ماذا نعرف عن المسرح الإندونيسى؟

ماذا نعرف عن المسرح الإندونيسى؟

العدد 916 صدر بتاريخ 17مارس2025

ماذا نعرف عن المسرح الإندونيسى؟ توجد فى إندونيسيا حركة مسرحية مزدهرة وناضجة لايكاد احد يعرف عنها شيئا خارج هذا البلد المسلم الواقع فى آسيا. ويأتى ذلك رغم أن فرقًا مسرحية إندونيسية تشارك فى المهرجانات المسرحية على مستوى العالم وتلقى عروضها الإعجاب. وكان أحدث مثال على ذلك مهرجان المسرح الذى عقد فى المغرب قبل أيام.
واليوم سوف تكون لدينا فرصة للتعرف على بعض ملامح هذه الحركة من خلال «ميرا»، وهى مسرحية غنائية عرضت على مدى يومين فقط على مسرح «بيسار» فى العاصمة الاندونيسية جاكرتا. ومن المثير أن المسرحية كانت تقدم مرتين فى اليوم كل عرض بواسطة فرقة أى أن فرقتين قدمتا العروض الأربعة. واحدى الفرقتين تحمل اسم «برودواى إندونيسيا» وكان المخرج واحدًا.
والمسرحية تتناول حياة «ميرا»، وهى شخصية نسائية من التراث الشعبى الإندونيسى، ويعنى اسمها باللغة الإندونيسية الفتاة الجميلة الرقيقة. وجسدت شخصيتها فى ممثلة إندونيسية شهيرة هى عائشة دافييرا.
وتم عرض سيرة حياة «ميرا» من خلال تقاليد الزواج الشعبية الإندونيسية المعروفة باسم البيتاوى، والتى تسود بشكل خاص فى العاصمة جاكرتا وضواحيها والجزر المحيطة بها فى هذا البلد الذى يضم أكثر من عشرة آلاف جزيرة.

كيمياء
وتدور أحداث المسرحية حول ميرا الجميلة التى تعيش مع والدها منذ طفولتها بعد وفاة امها ولم يكن له أبناء سواها. وعندما تكبر وتصل إلى سن النضج ويتالق جمالها يلح عليها ابوها بانج بودونج الذى جسد شخصيته حلمى طاهر أن تتزوج. ولم يكن لديها ميل للزواج لكنها كانت تخفى هذا الأمر. وكانت تبرر العزوف بأنها ترغب فى الزواج لكنها لن تتزوج إلا من شخص يهزمها فى مبارزة بالسيف.
وذات يوم تعرض منزل فى مقاطعة ماروندا حيث دارت احداث المسرحية للسرقة. وقامت ميرا بدور ضابط الشرطة وبدأت فى البحث عن الجناة. ووصلت إلى ما اعتقدت أنه أدلة تدين شخصًا يدعى «اسنى». ويشعر اسنى بالغضب عندما يواجه بهذه الاتهامات فيتوجه إلى ماروندا ويقابل ميرا ويدور بينهما حديث عاصف. ويتفق الاثنان على خوض مبارزة ينتصر فيها اسنى على ميرا.
وهنا يلاحظ الأب كيمياء خاصة قوية بين الاثنين ويسعى الى التقريب بينهما من أجل ان يتم الزواج الذى يتم أخيرًا وسط حفل تبرز فيه البيتاوى أو تقاليد الزواج الإندونيسى. ومن هذه التقاليد على سبيل المثال لا الحصر البانتون (الأغانى القصيرة المقفاة) التى يتبادلها أبطال العرض بأكثر من لغة من مئات اللغات المتداولة فى إندونيسيا.

زفاف حقيقى
ويرى الناقد المسرحى لصحيفة جاكرتا بوست الإندونيسية أن المسرحية نجحت فى التعبيرعن تقاليد البيتاوى بشكل كبير يجعل مشاهد المسرحية يشعر بأنه يجلس فى حفل زفاف حقيقى ما شكل متعة كبيرة للجمهور الذى شهدها بعرضيها على مدى اليومين.
ويعود الناقد فيتحدث عن فصول المسرحية فيقول إن الفصل الأول يقدم صورة معبرة للحياة الاجتماعية فى إندونيسيا والخلافات بين العائلات والمناخ الاجتماعى الذى وقعت فيه جريمة السرقة. ويستخدم المخرج أسلوب العرض الجماعى لتقديم كل أسرة إلى جمهور المشاهدين. هذا مع بعض اللمسات الفكاهية وبعض الحركة لدفع الملل عن المشاهدين.
ويرى الناقد أن الفصل الثانى كان أقل إثارة وحيوية من الفصل الأول وإن غطت على بعض عيوبه مشاهد الحوار بين ميرا واسنى وبين ميرا وابيها رغم قصورها التعبيرى. وربما كان وراء ذلك ان المشاهدين كانوا يعلمون ان الزواج سوف يتم فرأى كاتب المسرحية إنه لا داع لإجهاد نفسه فى صياغة الحوار. وكان ذلك فى رأى الناقد نقطة ضعف غير مبررة دراميًا فى إقناع المشاهد بهذه الكيمياء.
وقد غابت عن الفصل الثانى بعض مشاهد الخلفيات والشخصيات الثانوية التى أضفت الحيوية على الفصل الأول. كما لجأت شخصية «ميرا» أحيانًا إلى تعبيرات نمطية غطت على شخصيتها المتميزة فى التعبير التى تميزها عادة فى أعمالها المسرحية.

