجر المشاعر، وهنا يحظى كل متلقٍّ بوجبته الخاصة فقط، لأن مشاركته وخياله يختلفان عن الجالس بجواره.
وتابع: أما إذا تم إعداد المشهد مصوّرًا أو باستخدام الجرافيك أو أى من الوسائط سابقة التجهيز، فيكون تأثيره مختلفًا، وقد يكون أقل فاعلية بكثير رغم أنه أكثر إبهارًا، لأنه يُعرض فى سياق زمنى محدد لا يمكن إيقافه أو تجزئته استجابة لمشاعر الجمهور.
ويضرب مثالًا آخر: إذا جلس الممثل فى وسط المسرح ممسكًا بمجداف، ويصارع به الأمواج المتلاطمة، فإننا نصدّقه متى عرف كيف يستخدم الأداة المسرحية. ويمكن فى هذه الحالة إضافة خلفية من الأمواج المتلاطمة لتعزيز الحالة، وهنا يتحقق استخدام التقنية الرشيد بما يخدم لغة المسرح.
ويختم د. صبحى السيد بالتأكيد على أن المسرح يحتاج إلى وعى بأدواته، محذرًا من أن طغيان الشاشات والإسقاطات والجرافيك، وتحول العرض إلى صيغة سابقة التجهيز، يجعل الفيلم السينمائى خيارًا أفضل. ويشدد على ضرورة فهم لغة المسرح، قائلًا إن الباليه رقصة لها تعبير، والأوبرا غناء متعدد الأصوات، وكل آريا لها مضمون، والدراما عالم منفتح على كل الألوان، شريطة أن يُحترم المسرح ولغته، وإلا تحوّل إلى شيء آخر.
د. أحمد مجدى: الخيال المسرحى ليس معركة بل مساحة يتشارك فيها الإنسان والآلة
يرى الدكتور أحمد مجدى، عضو هيئة التدريس بقسم الدراما والنقد المسرحى بكلية الآداب - جامعة عين شمس، والباحث المتخصص فى تمثلات الذكاء الاصطناعى فى المسرح، أن وصف «الخيال» أو «التخيل» ينطبق بدرجة أكبر على الوعى البشرى، وليس على أدوات الذكاء الاصطناعى. ويؤكد أنه إذا كنا نقصد أن الذكاء الاصطناعى قد يتمكن من التفكير والتخيل بنفس منطق العقل البشرى، المدفوع بالطموح والرغبة والقصدية، فإن ذلك لم يتحقق بعد.
فالذكاء الاصطناعى لا يزال فى مرحلة «الذكاء البسيط»، الذى يعتمد اعتمادًا كبيرًا على المدخلات البشرية. ومع ذلك، يمكن اعتباره أداة سحرية تحقق خيال الإنسان بشكل سريع ومعقول، إذا توفر المبدع القادر على تطويعه. فليس الذكاء الاصطناعى هو من يتخيل، لأن التخيل يفترض عقلًا واعيًا يفكر ويطمح، وهو ما لم يتوافر حتى الآن فى هذه الأدوات. لذلك فإن خيال الإنسان قد يتطور ويتعمق عبر التضافر بين قدرات الذكاء الاصطناعى من جهة، ووعى الإنسان وعقله من جهة أخرى، ويزداد ثراءً حين يكون الفنان متمكنًا من أدواته الفنية والتقنية.
ويحذر د. مجدى من واحدة من أبرز التحديات فى هذا المجال، وهى «التحيزات البرمجية». فالذكاء الاصطناعى، كما يقول، قد يعكس فى بعض الأحيان تحيزات صانعيه، مما يؤثر على تكوين النصوص المسرحية حين يُستخدم فى هذا السياق. ويؤكد ضرورة الحذر، لأن أدوات الذكاء الاصطناعى تستند فى النهاية إلى برمجة موجهة. ورغم هذه التحديات، يشيد بتجارب مسرحية واعدة مثل مسرحية «ماكبث المصنع»، التى أخرجها محمود الحسينى، ونجح خلالها فريق العمل فى تطويع الذكاء الاصطناعى للمشاركة فى توليد النص المسرحى، دون المساس بالجزء الإبداعى الخاص بالفنان.
وعن التفاعل الرقمى، يرفض د. مجدى فكرة أن التقنيات الحديثة يمكن أن تحل محل التفاعل الإنسانى. ويقول إن تقنيات الواقع الافتراضى والمعزز و3D Mapping لا تهدد المبدع، بل تعزز الصورة البصرية للعرض، خصوصًا فى الأعمال التى تتطلبها. لكنه يوضح أن هذه العناصر تظل أدوات مساعدة، لتقديم تجارب أكثر تفاعلية أو لتقليل تكلفة الإنتاج عبر فضاءات افتراضية بديلة. ومع ذلك، يبقى الحضور البشرى للممثل لا غنى عنه، فحتى الروبوتات لا ترتجل ولا تمتلك سرعة البديهة، وقد يتراجع تأثيرها بعد دقائق من العرض إذا لم تُوظّف فى سياق درامى متناغم مع العنصر البشرى. ويشدد على أن الإنسان هو المحرك الأول للعرض، وأن الروبوت، مهما بلغ إبهاره، لا يمكن أن يتجاوز دور الدمية ما لم يعمل بانسجام مع الممثلين الحقيقيين.
وفى الختام، يؤكد الدكتور أحمد مجدى أن الذكاء الاصطناعى، رغم تحدياته، لا يشكّل تهديدًا للمسرح، بل يمثل فرصة لتجديد لغته البصرية والتعبيرية، بشرط أن يبقى الفنان البشرى فى موضع القيادة، لا التبعية.
