«شارع 19».. يرصد ملامح الحياة المصرية خلال مائة عام

«شارع 19»..  يرصد ملامح الحياة المصرية خلال مائة عام

العدد 939 صدر بتاريخ 25أغسطس2025

فى إطار الدورة الثامنة عشرة للمهرجان القومى للمسرح المصرى قدمت فرقة مركز الجيزة الثقافى التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة العرض المسرحى (شارع 19) على مسرح السامر، تأليف (محمود جمال حدينى)، وإخراج عمرو حسان وقد فاز العرض بعدة جوائز فى الدورة الـ47 من المهرجان الختامى لفرق الأقاليم
النص الدرامى (المسرحى):
كتب المؤلف محمود جمال حدينى النص المسرحى عام 2019م باسم شارع 19 وأسفل العنوان شارع الشيخ عايش سابقًا وأطلق المؤلف ذلك الأسم على النص لوجود رجل كان أول من سكن فى هذا الشارع يَحْلُم فى منامه أحلام تتحقق فى الواقع، فأُطْلَقَ عليه اسم الشيخ عايش لربما تتحقق أحلام الناس فى هذا الشارع لكنها لم تتحقق، وشارع 19 هو شارع من وحى خيال المؤلف وهو يعبر عن مكان يحمل تاريخ مصر وتدور الفكرة الرئيسية حول مصر فى مائة عام، يرصد فيها المؤلف تحولات الحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية والفنية لأحوال المصريين فى هذه الفترة الزمنية، وفى تلك الفترة يرصد التطورات أو الاختلافات التى أُدْخَلت على الشارع، والانكسارات والانتصارات التى مرت بها مصر، وما وصلنا إليه اليوم، فنجد داخل المقهى فى بداية الأحداث يقوم رجل بالغناء فيها ليسرى عن الزبائن، ثم تمر السنون ويتبدل الحال بدخول الراديو للمقهى فيتم الاستغناء عن المغنى، كما تظهر التحولات فى الانشطة التجارية للمحلات من ساعاتى إلى مصور إلى محل ملابس مستوردة فى عصر الانفتاح.
وحيث أن أى كاتب لنص مسرحى يتطلع لرؤيته يعرض على المسرح، وموضوع النص الذى كتبه حدينى من الصعب أن يقدم على المسرح فى فترة ساعة ونصف أو حتى ثلاث ساعات، ولذا نجد المؤلف فى نصه يقوم بسرد الأحداث ببطء فى بداية النص حتى يتعرف القارئ على موضوع النص ويتماهى معه، ثم يعرض ما يريد توضيحية من أحداث، ثم بدأ عرض الأحداث بشكل سريع ثم بشكل أسرع عندما قام بعرض مقتطفات من الحقب الزمنية التى يراها مناسبة لنصة، فيرصد ما قبل ثورة 1952م ومحاولة الفدائيين مقاومة الاحتلال الإنجليزى (البريطاني)، ودستور 23، والحرب العالمية وتأثيره على مصر والعالم والشح فى البضائع مثل أبسط متطلبات الحياة كالسكر والشاى، وظهور السوق السوداء، وتأميم قناة السويس، وعدوان 56، ونكسة 67، وانتصار 73، وافتتاح قناة السويس والانفتاح الاقتصادى وبداية صعود رأس المال المتمثل فى شخصية سعيد البكرى وجلبه للملابس المستوردة وتهربه من الجمارك، وغيرها من الأحداث، إلى أن يستعرض لنا بعض من الأحداث فى عصر الرئيس الراحل حسنى مبارك منها موضوع الريان وتوغل رأس المال، الكورة، الأغانى، الزلزال، الإرهاب، وضرب الأتوبيس السياحى، والتغيرات الديموغرافية التى طرأت على سكان شارع 19، من خروج ناس أقامت فى الشارع ودخول ناس جديدة ستقيم بالشارع، وعدد وكثافة السكان، وهكذا فى شكل جمل تلغرافية مثل الفوتو مونتاج فيرصد سريعًا مدة ثلاثين عامًا لأحداث مرت بها مصر والمصريين، ويعبر أيضًا عن سرعة إيقاع العصر، وهتافات 25 يناير، والنص لا يقدم دراما توثق للمرحلة التاريخية خلال المئة عام لكنه يقدم دراما تتأمل فيما حدث خلال تلك الفترة، وعرض المؤلف الأحداث بشكل محايد تمامًا دون أن تكون له وجهة نظر فهو ليس مع أو ضد أى حدث، لكنه يرصد فقط، ليوضح حال مصر سابقًا، وما وصلنا إليه اليوم. 