بعض المرح
ويعود الناقد فيشيد بأبطال العمل المسرحى، ويقول إنهم لجأوا الى بعض المرح فى التعبير للتغطية على نواحى الضعف. وهو نفسه استمتع بهذه المواقف المرحة.
ورغم مأخذه على العرض يعود الناقد فيقول إنه استمتع كثيرًا بهذا العرض الذى كان قصة جذابة ضحك كثيرًا خلالها حتى فى المواقف التى كانت نهايتها معروفة مقدمًا. وتضمنت المسرحية عرضًا جيدًا لثقافة البيتاوى. وقبل هذا، وذاك كان الممثلون مندمجين فى تجسيد شخصياتهم إلى درجة التنافس. وهو عرض يستحق المشاهدة إذا أعيد عرضه.

تجارب مبشرة
وتشهد الحياة المسرحية فى إندونيسيا بين الحين والآخر عددًا من التجارب المسرحية المبتكرة.
فعلى أحد مسارح العاصمة الإندونيسية جاكرتا بدات فرقة تطلق على نفسها اسم «خيال الصم» أول مسرحية موسيقية فى إندونيسيا يشارك فريق من الممثلين والممثلات والفنيين من الصم.
ويؤدى الممثلون والممثلات أدوارهم بتعابير وجوههم ولغة الإشارة بإيديهم. هذا بينما تستعين الفرقة بشاشات حول خشبة المسرح  لتعرض الحوار وكلمات الأغنيات.
وتتناول المسرحية الموسيقية «أغانى الصمت» محنة الطلاب فى مدرسة متوسطة (إعدادية) للأطفال ذوى الإعاقة، وألّفت المخرجتان حسنة مفيدة وهيلجا تريزيا المسرحية بهدف زيادة الوعى والتشجيع على استخدام لغة الإشارة.
وتقول مفيدة، وهى صماء، بلغة الإشارة الإندونيسية «أملى هو أن نتمكن فى المستقبل من تعزيز الشمول، وألا يكون هناك تفوق للسمع بين الصم ومن يسمعون، نحن متساوون».
واستغرق إعداد المسرحية الموسيقية، التى شارك فيها أكثر من 60 ممثلًا وطاقم عمل من الصم تتراوح أعمارهم بين 16 و40 عامًا، 3 أشهر. وقالت هيلجا إنها مستوحاة من مسرح الصم فى الولايات المتحدة.
ويتناول العرض تعليم ذوى الاحتياجات الخاصة فى المدارس الإندونيسية، إذ يركز تعليم الطلاب الصم فى كثير من الأحيان على تدريبات الكلام وقراءة الشفاه، أكثر من التركيز على لغة الإشارة، وسط نقاش أوسع حول أفضل أساليب تعليم الأطفال ذوى الإعاقات السمعية.
يرى البعض فى مجتمع الصم أن التعليم الشفهى قد يؤدى إلى الشعور بالغربة والانعزال، وأن لغة الإشارة هى وسيلة طبيعية أكثر للتواصل بالنسبة لهم، ويقول أنصار هذه الطريقة إنها قد تعمل على دمج الأشخاص ذوى الإعاقات السمعية بشكل أفضل مع المجتمع.
وترى الممثلة الصماء هانا أريثا أوكتافيا أن العرض الموسيقي، كان بالنسبة لها وسيلة لتقديمها للغة الإشارة ومجتمع الصم الأوسع، وأضافت: «خلال تدريبات الحوار، كان علينا استخدام أكبر قدر ممكن من التعبيرات ومتابعة مجريات القصة».
وتابعت قائلة: «ما هو مثير للاهتمام هو أننا فى التدريبات علينا أن نشعر بالإيقاعات والاهتزازات ونطابقها مع حركات الرقصات، أتصور أن هذا هو الجزء الأكثر إثارة للاهتمام لأننى أحب أن أرقص، وقد انتبهنا جيدًا للإيقاعات بمساعدة وسائل سمعية، نستخدم مكبرات صوت ضخمة للمساعدة فى توجيهنا».
ومن بين سكان إندونيسيا، وعددهم نحو 280 مليون نسمة، يعانى أكثر من مليونين من إعاقات سمعية، بما فى ذلك 27983 طالبًا فى مدارس لذوى الاحتياجات الخاصة.
 وهناك مسرح العرائس هو شكل تقليدى يرجع إلى جزر جاوا  وأجزاء أخرى من جنوب شرق آسيا، حيث يتم سرد قصة درامية من خلال الجمع بين العرائس وخيال الظل ودمجها أحيانًا مع  شخصيات بشرية.


ترجمة هشام عبد الرءوف