عبدالله رجال: الذكاء الاصطناعى أداة تخدم الإبداع ولا تصنعه
يرى الملحن عبدالله رجال أن الإبداع الإنسانى هو الأصل والأساس، وأن الذكاء الاصطناعى جاء محاكيًا لهذا الإبداع بكل أدواته وأساليبه وأفكاره. ويؤكد أن الذكاء الاصطناعى يستطيع بالفعل أن يقدم موسيقى تُعبّر عن إيقاع المشاهد الدرامية، لكن الإشكالية لا تكمن فى قدرته، بل فيمن يستخدمه ويوجه أدواته. فالذكاء الاصطناعى لا يبدع من تلقاء نفسه، بل خلفه إنسان يطلب منه ذلك، والسؤال الحقيقى هو: ماذا سيصنع الإنسان بالذكاء الاصطناعي؟
يشير رجال إلى أنه استخدم الذكاء الاصطناعى منذ أكثر من عشرين عامًا، فى صور متعددة، ويعتبره أداة تخدم الإبداع ولا تصنع الإرادة أو الفكر أو الشخصية. ويضرب مثلًا بعمار الشريعى، قائلًا إنه لو استخدم الذكاء الاصطناعى، لكان قد فعله من خلال شخصيته وبصمته وإنسانيته، ليستعين به فى إخراج إبداعه بصورة رائعة، لا ليحل محله.
ويؤكد أن قدرات البرامج المدعومة بالذكاء الاصطناعى أصبحت جبّارة، والقادم أكبر من خيالنا وتوقعاتنا. نعم، هو قادر على فهم اللحظة المسرحية والتعبير عنها وأكثر، طالما أُدخلت له المعطيات ومتطلبات المشهد.
ويشير رجال إلى أن الذكاء الاصطناعى شريك فى الإبداع منذ زمن، كأداة متطورة مذهلة، وأنه بات اليوم قادرًا على توليد أفكار موسيقية مليئة بالبعد الشعورى والإنسانى وكل شىء، وهو أمر بالغ الخطورة لمن يُحسن استخدامه.
كما يرى أن الذكاء الاصطناعى يهدد المؤلف الموسيقى وغيره من المبدعين بسرعة متلاحقة يعجز الإنسان عن ملاحقتها، لكنه فى الوقت نفسه يفتح آفاقًا كبيرة للابتكار والتجديد. ويؤكد أن هذا يتوقف على ثقافة وضمير وروح المستخدم، الذى قد يجعل منه سلاحًا لحماية الإبداع أو وسيلة لقتله.
وتابع: أن الذكاء الاصطناعى قادر على بناء هوية صوتية كاملة لعرض مسرحى، بشرط أن يُستخدم بشكل واعٍ وفهم عميق، لكنه فى النهاية لن يحل محل التفاعل الحى مع المخرج والممثل.
ويختم رجال بقوله إن الذكاء الاصطناعى يهدد اليوم المبدعين فى كل المجالات، وهو موج نسمع هديره الآن، وغدًا سيغمر كل أرض الإبداع. ولن يوقف هذا الموج إلا الترشيد والتوظيف الواعى والتوعية بخطورته، خاصة مع سهولة توفره بيد الجميع. فالغد القريب سيمنحه قدرات تفوق وتهدد الإنسان بما لا يُستوعب بخيال أو عقل.
شادى الدالي: المسرح قادر على استيعاب التكنولوجيا دون أن يفقد هويته
أكد المخرج المسرحى شادى الدالى أن المسرح يحتفظ بسحره الخاص والمستقل عن كافة الوسائط الأخرى، مشيرًا إلى أن كل فن يمتلك لغته وجمالياته، إلا أن خشبة المسرح تظل قادرة على خلق عوالم ساحرة بتكامل عناصرها الأساسية من أداء حى وديكور وأزياء وإيقاع الممثل.
وأوضح الدالى أن انحيازه منذ بداياته كمخرج كان نحو الحفاظ على نقاء الفعل المسرحى وتقديم كل أشكال الإيحاء والخداع البصرى من داخل أدوات العرض المسرحى نفسه، دون الاعتماد على وسائط خارجية مثل الشاشات أو عروض الفيديو. إلا أن التجربة والخبرة والاحتكاك بعروض دولية أثبتت له أن التكنولوجيا ليست الخطر فى حد ذاتها، بل فى طريقة استخدامها، مؤكدًا أن بعض العروض التى تفرط فى استخدام الوسائط المرئية تضعف من القيمة المسرحية وتخرج المشاهد من حالة التلقى المباشر التى تميز العرض الحى.
وأشار إلى أنه استخدم شاشة عرض بنسبة بسيطة فى عرض «السندباد» على مسرح البالون، مراعاة لجمهور الأطفال الذى يتطلب عوالم بصرية مبهرة، لكن حرصه ظل قائمًا على ألا تتجاوز النسبة 10% من العرض، مقابل اعتماد رئيسى على الممثل والسينوغرافيا المتكاملة، موضحًا أن الشاشة لم تكن عنصرًا جاذبًا بذاته بقدر ما خدمت المشهد وعمّقت الإحساس بالمكان دون التأثير على حضور الممثل أو تسلسل الحدث.
وشدد الدالى على أن استخدام التكنولوجيا داخل المسرح ممكن وضرورى أحيانًا، شرط أن تظل جزءًا من لغة العرض، دون أن تطغى على الفعل المسرحى المحورى الذى يتمثل فى تواجد الممثل الحى أمام جمهور حى. واعتبر أن التحدى الرئيسى أمام المخرج يكمن فى تدريب الممثل على التعامل مع العناصر التقنية دون أن يفقد الاتصال اللحظى بالجمهور، وهو جوهر الفن المسرحى.
