تعديل النوسانى دون فائدة!

تعديل النوسانى دون فائدة!

العدد 939 صدر بتاريخ 25أغسطس2025

نتابع المحذوفات التى قام بها المؤلف «عبدالغنى داود» فى نص مسرحيته «النوساني».. الحوار ص(43) تم حذفه، وهو: النوساني: (مستأسدًا) لا الراجل بتاعك هيقدر يعمل لى حاجة، ولا واحد فيهم هيقدر يمشى كلمته على واحد ساعى.. إلا إذا كان ساعى ملوش ضهر.. أحلف لك بإيه أنا ما فرحت بالترقية.. زمان كان رئيس القسم يرعب مدينة والكل يرتجف منه.. دلوقت العدد فى الليمون.. كل اللى هاتقابلهم ماشيين فى الشارع وكلاء وزارة. عبدالواحد: الراجل بتاعنا جاى اسمع كلامى.. عرفت من مصدر أكيد.. واحد منهم كلمنى فى التليفون، وهيحصل تغيير. النوساني: ما كل يوم بيتغيروا، وبيجيبوا لنا مديرين ووكلا.. مرة واحد عجوز ومرة عيل صغير ومرة صعيدى ومرة منوفى.. وما حصلش حاجة..
 الراجل بتاعك جاى منين؟ من السما؟ وألا برضه صعيدى ولا من المنوفية.. يعنى المرة دى هيبقى شرقاوى ولا فيومى.. الناس اللى زينا يا عبدالواحد لازم يعوموا، واللى ما يعومش يغرق.. خليك عوام يا عُبد.. لما تغطس فى ميدان التحرير لازم تقب فى العتبة”. فى ص(50) حذف وعدّل المؤلف قول عبدالواحد: “ما أنت عارف ومتأكد أن واحد هييجى يطيرنى من هنا فى يوم من الأيام زى اللى قبلى ما طار.. لازم أعمل لى حاجة أنا كمان.. اشمعنى أنتم.. أنا برضه عندى بنات عايز أجوزها”. وأصبح هذا القول بعد التغيير، هكذا: عبدالواحد: ما أنت عارف.. موضوعك وصل النيابة العامة، وهتكونوا صحبة مع سيد برعى والبيه القديم بتاعك المدير العام”. وتم حذف ص(54) قول سيدة: (ملهوفة) مظلومة يا وكيل الناس والميزان اختل.. الأفندية الموظفين قلعونى الخاتم وبيعونى النحاس وحكمهم مايل.. حتى القضاء بيتباعوا.. حتى العساكر بتحمى الحرامى.. واللى فى أيديهم مصير الناس وأشغالهم بتلهف وتخطف.. واللى واجب عليه يقسم بالعدل بيجور وبيحف.. واللى عليه أنه يحمى شرف الناس بيسلبهم شرفهم.. سامعنى يا سعادة البيه؟”. وص(56) قول سيدة:.. أصلنا تعبنا من بلد مالهاش عمود يسند.. مالهاش كبير.. بص حواليك وشوف تلاقى العسكرى بيسرق والأمين بياخد رشوة، وريس الشغل اللى ربنا محكمه لأجل يمنع النهب بيعلم الحرامية”. وقول سيدة فى ص (59): “حتى أنتم يا موظفين يا كبار حرامية.. دا أنتم أتعينتم فى كراسيكم العالية عشان تمنعوا السرقة والحرام.. أنتم كبار علشان كده.. دا أنت عندك الكتير.. منين؟ يكونش أنت شيخ المنسر؟ ليه.. ليه يا سعادة البيه تخون الأمانة اللى فى رقبتك؟ الحق ما بيموتش يا أكالين حقوق الناس.. حتى ولو صاحبه إندفن.. الحق بيفضل فى الأرض عمره ما بيضيع.. ويفضل شاهد وعلامة تفتكره الناس”. وقول النوسانى ص(61): “وكيل الوزارة مرتبه ما عادش يكفيه.. لازم يدور على عيشه.. كلنا بنبص للى بيكسبه السباك ويتحسر”. وفى آخر صفحتين من مخطوطة المسرحية جاء حوار تم حذفه بتوقيع المؤلف وكتب بخط يده أن الحذف تم «بمعرفتي» ووقع باسمه! وهذا هو الحوار المحذوف:
