د. صالح السيد رضوان: الحكى الميدانى ليس مجرد جولة بل استعادة حية للذاكرة

د. صالح السيد رضوان: الحكى الميدانى ليس مجرد جولة بل استعادة حية للذاكرة

العدد 939 صدر بتاريخ 25أغسطس2025

ضمن فعاليات الدورة الأولى لمعرض الفيوم للكتاب، دورة الفنان عبدالرحمن رشدى، قدّم الأستاذ الدكتور صالح السيد رضوان، مدرس الآثار الإسلامية بكلية الآثار، جولة حكى ميدانية بعنوان «سيرة الفيوم».
انطلقت الجولة من أمام ضريح ومئذنة الشيخ على الروبى، وامتدت حتى جامع قايتباى، مرورًا بشارع سوق الصوف، فى سرد تفاعلى يعيد للفيوم جزءًا من هويتها التاريخية والاجتماعية. 
فى هذا الحوار، يحدثنا الدكتور صالح عن فكرة الجولة ومنهجها، وأهمية الحكى الشعبى فى زمن السرعة الرقمية.
فى البداية، ما الذى دفعك لتقديم جولة حكى بعنوان «سيرة الفيوم» ضمن فعاليات معرض الكتاب؟
نظرًا لكون هذه الدورة هى الأولى لمعرض الكتاب فى محافظة الفيوم، فقد صاحبها عدد من الفعاليات الثقافية المتنوعة، ومن بينها جولة الحكى التى نظمها المركز القومى للمسرح والفنون الشعبية. أطلقنا عليها «سيرة الفيوم»، لأنها تروى ملامح من تاريخ المدينة عبر شواهدها الأثرية، حيث اخترنا خط سير بسيطًا ومناسبًا لطبيعة الطقس فى الصيف، ونعلم أن المعرض فى الأعوام المقبلة سيُقام فى شهر مارس بالتزامن مع العيد القومى للمحافظة، ما يوفر ظروفًا مناخية أفضل. فالجولة ركزت على معالم من العصر الإسلامى، وهى أماكن مترابطة من حيث القصة والمكان، وبدأت من ضريح الشيخ على الروبى، مرورًا بشارع سوق الصوف، وصولًا إلى جامع قايتباى.
ما هو المنهج الذى اتبعته فى اختيار الحكايات التى سترويها خلال الجولة؟ وهل هناك خيط درامى أو سردى يربط بينها؟
اعتمدت فى اختياراتى على الجمع بين القيمة التاريخية لكل موقع، وارتباطه الاجتماعى والدينى بالمجتمع الفيومى.و سعيت لأن يكون هناك تسلسل سردى متصل بين الضريح والسوق والجامع، بما يُظهر جوانب من الحياة اليومية فى الفيوم خلال العصر الإسلامى، من الممارسات الدينية والتبرك بالأولياء، إلى الأنشطة التجارية.
تبدأ الجولة من أمام ضريح ومئذنة الروبى، لماذا وقع اختيارك على هذا الموقع تحديدًا كنقطة انطلاق؟
الأضرحة فى الثقافة المصرية تُعد جزءًا أصيلًا من النسيج الشعبى والدينى، حيث ارتبطت بالعادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية. وقد كان الشيخ على الروبى من الأولياء المعروفين فى الفيوم، وكان الناس يتوجهون إلى ضريحه طلبًا للبركة والشفاء. لذلك، يمثل هذا المكان مدخلًا مثاليًا للبدء فى الحكى، لما يجمعه من دلالة دينية واجتماعية وثقافية.
كيف ترى أهمية «الحكى الميداني» فى إعادة إحياء التراث الشعبى وتعزيز ارتباط الناس بتاريخ مدنهم؟
أرى أن الحكى الميدانى وسيلة فاعلة جدًا لإحياء التراث، فهو لا يقتصر على السرد فقط، بل يُتيح للمشارك أن يرى بعينيه ما يُحكى له، ما يجعل الأثر أعمق وأكثر ارتباطًا بالوجدان. وهذه الطريقة أقرب للناس، خاصة فى ظل العصر الرقمى الذى قلّ فيه التفاعل المباشر مع التراث. ومن هنا، تأتى أهمية دور المركز القومى للمسرح فى تبنى هذا النمط من النشاط الثقافى.
هل يمكن القول إن هذه الجولة تمثل إعادة سرد للهوية الثقافية للفيوم.. وما الذى يميز الفيوم عن غيرها فى هذا السياق؟
الجولة تُسلّط الضوء على جزء من الهوية الثقافية للفيوم، لكنها بالطبع لا تغطيها بالكامل، لأن الهوية تتكون من عناصر كثيرة. وما يميز الفيوم أنها تجمع بين التاريخ الطبيعى والإنسانى والدينى، وهذا ما يجعل كل محاولة لسرد تاريخها متفرّدة.
هل اعتمدت على مصادر شفاهية أم وثائق تاريخية فى إعدادك لهذه الجولة.. وما التحديات التى واجهتها فى توثيق بعض القصص؟