ورأى الدالى أن المسرح ليس معرضًا لفقدان هويته الإنسانية، طالما ظل قائمًا على مبدأ التفاعل الحى، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعى أو غيره من تقنيات الواقع الافتراضى لا تعدو كونها أدوات معرفية مساعدة يمكن توظيفها فى إطار العرض، لكنها لا يمكن أن تحل محل العنصر البشرى الأساسى فى العمل المسرحى.
كما أكد أن اعتماد بعض المؤسسات على التكنولوجيا مرتبط بالإمكانات المتوفرة، لافتًا إلى أن التطور يأتى تدريجيًا، وأن تجديد عناصر الإضاءة والديكور أصبح ملموسًا فى عدد من المسارح المصرية، كما هو الحال فى التجارب العالمية.
واختتم الدالى تصريحاته بالتأكيد على أن المسرح الرقمى لا يصنع جمهورًا جديدًا، لأن جمهور المسرح هو من يختار الحضور الجسدى والتفاعل المباشر مع العرض. واعتبر أن تجربة المسرح تبقى فريدة من نوعها لأنها تقوم على الإحساس الحى، وهو ما لا يمكن استنساخه أو محاكاته عبر أى وسيط تقنى مهما بلغ تطوره.
عز حلمي: الذكاء الاصطناعى أداة مساعدة لا تغنى عن الحس الفني
يرى مصمم الإضاءة عز حلمى أن الحس الفنى لا يمكن محاكاته إطلاقًا، وأن الذكاء الاصطناعى قد يساهم بفكرة، لكن تنفيذها يظل مرهونًا بالعامل البشرى القادر على التوفيق بين الفكرة وإمكانات المسرح وواقعه. ويؤكد أن هذه التقنيات يمكن أن تقدم معلومات أو اقتراحات، إلا أن العنصر البشرى يظل الأهم فى منظومة العمل المسرحى.
ويشدد حلمى على أن الأجهزة الذكية لا يمكن أن تحل محل الفنانين خلف الكواليس، فهى مجرد أدوات تساعد فى تنفيذ رؤاهم الفنية. أما مستقبل الإضاءة المسرحية، فيراه مرتبطًا بتطور الأفكار والأجهزة، لكنه ينبّه إلى ضرورة التوظيف الدرامى الصحيح للتكنولوجيا، مع إدراك أن لكل جهاز ذكى عيوبًا ومشاكل يجب تجاوزها.
ويختم بأن كل شيء وارد فى المستقبل، حتى إمكانية خلق «مزاج ضوئي» يتفاعل مع الممثلين والجمهور لحظة بلحظة، لكن يظل الإنسان هو الملهم الأول للعمل الفنى.
إيهاب حمدي: الذكاء الاصطناعى يزحف بسرعة... لكن بلا روح
يرى الملحن إيهاب حمدى أن الذكاء الاصطناعى لم يصل بعد إلى مرحلة تأليف موسيقى مسرحية تعبّر بحق عن الإيقاع الدرامى، لكنه يؤمن أن هذه اللحظة قادمة لا محالة، وستعتمد بدرجة كبيرة على مدى تقبل الجمهور أو رفضه لها.
ورغم إيمانه بالتطور والحداثة، يعترف بخوفه الشديد على فن المسرح وموسيقى الدراما من هذا «الوباء» الزاحف – على حد وصفه – مشيرًا إلى أن اللحظة المسرحية، بكل ما تحمله من عمق وتوتر إنسانى، يصعب على الذكاء الاصطناعى إدراكها أو التعبير عنها بصدق، وإن كان ذلك «واردًا للأسف».
ويعتقد حمدى أن الذكاء الاصطناعى قادر بالفعل على توليد أفكار موسيقية جديدة، وهو ما يراه خطرًا حقيقيًا يهدد الإبداع الفنى، خاصة فى ظل زحف هذه التقنية بسرعة كبيرة، ما قد يؤدى إلى فقدان التميز وتكرار الأعمال الموسيقية وتشابهها، وإلى «القضاء على مشاعر إنسانية راقية» طالما ميزت المسرح.
ويرفض حمدى وصف المؤلف الموسيقى بأنه «تقليدى»، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق بالماضى أو الحاضر، بل بالمبدع الحقيقى الذى يشعر ويتفاعل، ويرى أن الذكاء الاصطناعى يهدد هذا النوع من الإبداع، لا سيما فى ظل ثقافة سائدة تعتبر استخدامه نوعًا من «السرقة»، وتصف المتعاملين معه بـ«اللصوص».
ويقر حمدى بأن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يسهم جزئيًا فى تشكيل الهوية الصوتية لعرض مسرحى، لكنه يصرّ على أن هذه الهوية لا تكتمل دون التفاعل الحى مع الممثل والمخرج، وهو تفاعل لا يمكن برمجته أو توليده رقميًا.
أما مستقبل الموسيقى المسرحية فى ظل هذا الواقع، فيبدو قاتمًا فى نظره، إذ يتوقع فقدان الهوية، وتشابه الأعمال، وتراجع الحس الإنسانى. ويرى أن الذكاء الاصطناعى - رغم قدرته العالية ودقته وسرعته - لا يستطيع أن يحل محل الإنسان، لأنه ببساطة يفتقر إلى الروح: «يمكن أن يضحكك، لكنه لا يستطيع أن يُبكيك».
ويختم الملحن ايهاب حمدى قائلًا: «نعم، أرى فى الذكاء الاصطناعى خطرًا حقيقيًا، لأنه يقدّم للعميل ما يتمناه، لكنه لا يقدّم ما يشعر به. قد نضطر إلى قبوله كجزء من التطور، ولكن هل سنقبل يومًا أن يحل الروبوت محل الممثل؟ فلننتظر، وأتمنى ألا يحدث ذلك».
