العدد 909 صدر بتاريخ 27يناير2025
افتقد المسرح السوري والعربي منذ أيام أحد قاماته التي سطرت جزءا كبيرا من تاريخه ورحلته لسنوات طويلة, إنه فرحان بلبل، ذلك الفنان الشامل الذي ترك بصمة واضحة في عالم المسرح العربي. بلبل، الذي رحل عنا تاركًا خلفه كما وكيفا غنيا من الأعمال والإنجازات، كان أكثر من مجرد كاتب ومخرج مسرحي، فهو فنان مثقف، ناقد متعمق، ومؤسس مدرسة فنية خاصة.
ولد محمد فرحان بلبل عام 1937 في مدينة حمص السورية، وسط بيئة علمية تقليدية اهتمت بالعلوم الدينية، حيث كان جده ووالد جده من علماء الفقه الإسلامي. نشأ في هذه البيئة المتشبعة بالعلم والدين، مما شكَّل خلفيته الثقافية والفكرية التي انعكست لاحقًا على أعماله المسرحية والنقدية.
تخرَّج بلبل في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة دمشق عام 1960، وبدأ حياته العملية معلمًا للغة العربية في المدارس الثانوية. استمر في هذا المجال حتى عام 1976، وكان عمله في التدريس بمثابة مرحلة تأسيسية ساعدته على تطوير مهاراته في التواصل والتعبير، وهو ما ظهر جليًا في مسيرته المسرحية لاحقًا.
من التعليم إلى خشبة المسرح:
رغم عمله كمعلم، كان بلبل يحمل شغفًا كبيرًا بالفن المسرحي. في عام 1968، دخل عالم المسرح من بوابة الأندية الفنية بمدينة حمص. كانت هذه الخطوة بداية مسيرته الفنية التي امتدت لعقود طويلة، حيث أصبح من أبرز رواد المسرح السوري والعربي.
تميزت أعماله المسرحية بتركيزها على القضايا الإنسانية والاجتماعية، متخذًا من المسرح وسيلة لإثارة التساؤلات العميقة والتعبير عن الهموم المجتمعية. لم يكن المسرح بالنسبة لبلبل مجرد نشاط فني، بل كان وسيلة للتغيير الثقافي والاجتماعي.
ألَّف بلبل أكثر من ثلاثين عملًا مسرحيًا، من بينها ست مسرحيات موجهة للأطفال. كما أخرج أكثر من أربعين عملًا مسرحيًا عُرضت في العديد من الدول العربية والعالمية. بعض هذه الأعمال عُرضت أيضًا على شاشات التلفزيون، مما وسّع نطاق تأثيره.
المسرح العمالي: تجربة فريدة:
في عام 1973، أحدث بلبل نقلة نوعية في المسرح السوري بتأسيس فرقة المسرح العمالي ضمن اتحاد عمال حمص. استهدف هذا المسرح فئة العمال، مقدمًا عروضًا تناقش قضاياهم وهمومهم اليومية. لم تكن هذه الخطوة مجرد تأسيس لفرقة جديدة، بل كانت تأسيسًا لمفهوم جديد في المسرح السوري والعربي، وهو المسرح العمالي.
وضع بلبل الأسس الفكرية لهذا النوع من المسرح، وكتب العديد من الدراسات حوله. عملت الفرقة تحت قيادته على تقديم عروض مسرحية في المدن والأرياف والتجمعات العمالية، مما جعل المسرح قريبًا من الجمهور بمختلف طبقاته.
قدمت فرقة المسرح العمالي أكثر من أربعين عرضًا مسرحيًا، تنوعت بين النصوص المحلية والعربية والعالمية. من أبرز أعمالها: “الممثلون يتراشقون الحجارة”, “العشاق لا يفشلون”, “الملك هو الملك” (لسعد الله ونوس), “مأساة الحلاج” (لصلاح عبد الصبور), و”وكالة عامة” (لقاسم المحمد). ولم تقتصر أعمال الفرقة على النصوص الكلاسيكية، بل شملت أيضًا نصوصًا معاصرة ومترجمة، مما أضفى تنوعًا على العروض المسرحية.
ريادة مسرح الطفل:
لم تكن إسهامات بلبل مقتصرة على المسرح الكلاسيكي فقط، بل شملت أيضًا مسرح الأطفال. أدرك بلبل أهمية توجيه الفن للأطفال لبناء أجيال قادرة على التعبير عن نفسها والتفاعل مع قضايا المجتمع. قدمت فرقة المسرح العمالي تحت إدارته العديد من النصوص الموجهة للأطفال، مثل: “البئر المهجورة”, “الصندوق الأخضر”, و”الجزيرة الخضراء”. تميزت هذه الأعمال بالجمع بين الجانب التربوي والترفيهي، مما جعلها وسيلة فعّالة لغرس القيم الإيجابية لدى الأطفال.
الكتابة النقدية: دور مزدوج بين الإبداع والتحليل:
إلى جانب كونه كاتبًا ومخرجًا مسرحيًا، كان فرحان بلبل ناقدًا بارزًا في المجال المسرحي. كتب العديد من الدراسات والمقالات النقدية التي تناولت قضايا المسرح العربي والعالمي. كانت كتاباته تحمل رؤية عميقة، حيث لم يكن يكتفي بوصف الظواهر المسرحية، بل كان يقدم تحليلات نقدية تسلط الضوء على مكامن القوة والضعف في الأعمال المسرحية.
