العدد 939 صدر بتاريخ 25أغسطس2025
في نصّ مسرحي يتشح بالسواد، ويتهكم على السلطة، ويصرخ في وجه المصير، يجلس المخرج المسرحي جورج جيهام خلف كلمات الشاعر صلاح عبد الصبور، كمن يُشعل فتيل الغضب في صمت الليل. مسرحية “مسافر ليل” التي أعاد تقديمها ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الثامنة عشرة لعام 2025 برئاسة الفنان محمد رياض، لم تكن مجرد عرض مسرحي تقليدي، بل كانت تجربة بصرية وفكرية قاتمة، تشبه نشيدًا جنائزيًّا لعالم مريض.
هي ليست مجرد مسرحية قصيرة من فصل واحد، بل مرآة لزمن عربي منكسر، وإنجيل تعبيريّ لشعب يقف في دهليز الخوف، ينتظر قطارًا لا يعرف وجهته، ولا مَن يسوقه.
أولًا: البنية الدرامية – الاقتصاد في الشكل، والاتساع في الدلالة
تقوم المسرحية على ثلاث شخصيات فقط: الراكب، والمفتش، والسارد (المراقب/الصوت الخارجي)، وتدور أحداثها في محطة قطار مظلمة، ميتة إلا من صوت خطوات وسوطٍ يلوّح به مفتش يرفض أن يبتسم. هذه التركيبة تُظهر أثرًا واضحًا من مسرح العبث، حيث لا يُقدّم الزمن أو المكان أو الشخصيات على نحوٍ تقليدي، بل تأتي كلها مشوّهة، معطوبة، معلقة في الفراغ.
ثانيًا: رمزية الشخصيات – من الإنسان المقهور إلى آلة القمع
الراكب: هو الإنسان الفرد، المواطن البسيط، الحالم بحياة كريمة، الذي يشتري تذكرة، ويظن أن له حقًّا في السفر، لكنه يجد نفسه يُساق إلى مهزلة لا خلاص منها.
المفتش: هو سلطة مطلقة، غاشمة، متلذذة بعقاب الآخرين، تتحرك بدافع المرض النفسي، لا القانون.
السارد: هو عين الشاعر، وضمير العالم، وصوت داخلي يحاول تفسير العبث لكنه لا ينجح.
ثالثًا: اللغة الشعرية – موسيقى القهر
اللغة في “مسافر ليل” ليست نثرًا عاديًا، بل هي لغة شعرية مكثفة، مليئة بالإيقاع، والتكرار، والانفعالات. تُعمّق من الشعور بالغربة، وتُضفي على النص مسحة من الحزن الجمالي، وتجعل القارئ يشعر أن الحكاية أكبر من مجرد راكب ومفتش، بل هي حكاية الإنسان في مواجهة مصيره.
رابعًا: موت المعنى – حين لا يكون للضحية خلاص
في هذا النص، لا ينتصر الخير. لا يظهر مخلّص. لا تهبط العدالة من السماء. الراكب يُقتل، المفتش يضحك، والسارد يبكي. وكأن صلاح عبد الصبور يريد أن يقول: في هذا الزمن، لا أحد يأتي لإنقاذ أحد.
خامسًا: القطار كرمز – آلة الزمن العربي المعطل
القطار في المسرحية ليس وسيلة مواصلات، بل وسيلة إذلال. السكة الحديدية تمثل الطريق المغلق، النظام الفاسد، الدولة البوليسية التي تتحكم في حركة المواطن، وتُعلّق مستقبله في قبضة مفتش لا يرحم.
سادسًا: البعد الفلسفي – الله الغائب
في خلفية هذا النص، تكمن أسئلة لاهوتية مؤلمة. من الذي خلق هذا العالم المريض؟ من الذي أعطى المفتش سلطته؟ لماذا لا يتدخل أحد؟ أليس من العدل أن يُنصف الراكب؟ عبد الصبور لا يعلن إلحاده، لكنه أيضًا لا يُسلم بالرضا. هو يصرخ من داخل إيمانه، مثل أيوب، أو كمن يصلي في قلب الصحراء ولا يُجاب.
سابعًا: فيديوهات الحرب – حين يتحول المسرح إلى احتجاج
في قراءة حداثية مؤلمة للنص، لجأ المخرج جورج جيهام إلى توظيف الشاشة الخلفية كعنصر درامي بصري، حيث عُرضت مقاطع فيديو حقيقية توثّق مآسي حرب الإبادة التي تنفذها إسرائيل بحق الفلسطينيين: قتل الأطفال، تجويع العائلات، تهجير السكان، وهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها. جاءت هذه المشاهد المروعة كتعليق مباشر على فكرة “المفتش الإلهي” الذي يدير العالم بالقسوة، والذي يختبئ وراء شرعية القوة. بدا العرض وكأنه يتهم قوى عليا – بشرية أو لاهوتية – بترتيب هذا الجحيم بدم بارد، ويضع المتفرج أمام سؤال فادح: هل الله حقًا هو من يدير هذا القطار؟
هذه الإضافة البصرية لم تكن ترفًا جماليًّا، بل كانت توسعة جذرية في دلالة النص، حيث لم يعد المفتش مجرد سلطة محلية، بل رمزًا عالميًّا لكل الطغيان الذي يُمارس تحت صمت كوني مطبق، وكأن صرخات الأبرياء لا تصل إلى السماء.
ثامنًا: “مسافر ليل” في زماننا – لا تزال صالحة
على الرغم من أن المسرحية كُتبت قبل أكثر من خمسين عامًا، إلا أنها لا تزال نصًا حيًّا، يتنفس وجع هذا العصر. لا تزال السلطة تقتل، والعدالة غائبة، والمواطن غريب في وطنه. وقد يكون هذا ما دفع بعض المخرجين مؤخرًا إلى إسقاط المسرحية على الواقع الفلسطيني، أو استخدامها كصرخة احتجاج ضد موت الأطفال.
خامسًا: فريق العمل – وحدة فنية تعزف الألم
ساهم في هذا العرض عدد من الفنانين الذين تآلفت رؤاهم في خلق تجربة مسرحية وهم، تأليف النص الأصلي: الشاعر صلاح عبد الصبور، الممثلون حسب الظهور، عبدالرحمن حاتم، مصطفي حمدي، مؤمن وليد، احمد هشام، مكياج نسمة علاء ، تنفيذ ديكور اسلام عمر إضاءة محمود جراتسي، ملابس هناء النجدي، تأليف، موسيقى شريف اشرف، مونتاج عبدالله طيبة، مساعدا إخراج احمد هشام، محمد شرقاوى، تنفيذ موسيقي و اخراج جورج جيهام
“مسافر ليل” هي قصيدة مأساوية في هيئة مسرحية، تستدعي الدموع والأسئلة معًا. لا تنحاز لعبث لمجرد العبث، بل تسير داخل ممرات الخوف الإنساني بأسلوب فني مذهل. لا تنتهي بخلاص، لكنها تترك في القلب أثرًا لا يُمحى. لقد كتب صلاح عبد الصبور نصًا خالدًا، لا لأنه يقدم حلًا، بل لأنه يُحسن طرح الأسئلة الكبيرة بلغة الشعر والموت.