أمل ممدوح: الاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعى لا يُفقد المسرح روحه
ترى الناقدة أمل ممدوح أن جوهر المسرح قائم على التفاعل الحى والمباشر بين الخشبة والجمهور، وهو ما يمنحه خصوصيته وأصالته الفنية. ومن هذا المنطلق، تعتبر أن إدخال وسيط آخر، مثل الذكاء الاصطناعى، قد يضعف هذا التفاعل ويضر بالحالة المسرحية، إذا جاء على حساب الحضور الإنسانى والتواصل الحقيقى بين الفنانين والجمهور.
وتوضح ممدوح أن القبول بالذكاء الاصطناعى يجب أن يكون فى إطار استخدامات تقنية محدودة، مثل تطوير بعض العناصر الفنية، أو تحليل تفضيلات الجمهور بشكل يساعد على تحسين وصول العروض إليهم، دون المساس بجوهر التجربة المسرحية.
وتحذر من الإفراط فى الاعتماد على هذه التقنيات، لأنه يهدد بتجميد العقل الإبداعى وإزاحة الفنان عن موقع القيادة. وتؤكد أن الاستخدام الواعى والمدروس للتكنولوجيا، تحت إدارة الفنان لا العكس، هو السبيل للحفاظ على أصالة المسرح وتأثيره الإنسانى الحميمى، وضمان قدرته على الصمود أمام تغيرات الزمن.
ففى رأيها، عندما تخفت موجة الانبهار بالتقنيات، سيظل الجمهور الحقيقى يبحث عن تلك الأصالة التى لا يوفرها سوى المسرح الحى، بتفاعله النابض وروحه الفنية المتفردة.
د. سيد عبدالرازق: الذكاء الاصطناعى اقتحم أبواب المسرح
فيما أشار الكاتب الدكتور سيد عبد الرازق أن الذكاء الاصطناعى قد اقتحم أبواب المسرح، لا بصفته متفرجًا صامتًا يصفّق من مقاعد الجمهور، بل كمشارك فعلى فى صناعة النص، مزوّدًا بخوارزميات تمشّط اللغة، وتستخرج بنية الحبكة، وتحاكى أساليب الكُتّاب كما يحاكى الظل صاحبه. غير أن جوهر السؤال، فى رأيه، لا يكمن فى «هل يستطيع؟» بل فى «ما الذى قد يخسره المبدع إن سلّم نَفَسه الإبداعى للآلة؟» هذا النفس الذى لا يُولد من معادلات جامدة ناتجة عن محاكاة السلوك البشرى بالتكرار والتعلّم، بل ينبع من تضافر التجربة الإبداعية ونار المعاناة. صحيح أن للذكاء الاصطناعى أثرًا إيجابيًا عندما يُستخدم كأداة توقظ الخيال، وتوسّع مدارك الكاتب، وتمنحه زوايا رؤية جديدة، لكن الخطورة تكمن حين يحلّ محل الحضور الإنسانى، فيتحول النص إلى جسد بلا روح، ومشهد مكرور اللغة والنمط. فالإبداع الحقيقى لا يمرّ إلا عبر الجرح، والخوارزميات لا تَجرح ولا تُجرَح، والفن المسرحى ليس معادلة رياضية لحلّها، بل حياة تُعاش، يؤججها الإحساس وتنضجها التجربة، ولهذا لن يُتقنه الذكاء مهما بلغ من الدقة.
ويضيف أنه قرأ مرارًا عن تجارب مسرحية فى أنحاء العالم استعانت بالذكاء الاصطناعى بدافع الاستكشاف والتطويع، منها عرض مسرحى قُدّم فى جامعة نيويورك عام 2021 بعنوان When a Robot Writes a Play، كان نتاج تأليف مشترك بين الإنسان والآلة. وبرغم أن النص بدا فنيًا فى ظاهره، فقد خلا من العمق الوجودى الذى يلامس الروح، وجاء صوته رتيبًا. ومن ثم يعبّر عن احترامه لهذه التجارب، بل ويعتبرها ضرورية فى عصر التقنية، لأن المبدع بطبعه ميّال للتجريب، لكنها فى النهاية تبقى تمارين على المحاكاة لا أعمالًا أصيلة، فالذكاء الاصطناعى يكتب، لكنه لا يعرف لماذا يكتب.
ويشبّه عبد الرازق الكاتب المسرحى بعازف يعزف على أوتار خفية، لا يكتفى بإتقان النغمة، بل يؤلّف نوتته الخاصة، ويعزف بمشاعره وقلقه وحدسه. وهذا الحدس العاطفى ليس ترفًا بل جوهر العمل الفنى وبلاغته وسر وجوده. والمسرح، بطبيعته، لا يحتمل الجمود، فهو فنّ يعرّى النفس ويُشهِر التناقض الإنسانى، ويُلقى بالحقيقة فى وجه الجمهور عارية من الزيف. أما الذكاء الاصطناعى، رغم دقته الحسابية، يظل حبيس دائرة المعقول، بينما الكاتب الإنسانى يغوص فى المجهول، يخط ما يشعر به قبل أن يفهمه، ويترجم الغموض إلى وضوح. وربما ينافس الذكاء فى سرعة البناء ودقة الحبكة وحتى فى إثارة التشويق، لكنه يعجز عن بلوغ الجوهر الإنسانى، تلك البصمة التى لا تتحوّل إلى كود، ولا تُنتَج بخوارزم.