“سيدة: (فى غيظ) إدارة جديدة تانى.. الله وكيل فيكم.. ربنا ينتقم منكم.. الشكوى لغير الله مذلة.. ربنا ما يورينى وشكم تانى.. وشكم يقطع الخميرة من البيت.. يا ناس يا كفرا.. ما خلاص انكشف الملعوب وأنا كنت فى نومة.. فى غفلة. عبدالواحد: (غاضبًا) الله.. دى ست قليلة الأدب.. لسانها طويل تستحق الحبس صحيح. النوساني: مش قلت لك يا سعادة البيه. عبدالواحد: أرموها برة وسلموها للبوليس.. صنف ما يطمرش فيه المعروف.. أعوذ بالله.. يلا ودوها على القسم.. مستنين إيه.. لازم أمثالها يعرف حدوده.. الدنيا سابت والنظام اتهز.. البنت دى لازم تترمى فى السجن. النوساني: أى والله يا سعادة البيه.. الدنيا سابت والنظام اتهز (عبدالواحد ينظر إلى النوسانى فى برود فيتراجع). عبدالواحد: (آمرًا الموظفين والسعاة) الموضوع بنفسى.. دى بقت ظاهرة خطيرة التطاول على الكبار (يسحب الموظفون والسعادة سيدة ويخرجون. عبدالواحد يلتفت للنوسانى آمرًا) مستنى إيه.. شيل كراكيبك وأرجع أقعد فى البيت.. خلاص القرار بتاعك طلع”.
بناء على هذه التعديلات والمحذوفات، كتبت الرقيبة «نجلاء الكاشف» تقريرًا بخصوصها قالت فيه: بقراءتى للمسرحية مرة أخرى وذلك بعد قيام المؤلف بإجراء بعض التعديلات، لاحظت الآتي: أولًا، استبعاد المؤلف لبعض العبارات التى أتت على لسان عبدالواحد وذلك فى صفحتى 20، 51 وكذلك على لسان النوسانى فى ص21. ثانيًا: قيامه بتعديل صفحتى 64، 65 بإضافة بعض العبارات والجمل الجديدة على لسان الشخصيتين المتناقضتين عبدالواحد والنوسانى، وذلك فى محاولة لإيجاد توازن بينهما. «الرأي»: وإنى أرى أنه على الرغم من أن هذا التعديل الذى أتى فى نهاية المسرحية فى صفحتى (64، 65) وأن حقق قدر من الإشراقة عليها بعد أن أتت قاتمة تنال من موظفى الدولة، إلا أنه يجدر الإشارة إلى الآتي: (1) – ضرورة الإشارة إلى ترتيب جزاء لكل من المدير العام، الذى استقال بعد أن قام بتأمين مستقبله من تلك الأعمال المشبوهة التى كان يقوم بها من سرقة واختلاسات، وكذلك سيد برعى مدير الإدارة الذى أجبره النوسانى هو الآخر على الاستقالة مهددًا إياه بفضح أمر شهادته الجامعية المزورة والمدرجة بملفه وذلك حتى يخلو له الطريق، إذ أنه كان يشكل حجر عثرة أمام تقدمه. 2 – ضرورة تنفيذ الحذف المشار إليه فى تقريرى السابق. «القرار»: أرى أنه لا مانع من الترخيص بهذا التعديل بعد ملافاة تلك الملاحظات المشار إليها عاليه، والأمر متروك لسيادتكم لاتخاذ اللازم نحو ما ترونه”. وأسفل هذا التقرير توجد تأشيرة من المؤلف مكتوب فيها: “تم إجراء تعديل بترتيب جزاء لكل من المدير العام وسيد برعى مع النوسانى مُشار إليه فى ص(50) من النص المقدم، بمعرفتى أنا المؤلف عبدالغنى داود 13/1/1988”. ثم جاءت التأشيرة الختامية من المدير، قال فيها: “يعتمد الترخيص بالنص المعدل فى حدود ملاحظات الآنسة نجلاء الكاشف، وأن يتم التعديل المقترح بمعرفة المؤلف والآنسة نجلاء وتستكمل الإجراءات للترخيص على هذا الأساس”.