رؤية المخرج:
قام المخرج عمرو حسان باختزال بعض أحداث النص الدرامى، ومنها لم يذكر لماذا أطلق المؤلف على النص شارع الشيخ عايش سابقًا، وكذلك لم يستكمل الأحداث ويقدم 25 يناير عام 2011م وما بعدها، لكنه حافظ على الفكرة الرئيسية للنص ومن وجهة نظرنا أن المخرج ارتبط بزمن العرض حتى يستطيع دخول مسابقة المهرجان، أو رأى من وجهة نظرة أنها غير مهمة بالنسبة للمتلقى، ومن وجهة نظرنا أعتقد أن العرض انتهى عند عام 2010م.
كان ديكور (محمد فتحى + الملابس) عبارة عن منظر واحد يجسد الحارة الشعبية المصرية، فيظهر فى وسط عمق المسرح مبنى يمثل منزل مكون من طابقان، ويمثل الطابق السفلى مقهى معلق عليها لافته مكتوب عليها مقهى الشيخ عايش، والطابق العلوى يعبر عن شقة يظهر منها شرفة بها زخارف تعبر عن فترة القرن التاسع عشر، وعلى جانبى المسرح نجد مبنيان متماثلان يمثل كلًا منهما منزل لاحد شخصيات العرض فعلى اليمين منزل إبراهيم العطار وعلى اليسار منزل سليمان أول جار لإبراهيم يسكن فى شارع الشيخ عايش، وأثناء العرض يتحرك المنزلان ليظهر للمتلقى ما يدور فى داخل المنزل وقد وضعت ستارة على ما يمثل جدار والتى تفتح وتظهر داخل المنزل، وبكل منزل بلكونة يقدم بها جزء من الأحداث وهى مقابلة مباشرة للمتلقى أو من الجانب الداخلى المقابل للمقهى، ويستخدم الفراغ بين المنزلين ليعبر عن امتداد القهوة فى الشارع بوجود بعض الطاولات والكراسى، وفى أحيانًا أخرى تستخدم لرقصة المولوية، وفى مقدمة المسرح وعلى الجانبين يوجد محلان، المحل الموجود على يمين المتلقى محل عطارة إبراهيم العطار، والمحل الموجود على يسار المتلقى هو محل ساعات مراد ودائما ينادى بالخواجة، فكتب على يسار لافته المحل جملة مش خواجة، والتى رسم على يمينها ساعات وعقارب، ونظرًا لتعدد الفترات الزمنية التى تناولها النص حاول مصمم الديكور تغيير بعض الموتيفات لتؤكد ذلك مثل تغير لافتة محل الساعات إلى محل جورج المصور، تم محل ملابس سعيد البكرى حيث الملابس المستوردة ليؤكد لنا على عصر الانفتاح الاقتصادى، وباستخدام الحيل البسيطة بتحرك المنازل، أو تغيير اللافتات، أو دخول وخروج الطاولات والكراسى، وظهور عربة محملة بقدرة فول، استطاع مصمم الديكور أن يحول المنظر الواحد (الاستاتيكي) إلى منظر ديناميكى مع تغير الممثلين فى المكان، ويدل أيضا على مرور فترات زمنية. 
كانت الملابس والإكسسوار مناسبة للزمان فى العرض على الرغم من عدم التركيز على فترة زمنية محددة نظرًا لمرور الأحداث دون التركيز على أحداث فترة بعينها 