ويؤمن الدكتور سيد عبد الرازق بأن الذكاء الاصطناعى حين يُستدعَى بوعى، لا يُقصى الكاتب، بل يُنير له دروبًا جديدة ويفتح أمامه آفاقًا أوسع، دون أن يسلبه زمام القيادة. ويمكن توظيفه بطرق خلاقة، كأن يُستخدم لتحليل الأعمال السابقة للكاتب لاكتشاف أنماط أسلوبية متكررة، أو لاقتراح أفكار بديلة، أو للمساهمة فى ترجمة النصوص إلى لغات أخرى، أو لبناء ملامح نفسية معقّدة للشخصيات تصلح كأساس للتطوير الأدبى. غير أن الأمانة الفنية تقتضى أن يبقى القرار بيد الكاتب لا الخوارزمية، فهو «السيد» الذى يستدعى أدواته، لا «الخادم» الذى يستجيب لمقترحات البرمجيات، تمامًا كما الفارق بين المصباح ومن يشعل فتيله.
ومن خلال قراءته للمشهد المسرحى المعاصر، يرى أننا قد نكون على أعتاب زمن تُكتب فيه النصوص المسرحية وفقًا لاستجابات الجمهور الحيّة، أو انفعالاتهم الشعورية الملتقطة تقنيًا. ففى بعض المسارح التفاعلية فى كوريا الجنوبية وبريطانيا، باتت العروض تتشكّل لحظيًا، وتتغيّر نهاياتها أو ملامحها وفق تفاعل الجمهور عبر تطبيقات مخصصة. لكن تبقى الإشكالية: هل نكتب المسرح لإرضاء الجمهور؟ أم لزعزعة قناعاته؟ هل نقدم له مرآة يرى فيها ذاته؟ أم نلقى عليه حجرًا فكريًا يوقظه؟ المسرح - فى رأيه - ليس مرآة تجمّل، بل عاصفة تربك وتقلق وتعيد التفكير، بينما الخوارزميات قد ترضى، لكنها لا تهز، لا تجرؤ على السؤال الوجودى «من نحن؟»، بل تكتفى بـ»ماذا نحب؟». ومن ثم تتعاظم غربة المتلقى عن ذاته وعن الإبداع، وتتحوّل التجربة المسرحية إلى متعة عابرة، سطحية، تكرّس ثقافة «التيك أواي» التى نعيشها اليوم.
يوسف المنصور: التكنولوجيا تُثرى المسرح لكنها لا تُقصى الإنسان
ويرى المخرج يوسف المنصور أن إدماج التكنولوجيا الرقمية فى العمل المسرحى لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة، خاصة مع الانتشار الواسع للشاشات داخل المسارح، ما يمنح المخرجين مساحة أكبر لتوظيف تلك التقنيات فى رؤاهم الإخراجية. لكنه يؤكد أن هذا لا ينتقص من دور الممثل، بل يبقيه المحور الأساسى فى العملية المسرحية. فحتى إن تمحورت الرؤية حول أثر التكنولوجيا على الإنسان وتغير السياقات الاقتصادية والاجتماعية، فإن الممثل سيظل القلب النابض للعمل.
ويضيف المنصور أن التحديات التى تواجه المخرج اليوم تقنية بحتة، ويتساءل: «هل مسارحنا مهيأة فعلًا لاستقبال هذه التقنيات؟ للأسف، معظمها لا يدعم تقنيات مثل الواقع الممتد أو الهولوجرام». ولذلك، فالمشكلة لا تكمن فى الرؤية الفنية، بل فى البنية التحتية. لكنه يرى أن توظيف التكنولوجيا – إن جاء من صلب الرؤية – سيكون داعمًا ومُعززًا، لا عائقًا، مشددًا على ضرورة أن يكون المخرج مطّلعًا ومواكبًا للتطورات، لأن المتفرج أيضًا يتغيّر وتتغير تطلعاته.
ويؤكد المنصور أن المرونة سمة ضرورية للمخرج، خاصة فى تعامله مع الجمهور ورؤيته، ويستشهد بتجربته الشخصية فى توظيف التكنولوجيا، حيث استخدم الشاشة الرقمية فى أحد عروضه – وتحديدًا فى عرض «الحفيد» – لمساعدته على التنقل بين الأزمان، واستعراض مشاهد الخلفية للشارع المصرى فى الثمانينيات والتسعينيات والألفية، ما أضفى واقعية عالية على العرض، وأشعر الجمهور بأنه داخل بيت مصرى نابض بالحياة.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الهوية الإنسانية للمسرح عصية على الاندثار، رغم كل ما يظهر من تقنيات حديثة، ويقول: «المسرح سيظل مختلفًا، فالراديو والسينما والتلفزيون لم تنجح فى محو خصوصيته، لأنه قائم على التفاعل الإنسانى الحى، والواقع الافتراضى مهما تطوّر سيبقى بلاستيكيًا لا ينبض بوجدان الممثل الحقيقي».
ويرى أن المسرحيين الأذكياء سيعرفون كيف «يبتلعون» هذه التقنيات داخل عروضهم، بحيث تصبح جزءًا من الرؤية لا عبئًا عليها. ويُحذر من الإفراط فى استخدامها دون داعٍ، إذ لا بد أن يأتى التوظيف بدافع فنى واضح، ليصبح محسوبًا ومؤثرًا، لا مجرد بهرجة. ويختم قائلًا: «التقنيات أداة فى يد الفنان، وليست بديلًا عنه. وسيظل المسرح حيًّا ما دام ينبض بالإنسان.»
منار زين: الذكاء الاصطناعى لا يهدد سحر المسرح بل يعزّزه.
تؤمن الفنانة منار زين بأن إدماج التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعى، فى التجربة المسرحية لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة تفرضها طبيعة العصر والجمهور. وتشير إلى أن العالم كله يتطور ويصبح أكثر حداثة، وبالتالى فإن المسرح لا يمكن أن يظل بمعزل عن هذا التطور.
وترى أن استخدام الذكاء الاصطناعى لا يُهدد سحر الخشبة إطلاقًا، بل على العكس، يمكن أن يُضفى بُعدًا جماليًا جديدًا يعزز من حيوية اللحظة المسرحية، خاصة مع جمهور أصبح أكثر وعيًا واتصالًا بالتكنولوجيا، وسريع الإيقاع ومتجدد التفاعل.
