«تجريب فى المسرح» .. لا «مسرح تجريبى»

«تجريب فى المسرح» .. لا «مسرح تجريبى»

العدد 939 صدر بتاريخ 25أغسطس2025

منذ الدورة الأولى للمهرجان التجريبى، كنت أكرر هذه الصرخة: “تجريب فى المسرح.. لا مسرح تجريبى».
وكثيرًا ما سألنى الأصدقاء: هل يختلف المعنى كثيرًا يا محمد؟ وكنت أجيبهم: “نعم.. لأن التجريب ليس نوعًا مسرحيًا محدد القواعد، بل هو موقف وفعل، روح تُحيى المسرح من الداخل، بينما عبارة ‘مسرح تجريبي’ توحى بوجود قالب جاهز، وكأننا أمام مدرسة أو تصنيف ثابت».
إن رفضى لمصطلح «مسرح تجريبى» ليس لأنه خاطئ فى تركيبه اللغوى، بل لأنه يوحى بما ليس فيه: كأننا أمام نوع مسرحى قائم بذاته، له أصوله وحدوده، كما نقول “مسرح كلاسيكى» أو «مسرح عبثى». لكنّ التجريب، فى حقيقته، لا يعرف حدودًا ولا يعترف بقالَب. هو نهر يتدفّق فى مجرى المسرح، لا بحيرة تُسمّى باسمه.
التجريب ليس مدرسة تُدرَّس، بل موقف جمالى وفكرى، شجاعة يختارها المبدع حين يرفض المألوف ويتمرّد على التكرار. هو رغبة فى اختبار كل ما نظنه ثابتًا، وتفكيك كل ما استقر فى وعينا من أشكال. لذلك، أجد الصياغة الأدق أن نقول: “التجريب فى المسرح”، لا “مسرح تجريبى».

لا وصفة جاهزة للتجريب
التجريب لا يُختزل فى بعض الحيل الشكلية، ولا يُقاس بكسر إضاءة هنا، أو تشظية جملة هناك، أو بعثرة شخصية وسط رموز غامضة.
حين يتحول التجريب إلى وصفة جاهزة، يفقد روحه ويصبح مجرد قناع جديد للرتابة.
التجريب الحق ليس فى نفى الأشكال القديمة، بل فى إعادة اكتشافها. قد يطلّ علينا عرض كلاسيكى فى بنائه، لكنه يهزّنا من الداخل عبر إيقاع إخراجه، أو حضور ممثليه، أو الصورة البصرية التى يخلقها. الشكل ليس الغاية؛ الغاية أن يستيقظ المتفرج وقد ارتجّت أسئلته.

تجربة شخصية
ما زلت أحمل فى ذاكرتى، منذ ما يقارب ثلاثين عامًا، عرضًا مسرحيًا لفرقة إنجليزية استضافتها دار الأوبرا المصرية، وقدّمت خلاله نص شكسبير الأشهر الملك لير. كان العرض مدهشًا فى بساطته: ستة ممثلين فقط، ثلاثة رجال وثلاث نساء، يؤدّون النص كاملًا من دون حذف، وعلى خشبة عارية لا تحتوى سوى سلمين غير متكافئين ودلو ماء فضى.
دخل الممثلون بملابسهم العصرية، يحيّون الجمهور، ثم يعلّقون أوشحتهم وملابسهم على الجدار الأسود، ويشرعون فى تمثيل الأحداث. وكأنهم عقدوا معنا ـ بلا تصريح ـ اتفاقًا واضحًا: الممثل الذى يتجه نحو عمق الخشبة ويدير ظهره للجمهور يُعتبر غائبًا عن المشهد. وهكذا تنقّل كل ممثل بين أكثر من دور، فحضرت جميع شخصيات شكسبير العظيمة، لكن عبر ستة ممثلين فقط.
وفى مشهد العاصفة الشهير، فوجئنا بالممثل الذى يجسّد شخصية لير يحمل الدلو بيده، ويمد الأخرى داخله ليرشّ الماء على رأسه وهو ينشد مونولوجه العاصف، بينما أرضية الخشبة ـ بفعل الإضاءة ـ تكتسى بظلال أوراق الشجر. لحظة عارية من كل زخرفة، لكنها فجّرت طاقة مسرحية نقيّة لا أنساها حتى اليوم.
دائمًا أذكر هذه التجربة كدليل على أن التجريب لا يعنى بالضرورة هدم النص أو الانقلاب على معناه الأصيل. فالنصوص الكلاسيكية الكبرى، كأعمال شكسبير، تتسع فى بنيتها وعمقها لقراءات لا حصر لها، تسمح للمخرج أو الفرقة بأن يضيفا لمساتهما الخاصة دون أن يفرطا بالجوهر. التجريب هنا لم يكن غريبًا عن النص، بل كان امتدادًا لإمكاناته الكامنة، يكشف عن طبقات جديدة من المعنى ويمنح المتلقى فرصة لرؤية العمل بعيون مختلفة.