من أبرز مؤلفاته النقدية: «المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة» (1983), «أصول الإلقاء والإلقاء المسرحي» (1991), «المسرح السوري في مئة عام» (1997), «النص المسرحي: الكلمة والفعل», و»من التقليد إلى التجديد في الأدب المسرحي السوري”.
شكلت هذه المؤلفات مرجعًا هامًا للمهتمين بالمسرح، حيث تناولت قضايا تتعلق بتطور المسرح العربي وأهميته في التعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية.
التعليم المسرحي: تكوين أجيال جديدة:
عمل بلبل في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق أستاذًا لمادة الإلقاء المسرحي بين عامي 1986 و2011. خلال هذه الفترة، ساهم في تخريج جيل جديد من الفنانين الذين أصبحوا اليوم من أعمدة المسرح السوري والعربي. كما تولى رئاسة تحرير مجلة “الحياة المسرحية” عام 2005، حيث ساهم في إثراء النقاش حول قضايا المسرح ونشر الثقافة المسرحية بين القراء.
فرحان بلبل: رؤية متجددة للمسرح:
تميزت أعمال فرحان بلبل المسرحية برؤية متجددة تجمع بين الأصالة والحداثة. استلهم أعماله من التراث العربي، لكنه لم يكتفِ بنقله، بل عمل على تحديثه وإعادة صياغته ليتناسب مع قضايا العصر.
كما تأثر بالتيارات المسرحية العالمية، وخاصة المسرح الواقعي والمسرح التجريبي. ساعده هذا التأثر على تقديم أعمال تنبض بالحيوية وتعكس التنوع الثقافي.
قدم فرحان بلبل أعمالا كثيرة في مجال المسرح، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو مؤلفاته النقدية أو مساهماته في التعليم المسرحي. تم جمع أعماله في المجموعة الكاملة التي صدرت في خمسة مجلدات عام 2001. تضم هذه المجموعة النصوص المسرحية التي كتبها، بالإضافة إلى مجموعة من الحوارات الصحفية التي أجريت معه على مدار أكثر من ثلاثين عامًا. من أبرز مسرحياته: “الحفلة دارت في الحارة”, “الجدران القرمزية”, “القرى تصعد إلى القمر”, و”ثلاث مسرحيات غير محايدة”.
يتضح مما سبق أن فرحان بلبل يمثل نموذجًا فريدًا للمثقف الذي نجح في توظيف الفن المسرحي لخدمة قضايا المجتمع. استطاع من خلال كتاباته وإخراجه أن يثبت أن المسرح ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل هو أداة للتغيير الاجتماعي والثقافي. وتظل أعمال فرحان بلبل شاهدًا على دوره المحوري في النهوض بالمسرح السوري والعربي، ليبقى اسمه خالدًا في ذاكرة الفن المسرحي.
حظي فرحان بلبل بتقدير واسع من المؤسسات الثقافية والفنية على المستويين المحلي والدولي، حيث تم تكريمه في العديد من المناسبات التي شهدت اعترافًا بدوره الريادي في تطوير المسرح العربي. ففي عام 1995، كرَّمه مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي بوصفه واحدًا من بين عشرة من أهم المسرحيين في العالم.
كما كرَّمته مديرية الثقافة في حلب عام 1997، واحتفى به اتحاد الكتاب العرب في سوريا عام 2001 تقديرًا لإسهاماته الأدبية والمسرحية. وفي عام 2003، كرَّمته نقابة الفنانين السوريين خلال مهرجان حمص المسرحي السادس عشر، ليعود التكريم في العام التالي من قبل وزارة الثقافة السورية ضمن فعاليات مهرجان دمشق للفنون المسرحية الثاني عشر.
كان لفرقة المسرح العمالي، التي أسسها بلبل، مكانة خاصة في حياته المهنية، إذ كرَّمه اتحاد عمال حمص عام 2006 في الذكرى الثالثة والثلاثين لتأسيس الفرقة، وفي العام نفسه كرَّمته مدينة الحسكة خلال مهرجان ثقافي كبير. وفي عام 2007، احتفى به الاتحاد الوطني لطلبة سوريا ضمن مهرجان المسرح الجامعي الحادي والعشرين.
توالت التكريمات بعد ذلك، إذ كرَّمته جمعية أصدقاء حمص عام 2009، كما احتفى به الاتحاد العام لنقابات العمال خلال الدورة العشرين لمهرجان المسرح العمالي المركزي في العام نفسه. وفي 2010، نال تكريم نقابة المعلمين السورية خلال احتفالها باليوم العالمي للغة العربية، وتبع ذلك تكريمه من قبل رابطة الخريجين الجامعيين في حمص، وكذلك من جامعة حلب خلال فعاليات الندوة الدولية للنقد التطبيقي.
الرحيل ووداع المسرح:
توفي فرحان بلبل عن عمر ناهز الثامنة والثمانين، في يوم الجمعة الموافق 17 يناير (كانون الثاني) 2025، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع. نعاه اتحاد الكتاب العرب بدمشق في بيان مؤثر، جاء فيه: “خسر اتحاد الكتاب العرب في سوريا اليوم أحدَ أهم رواد المسرح وأكبر منظريه، الكاتب والناقد والمخرج فرحان بلبل، عن عمر ناهز 87 عامًا، أثرى خلالها المسرح السوري والعربي بأهم الأعمال.”
برحيله، طُويت صفحة من تاريخ المسرح السوري والعربي، تاركًا خلفه الكثير من الأعمال المسرحية والنقدية التي ستبقى شاهدًا على عبقريته وريادته.