وتوضح منار أن أدوات العصر باتت ضرورية للسيطرة على هذا النوع من الجمهور، مؤكدة أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى والواقع الافتراضى يفتح المجال أمام خلق عوالم متعددة داخل العرض المسرحى، بحيث يشعر المتفرج أنه انتقل فعليًا إلى أزمنة وأماكن مختلفة، ويعيش اللحظة وكأنها نابضة أمامه.
وتضيف أن الذكاء الاصطناعى يعزز الإحساس بالحيوية والنبض، لأنه ينقل واقعًا حيًا على الخشبة، واقع يمكن صناعته بضغطة زر واحدة. وترى أن من الطبيعى أن نلجأ إلى هذه الأدوات لصنع صورة مسرحية معاصرة تواكب الزمن، بدلًا من أن نظل نقدم مسرحًا بصريًا يشبه ما كان فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.
وتلفت إلى أن الزمن يتغير، وكذلك سيكولوجية الإنسان المصرى والعربى عمومًا، مشيرة إلى أن المسرح يجب أن يتعامل مع المتفرج من منطلق إسقاط الحيل الدفاعية كما كان يقول أرتو، وهو أمر لا يتحقق دون أدوات العصر. وتؤكد أن الذكاء الاصطناعى لا يُستخدم وحده، بل فى إطار إبداع بشرى مدعوم بهذه التقنية، لا مستبدل بها.
وتكشف منار زين عن أنها تفكر فعليًا فى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى داخل مسرح الطفل، لأن الطفل بطبيعته يتأثر بعنصر الإبهار، والتقنيات الرقمية قادرة على خلق هذا الإبهار، لتجعل الطفل يشعر وكأنه فى عالم سحرى. لكنها تعترف فى الوقت نفسه بأن البنية التحتية للمسارح فى مصر ما زالت غير مهيأة لتحقيق هذا المستوى من التكامل التكنولوجى.
وتشدد على أن التكنولوجيا كانت ولا تزال فى خدمة مبدعى المسرح، وكلما تطور الزمن زادت فرص الفنان الحقيقى فى توظيف هذه الأدوات داخل التجربة الحية، دون أن يُلغى دور العنصر البشرى، بل ليُدعم ويعزَّز ويُمنح زخمًا إضافيًا. فالتقنيات قادرة على خلق لحظات سحرية محسوسة تجعل الجمهور يعيش الحدث كأنه حقيقى تمامًا.
وتختم منار زين بأن المسرح مضطر لمجاراة الذكاء الاصطناعى لأنه يُوفر كثيرًا من الوقت والجهد، وأن وجود أنظمة تعمل بتكامل مع هذه التقنية من شأنه أن ينقل المسرح إلى آفاق جديدة. وفى الوقت نفسه، لا يمكن ولا يجب الاستغناء عن الإنسان داخل التجربة المسرحية، لأن الإبداع الحقيقى يظل إنسانيًا أولًا وأخيرًا.
بكار حميدة: الذكاء الاصطناعى سلاح ذو حدين فى تصميم الديكور المسرحى
يشير مهندس الديكور بكار حميدة إلى أن الحديث عن الذكاء الاصطناعى فى مجال التصميم المسرحى أصبح أمرًا لا يمكن تجاهله، لما له من تأثير مباشر على واقعنا الفنى، فى ظل تطور تكنولوجى تجاوز كل التصورات. يوضح أن الفنانين والمصممين لم يتوقعوا يومًا أن تظهر برامج قادرة على استقبال المعطيات الدرامية للنص وتوليد تصميمات للمناظر والأزياء تتجاوز خيال المصمم، وتقوم فعليًا بمهامه. ويعتبر هذا التطور سلاحًا ذا حدين: فهو إما أن يكون عونًا كبيرًا فى تقليل الجهد والوقت، أو أن يتسبب فى إلغاء دور المصمم تمامًا فى المستقبل. ولذلك يرى أن هذه القضية تمس جوهر العلاقة بين الفن والتكنولوجيا، خاصة فى مجال مركّب كديكور المسرح.
ويؤكد حميدة أن الذكاء الاصطناعى غيّر بالفعل طريقة التفكير فى تصميم الديكور المسرحي؛ فبدلًا من أن يبدأ المصمم من الصفر، بات يمكنه الاستعانة بتوليدات بصرية مبدئية توفر إلهامًا سريعًا وتصوّرات بديلة للأفكار. ويضيف أنه استخدم هذه الأدوات فى تجاربه مؤخرًا لتصور ديكورات رمزية وتعبيرية معقدة كبداية بصرية، ثم طوّرها يدويًا بما يناسب العرض واحتياجاته الفنية.
ويعترف بأن الذكاء الاصطناعى قادر على إنتاج جمال بصرى منافس، لكنه جمال مختلف؛ إذ يفتقد للارتباط بالزمن، والحركة، والسياق الدرامى، وهى عناصر لا يزال المصمم البشرى يتفوق فيها بفضل حسه الفنى وتفاعله الإنسانى مع النص.
ويبيّن أن الفرق الجوهرى بين التصميم اليدوى والرقمى يكمن فى النية والحسّ المسرحي؛ فالتصميم اليدوى ينبع من وعى المصمم بالمكان الحيّ، وخبرته فى التعامل مع إمكانيات الخشبة، واحتياجات الممثل، وتفاعل الجمهور، بينما يبقى التصميم الرقمى، فى الغالب، رؤية بصرية تفتقر للروح المسرحية العميقة.