التجريب العربى
وفى العالم العربى، وُجد من حمل المشعل نفسه: الطيب الصديقى فى المغرب، وهو يمزج الحكاية الشعبية ببناء حديث؛ فاضل الجعايبى فى تونس، حين جعل الجسد والفضاء نصّين إضافيين إلى جانب الكلمة؛ يوسف العانى فى العراق، وهو يسكب الهم الاجتماعى فى قوالب متجددة، والأسماء كثيرة، إن ذكرناها جميعًا لن تكفيها هذه المساحة الضيقة.
 وفى مصر أيضًا لن نستطيع ذكر جميع المبدعين، لكن لا يمكننا أبدا أن نتجاهل سمير العصفورى، الذى أبحر فى أكثر من اتجاه: سياسى ساخر، تراثى معاصر، لكنه ظل وفيًّا لفكرة التجريب بوصفه بحثًا عن علاقة حية بين النص والممثل والمتفرج، دون أن يقع فى فخ التغريب المفتعل. ولعل جيلى لم ينسَ بعد تجربتيه الفريدتين (العسل عسل والبصل بصل) و(التربيع والتدوير)، المأخوذتين من نصوص تراثية، الأول قصيد لبيرم التونسى، والثانى من كتابات الجاحظ.
ومن قبله ومعه، كان كرم مطاوع الذى حمل وعيًا بالمسرح (طبيعة ودور)، اشتغل فى أعماله على الإيقاع والبصر، ليخلق فضاءً يخصّ المتلقى، واستحق أن يكون المفصل والمقياس للإخراج المصرى بل والعربى.
ومن بعدهم خرج جيل تالٍ، سواء على مستوى الكتابة كـ(محمد عبد العال الفيل)، أو على مستوى الإخراج كـ(ناجى كامل)، يستلهمان الطقوس المصرية والأنماط الشعبية ويحيلانها إلى عرض حديث يناقش قضايا عصرية.
ومن بعدهم جاء أبناء جيلى فى الدورات الأولى للمهرجان بعروض تطرح شكلًا ومعنى جديدًا دون الوقوع فى فخ التقليد الأعمى للعروض الغربية، أمثال ناصر عبدالمنعم، أحمد مختار، صالح سعد، وانتصار عبدالفتاح، وغيرهم الكثير.
ثم جاء جيل آخر، يحفر كل فرد منه لنفسه رافدًا يخصه، يجرب ويجرب ويجرب، ليس بهدف التميز عن الآخرين أو التباهى بعرض غريب، بل لاستكمال تجربة آمن بها، مستندًا إلى أن “التجريب فى المسرح يستهدف أولًا وأخيرًا جمهورًا محددًا له خصوصيته”. ومن هؤلاء أذكر: منصور محمد، سعيد سليمان، عبير على، محمد أبوالسعود، طارق الدويرى، وغيرهم الكثير.

هو تجريب إذن لا تجريبى
التجريب ليس ديكورًا جديدًا نضعه على الخشبة، ولا شاشة إليكترونية تبهرنا بما تعكس، ولا حتى ذكاء اصطناعى يحرك الكتل ويبدل الألوان، بل قدرة العرض على فتح ثغرة فى وعى المشاهد، ويضعه أمام سؤال غير مطروح. أحيانًا يكون السؤال أهم من الجواب، والشرارة أهم من النار.
لذلك قلنا ونقول إن الخطر كل الخطر أن يُعامل التجريب كغاية فى ذاته. حينها يتحوّل المسرح إلى مختبر بارد، ملىء بالأدوات، خالٍ من الأسئلة.
لهذا سأظل أتمسك بعبارة: “التجريب فى المسرح”، لأنها تمنح هذا الفعل مرونته وجموحه، وتبقيه مفتوحًا على الغد، بدل أن نحبسه فى قفص اسمه “المسرح التجريبى».


محمد الروبي