الإضاءة (عز حلمى) حاول أن يعبر عن الفترة الزمنية بمود الإضاءة من حيث التطور بلون وكثافة الإضاءة فعلى سبيل المثال نرى فى بداية العرض فى العقد الثانى من القرن العشرين ركز على الإنارة فقط ومحاولة لإظهار وجوه الممثلين حتى يرى المتلقى انفعالاتهم فاستخدم اللون الأصفر، ونجد أن شدة الإضاءة تزداد على مر الزمان، فنجد فى عصر الانفتاح الألوان الصاخبة وتزداد كثافة اللون الأحمر، واعتمد بإظهار اللون الأحمر عندما تحدث غارة عندما تكون البلاد فى حالة حرب، أو عند حدوث مشاجرات، واللون الأزرق فى مشاهد الليل، أو فى فترات الغموض وعدم اليقين، وفى مشهد الفرح أستخدم اللون الموف عند زواج سليمان، كما استخدمت الإضاءة مثل إضاءة السينما للتركيز على مكان الحدث وإعتام باقى الأماكن خاصة عند التنقل بين الأحداث التى تدور فى منزل إبراهيم ثم الأبن والاحفاد أو منزل سليمان والأبناء والأحفاد
أشعار الأغانى (أيمن النمر) كانت تلخيص لبعض الاحداث ومكملة للأحداث، ومنها أغنية ممد (مدد.. مدد.. مدد.. مدد ملوش أبدًا عدد.. مدد ومَدَلْنَ الأدين.. شوف كنا فين وبقينا فين.. عايشين عاملين أننا عايشين.. ومستنيين منك مدد)، وهى فى فترة الاحتلال الإنجليزى والتدخلات الأجنبية، ويعبر عن أن مصر دائما تحتاج للمدد من الله لما يحاك لها من مؤامرات، وأغنية (لَهْ كل حاجة حلوة منا بتختفى.. وبتبقى ذكرى وفى الخيال.. ومعاها نور دنيتنا يبقى ينطفى.. وحَالنا يبقى بألف حَال) وهى كلمات اجتماعية يتماهى معها المتلقى عند موت إبراهيم العطار، فماذا لو فقد الإنسان شيء له قيمة كبيرة فى حياته، هل يوجد أغلى من شريك العمر، وفى نهاية العرض نسمع كلمات (مكتوب علينا الرضا نرضى.. وفى دمنا حاضر وأمين.. وإن يوم زعلنا أو أتعصبنا.. يدوب زعلنا فى غمضة عين) وتعرض الحال الذى وصلنا له من تلوث سمعى وبصرى.
الموسيقى والألحان (حازم الكفراوى) كانت الأغانى والعزف الموسيقى حيًا وقد عكست الحالة الوجدانية للقرن التاسع عشر وتماهى معها المتلقى،
استعراضات (ياسمين عسكر) كانت مناسبة لزمن العرض.
كل الشكر إلى كل من ساهم فى خروج العرض للنور.
الممثلون:
سيد إبراهيم، سيف مرعى، أمنية محسن، منار عيد، سيف أشرف، محمد اشرف، شهاب أشرف، أمير أشرف، إبراهيم أبوعلى، آية خلف، مصطفى بهنسى، آية العزاوى، آية بدوى، محمد راضى، محمد كمال، محمد حسن، فوفا، وليد الفولى، محمد طارق، عبدالله مرسى، أيمن عفيفى، ميخا، عامر عبدالرحيم، شهد البربرى، دينا حمدى، عبدالوهاب محمد، نصر القبيصى، كريم ممدوح، أسماء أشرف، محمد فؤاد، ملك طارق، مصطفى إسماعيل، محمود الجابرى، علاء هاشم، أحمد شاهين.
الغناء: ياسمين محمد، سيف أشرف، وقاد العارفين تامر عبدالمجيد
فريق الإخراج: داليا الصاوى، غادة عادل، عادل دياب، أحمد شاهين، والمخرج المنفذ (عمر البدرى)، والشكر موصول للمخرج عمرو حسان لما بذله من جهد كبير فى تدريب الممثلين ومزج كل عناصر العرض فى بوتقة واحدة ليظهر بهذا الشكل اللائق، برؤيته الفنية لمتعة المشاهدين.


جمال الفيشاوي