كما يرى أن الذكاء الاصطناعى قد ينتج تصاميم خلّابة من حيث الشكل، لكنها لا تنجح بالضرورة على خشبة المسرح، إما لأنها غير واقعية، أو صعبة التنفيذ، أو لا تتناسب مع الإيقاع المسرحى وحركة الممثلين والإضاءة. فالحضور المسرحى يتطلب فهمًا للدراما وليس فقط للصور المبهرة.
ويؤكد حميدة أن الذكاء الاصطناعى لن يلغى دور المصمم، بل سيؤثر عليه ويوسّع من أدواته، تمامًا كما لم يُلغِ الكمبيوتر دور الرسام. فالمصمم الذكى هو من يستفيد من هذه الأدوات ويوظّفها فى تطوير عمله دون أن يخشاها.
ويختتم حميدة حديثه بأن الذكاء الاصطناعى قادر على محاكاة الضوء والخامات والعمق بصريًا، لكنه لا يستطيع أن يعيش التجربة المسرحية بكامل تفاصيلها. فالإضاءة تتغيّر حسب الإيقاع، والعمق يتحقّق بالحركة الحيّة، والخامات لها ملمس ووزن ورائحة، وهذه العناصر لا يمكن محاكاتها رقميًا حتى الآن.
إسلام إمام: المسرح لا يجب أن يبقى بمعزل عن الذكاء الاصطناعي
فيما يرى المخرج إسلام إمام أن كل تطور تكنولوجى أو مجتمعى يحدث فى حياتنا يمثل فرصة ينبغى استثمارها، بما فى ذلك الذكاء الاصطناعى، مؤكدًا أن المسرح لا يمكن أن يبقى معزولًا عن هذا السياق العام من التحولات، وإلا سيواجه مصير المهن التى اندثرت بسبب تجاهلها للواقع المتغير. ويشدد على أهمية مواكبة العصر، ليس فقط للمحافظة على حضور المسرح، بل لضمان تطوره واستمراريته.
ويؤمن إمام بأن الذكاء الاصطناعى وغيره من الأدوات الرقمية يمكن أن يسهم فى إثراء العرض المسرحى على المستويين الجمالى والدرامى، من خلال رؤى إخراجية متنوعة تُوظّف هذه الوسائل لخدمة الفكرة والموضوع، معتبرًا أن الفن فى جوهره – سواء كان مسرحًا أو سينما أو تليفزيونًا – يجب أن يخاطب الإنسان بلغة العصر التى أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ منها.
ويشير إلى أن الجمهور اليوم يعيش داخل منظومة تكنولوجية متكاملة، ومن ثمّ فإن جذب هذا الجمهور إلى المسرح يتطلب تطوير الوسيط المسرحى تكنولوجيًا. ويلفت إلى أن التطبيقات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعى و»تشات جى بى تي» باتت واقعًا يوميًا، مما يحتم على المبدعين التفكير الجاد فى استخدامها، ولكن بوعى وبطريقة مدروسة تخدم القضايا الإنسانية والفكرية المطروحة على الخشبة.
ويؤكد إمام أن الفنون لا تنفصل عن الواقع، وضرب مثالًا بتحول الهواتف المحمولة إلى أدوات تصوير متقدمة أغنت الناس عن استخدام الكاميرات التقليدية، وهو ما يعكس اندماج التكنولوجيا فى تفاصيل الحياة اليومية، وبالتالى فإن الفنان – بحسب قوله – هو أول من يجب أن يستفيد من هذه الوسائل داخل عمله المسرحى.
غير أن المعضلة الأكبر التى يراها إمام تتعلق بالإنتاج، سواء فى القطاع العام أو الخاص، حيث تتطلب الاستفادة من التقنيات الحديثة ميزانيات أكبر، ووعيًا فنيًا وتخطيطيًا بكيفية دمج هذه الوسائل داخل العمل المسرحى. من هنا تأتى أهمية أن تخصص المؤسسات جزءًا من ميزانياتها للتطوير التكنولوجى، بما يتيح للمخرج أن يتناول القضايا المعاصرة بأدوات معاصرة أيضًا.
ويختم إمام بالإشارة إلى أن المسرح، بمرونته وثرائه، قادر على احتواء كافة الفنون، كما فعل مع السينما التى استعان ببعض أدواتها داخل العروض، مؤكدًا أن بإمكانه اليوم أن يحتوى الذكاء الاصطناعى، والجرافيك، والتطبيقات الحديثة، بشرط توفر الرؤية الإخراجية والجمالية التى تُفعّل هذه العناصر داخل التكوين البصرى، وهو ما يشكل جوهر عمل المخرج وفريقه الفنى.
نهلة مرسي: الذكاء الاصطناعى لا يصنع فنًا.. بل يُنتج «مسوخًا باردة» لا روح فيها
ترفض مصممة الديكور والأزياء نهلة مرسى بشكل قاطع إدخال الذكاء الاصطناعى فى عملها، مؤكدة أن تصميم الديكور المسرحى هو فعل إبداعى إنسانى نابع من الخبرة، والمرجعية الثقافية، والذاكرة البصرية المتراكمة، ولا يمكن استبداله بأداة رقمية لا تملك الروح ولا البصيرة.
وترى أن الخيال البشرى لا يُضاهى، وأن ما يُنتج عبر الخوارزميات لا يمكن اعتباره «ديكورًا» بالمعنى المسرحى، بل هو مجرد مشهد خالٍ من الجوهر، يفتقر إلى الروح والملمس والوظيفة الدرامية. وتصف هذه الأعمال الرقمية بـ»المسوخ غير المقبولة»، لأنها تفتقد للتماس الحى مع النص والممثل والجمهور.
وترفض وصف ما ينتجه الذكاء الاصطناعى بأنه «مبهر»، قائلة إنه يخرج تصاميم مزعجة للعين، لا تحقق أى بعد وظيفى أو جمالى حقيقى. وتؤكد أن الإبداع لا يتولد من تكرار أفكار الآخرين، بل من مخيلة الفنان وقدرته على الخلق والتوليف والتأويل.