اعتمدت فى الأساس على المراجع والوثائق التاريخية، نظرًا لندرة المصادر الشفاهية فى العصر الحالى. استعنت بكتابات مؤرخين متخصصين فى التاريخ والآثار الإسلامية، وكان التحدى الأكبر هو التأكد من دقة المعلومات وربطها بالأماكن الفعلية ميدانيًا.
كيف ترى أهمية إقامة معرض للكتاب فى محافظة مثل الفيوم.. وما الأثر الذى تلمسه على الجمهور المحلى؟
إقامة المعرض فى الفيوم كانت خطوة موفقة للغاية، فقد أحدثت حراكًا ثقافيًا فى المحافظة، وجمعت بين الأدباء والنقاد والمثقفين. لاحظنا تفاعلًا واضحًا من الجمهور مع الكتب والفعاليات، وخلق ذلك حالة من الاهتمام والوعى بأهمية القراءة، ما يشجع على تكرار التجربة وتطويرها مستقبلًا.
كيف تقيّم التعاون بين المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية والهيئة العامة للكتاب فى هذه الدورة؟
التعاون كان على مستوى عالٍ من الاحتراف، وقد انعكس ذلك بوضوح فى جودة الفعاليات التى أقيمت، وعلى رأسها جولات الحكى. كل جهة قامت بدورها بشكل فعّال، وكانت النتيجة حدثًا ثقافيًا ناجحًا فى كل المقاييس.
هل تعتقد أن الأنشطة الثقافية المصاحبة للمعارض مثل جولات الحكى كافية لجذب جمهور أوسع للكتاب والمعرفة؟
هى بداية جيدة ومبشّرة، لكن لا بد من الاستمرار والتنوع فى هذه الأنشطة لجذب جمهور أكبر. الأنشطة الحية، خاصة الحكى الميدانى، لها تأثير أكبر من الفعاليات التقليدية، ويمكن أن تكون مدخلًا حقيقيًا لتعزيز حب المعرفة والقراءة.
ما تقييمك لمستوى التفاعل مع الفعاليات المرتبطة بالفنون الشعبية مقارنة بالأنشطة الأدبية البحتة؟
التفاعل كان مقبولًا بالنظر إلى عدد السكان وطبيعة المحافظة، لكن يمكن القول إن الفنون الشعبية حظيت باهتمام لا يقل عن الأنشطة الأدبية، خاصة أن الجمهور كان متعطشًا لهذا النوع من الفعاليات التى تُعيد وصل الناس بتراثهم.
ما الذى يمثله «الحكى الشعبى» بالنسبة لك على المستوى الشخصى والبحثى؟
الحكى الشعبى بالنسبة لى ليس مجرد أداة للتسلية، بل هو وسيلة لحفظ التاريخ ونقله من جيل إلى آخر. لقد نشأت على حب الحكايات الشعبية، وأدركت من خلالها كم هى مليئة بالمعلومات والتفاصيل التى قد لا نجدها فى كتب التاريخ الرسمية، لأنها تنقل حياة الناس العاديين لا الحكام فقط.
هل ترى أن هناك جيلًا جديدًا من الشباب مهتم بإعادة اكتشاف الحكايات والمأثورات الشعبية؟ وما الذى يحتاجه هذا الجيل؟
رغم انشغال الشباب بوسائل التكنولوجيا الحديثة، إلا أننى ألاحظ أن القصص والحكايات لا تزال تستهويهم حين تُقدَّم بأسلوب مشوّق. هذا الجيل بحاجة إلى من يفتح له الأبواب نحو هذا التراث، ويقدمه بطريقة تواكب اهتماماته المعاصرة.
برأيك، ما الدور الذى يمكن أن يلعبه المسرح الشعبى أو فنون الحكى فى ظل التحولات الرقمية المتسارعة اليوم؟
أعتقد أن المسرح الشعبى وفنون الحكى يمثلان أدوات قوية لمقاومة النسيان الثقافى، وهما بديلان حيّان لما قد يفقده الإنسان فى العالم الرقمى. الحكى الشعبى يُخاطب الوجدان، ويعيد للناس جزءًا من ذاكرتهم الجمعية التى قد تُنسى فى ظل تسارع العصر.
هل لديك نية لتكرار هذه التجربة فى مدن أخرى.. وهل يمكن أن تتحول الجولة إلى مشروع توثيقى موسّع؟
بالتأكيد. هذه الجولة كانت تجربة أولى، وهناك نية حقيقية لتكرارها فى محافظات أخرى. كما أن المركز القومى للمسرح يدرس حاليًا التوسّع فى هذا النوع من الجولات، وربما نرى قريبًا مشروعًا توثيقيًا شاملًا يُعيد لهذا التراث مكانته المستحقة.
كيف يمكن للجمهور أن يسهم فى الحفاظ على هذا التراث الشعبى الحى.. وهل ترى أن الحكى أداة مقاومة للنسيان؟
الجمهور يمكنه أن يسهم من خلال الاهتمام، والمشاركة، ونقل الحكايات للأجيال القادمة. الحكى ليس فقط وسيلة إحياء، بل هو فعل مقاومة للنسيان، لأنه يعيد ربطنا بجذورنا ويُبقى الذاكرة حية ومستمرة.


صوفيا إسماعيل