وتختتم نهلة مرسى موقفها بالتأكيد على أن هناك عناصر أساسية فى المسرح – مثل الضوء، والخامات، والعمق، والروح – لا يمكن برمجتها، لأنها جزء من الفكر البشرى الخلّاق، ومن وهبها الله للإنسان وحده.
سامح عثمان: الذكاء الاصطناعى لا يكتب... بل يُنشئ فقط !!
يرى الكاتب سامح عثمان أن الذكاء الاصطناعى قد يكون مساعدًا فى جمع التراث أو ترتيب المادة التاريخية، وربما يؤدى دور السكرتير المنظم أو المحاور التقنى، لكنه بعيد كل البعد عن القدرة على إنتاج كتابة إبداعية حقيقية. فالإبداع لا يُولد من الخوارزميات، بل من قلب الكاتب وروحه وندوبه وتجربته الإنسانية العميقة.
ويؤكد أن ما قد يكتبه الذكاء الاصطناعى لن يكون سوى نص آلى، جاف، منظم كمتوالية حسابية، خالٍ من بصمة الروح، بلا حزن ولا خذلان ولا أحلام ولا لحظات تهور وجدانية تُكسب النص حقيقته الإنسانية. إنها سطور مثالية كأنها من ملائكة، باردة كالثلج، أقرب لموضوع إنشاء منها إلى نص أدبى.
ويشير إلى أنه، رغم عدم متابعته الدقيقة للتجارب العالمية فى هذا المجال، فقد اختبر أدوات الذكاء الاصطناعى بدافع الفضول، وكانت النتيجة نصوصًا ملساء لا طعم فيها ولا حياة. وبهذا المعنى، فإن تجربة الكتابة ستبقى فى مأمن، لأنها فى جوهرها تعبير إنسانى لا يخضع لخوارزمية أو قاعدة بيانات.
ويحذر عثمان من الاعتماد على الذكاء الاصطناعى لتوليد الأفكار، لأنه ببساطة يعيد طرحها لآلاف المستخدمين إن تقاطعت أسئلتهم، مما يهدد أصالة العمل الأدبى. ويؤكد أن ما قد يكتبه الذكاء الاصطناعى لا يمكن وصفه بنص مسرحى حقيقى، لأن الكتابة ليست رصف كلمات، بل حياة تنبض بالحوار والبصمة والأسلوب.
ويختتم بقوله: «القلم هو من بدأ هذه الحياة، وهو من سينهيها بعد انتهاء الرواية.»
محسن رزق: التكنولوجيا ضرورة على المسرح لا تهديد.. والذكاء الاصطناعى إضافة حين يُوظَّف بوعي
يرى المخرج محسن رزق أن تأثير التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعى والواقع الافتراضى، بات واضحًا ومؤثرًا فى العملية الإخراجية، بل وأصبح ضرورة لا يمكن تجاهلها. فبرأيه، هذه الأدوات أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، كالأكل والشرب، ويجب على العاملين فى الوسط المسرحى مواكبتها والتعامل معها بوعى، سواء على مستوى النصوص، أو الإيقاع، أو عناصر الإبهار البصرى التى باتت من متطلبات الجمهور.
ويؤكد رزق أن كل شيء له مميزاته، وأن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يضيف بعدًا جماليًا للعرض المسرحى، شرط أن يُستخدم بشكل متوازن، ووفق رؤية واعية للمخرج، لا لمجرد توظيفه كموضة. فحين يُوظَّف الذكاء الاصطناعى فى المكان المناسب، وفى العرض المناسب، يمكن أن يدعم الصورة والتصميمات والعناصر الفنية الأخرى دون أن يهدد «سحر الخشبة»، بل على العكس، يمكن أن يخلق تناغمًا جديدًا بين أدوات المسرح التقليدية والحديثة.
عن تجربته الشخصية، يوضح أنه استخدم الذكاء الاصطناعى فى عروض الأطفال، وفى تصميم الصورة والدعاية، ومنها بوسترات أحد عروضه الأخيرة حين تعذّر التصوير نتيجة تأخر الميزانية، فاستعان بالأدوات الحديثة لصناعة ملصقات جذابة.
ويضيف أن التكنولوجيا اليوم دخلت فى كل شيء: الإضاءة، الصوت، الديكور، البرمجة، وحتى التحكم الكامل فى العرض، ما جعلها أداة تخدم القضايا الإنسانية التى يناقشها المسرح، بل وتدعم كافة عناصر العرض بشكل عام، بما فيها العروض التى تقدم على المسارح المجهزة بشاشات وتقنيات متطورة.
لكنه فى الوقت نفسه لا يغفل وجود أنماط أخرى من المسرح، كـ»المسرح الفقير» على طريقة جروتفسكى، المنتشر فى فرق الأقاليم والمستقلين ونوادى المسرح، التى لا تملك بنية تحتية متطورة، لكنها تواصل تقديم عروض ذات رؤية ومضمون، وتحقق الإبهار أحيانًا بوسائل بسيطة، سواء عبر أداء الممثل أو استخدام الرؤية الإخراجية المبتكرة.
وفى ختام حديثه، يصرّح بأن التكنولوجيا أصبحت أمرًا واقعًا، وأن المخرج الذى يريد مخاطبة جمهور اليوم المنفتح على اليوتيوب ووسائل التواصل، لا بد أن يعى متطلبات العصر، ويواكب ما يحدث فى المسارح العالمية فى إنجلترا وفرنسا وأمريكا، ويواجهه بأدواته الخاصة، شرط أن تبقى الرؤية الفنية هى البوصلة فى النهاية.