وبعد رحلة العناء صدر الترخيص بعرض مسرحية النوسانى تحت رقم «10» بتاريخ 13/1/1988، وهذا نصه: “لا مانع من الترخيص بأداء هذا النص المسرحى «النوسانى» لفرقة «المسرح الحديث» على أن يراعى الآتى: أولًا: حفظ الآداب العامة فى الأداء والحركات والملابس. ثانيًا: تنفيذ الحذف والتعديل الذى تم بمعرفة المؤلف المشار إليه بالصفحات التالية: «1، 5، 6، 11، 12، 20، 21، 34، 39، 40، 43، 46، 50، 51، 54، من 55 إلى 65». ثالثًا: إخطار الرقابة بموعدى التجربة النهائية والعرض الأول لهذه المسرحية، حتى يتسنى بعد مشاهدتها النظر فى الترخيص بصفة نهائية”.
بعد معاناة نص مسرحية «النوسانى» فى أروقة الرقابة ودهاليزها، منذ تقديمه إلى الرقابة يوم 8/9/1987 حتى صدور الترخيص بتمثيله يوم 13/1/1988 - أى بعد أربعة أشهر - لم ير النص النور، ولم يُعرض على خشبة المسرح الحديث «مسرح الدولة»؛ لأن مسرح الدولة لن ينتظر أربعة أشهر حتى توافق الرقابة على النص، بل تأجيل العرض أو إلغائه هو الأمر الأنسب والأصوب – لمسرح الدولة - بدلًا من تعطيل العروض وإهدار المال العام! هذا ما خمنته، بناء على خبرتى فى الكتابة حول الرقابة وما يحدث فيها أثناء مراقبة النصوص! وحتى أقطع الشك باليقين، تواصلت مع المخرج الأستاذ «عادل زكي»، كون اسمه مكتوبًا على مخطوطة المسرحية - بوصفه المخرج - فأرسل لى الآتى نصًا يوم 19/7/2025:
“تحمست جدًا لنص مسرحية «النوسانى»، الذى صاغه مؤلفه صديقى الكاتب والناقد «عبدالغنى داود»، بشكل غير تقليدى مما يعطى للمخرج والممثل مساحة من الإبداع تتسق وتناول المؤلف، خاصة وأننى كنت أكن له تقديرًا واحترامًا يليقان بثقافته ووعيه وحسه النقدى الواعد وجهاده فى مسارح الثقافة الجماهيرية بعيدًا عن أضواء مسارح القاهرة ودراما التليفزيون. وشرعت فى اختيار أبطال العرض لفرقة المسرح الحديث وكانت شخصية «النوساني» مركبة ومحيرة، وتتطلب ممثلًا كوميديًا واعيًا لجدية الطرح وأهمية قضاياه فكان ترشيحى للفنان الكبير «محمد عوض» الذى أرى إمكاناته أكبر وأعمق بكثير مما قدمه على المسرح وكنت قد صارحته بذلك سلفًا بحكم صداقتنا الوطيدة، وأحدث ترشيحه ضجة بالوسط المسرحى حيث كان النجوم يهربون من مسارحهم للدراما التليفزيونية ذات العائد المجزى والكبير، ثم وفقنى الله أن أقنع صديقتى الفنانة «سناء يونس» بأن تشاركه البطولة وعقدت عدة اجتماعات ودية مع البطلين بالمسرح بحضور المؤلف وبمباركة مدير عام المسرح الفنان «فهمى الخولى» وبدأت فى تسكين بقية الأدوار من ممثلى الفرقة فتم اختيار «نبيل بدر وصافيناز الجندى وسمير وحيد وفوزى إمام» تمهيدًا لبدء البروفات. ثم استجد شأن جديد حيث كنت وقتها عضوًا بلجنة المسرح بالتليفزيون كونى أنفرد بعملين هامين «مدير إنتاج بالتليفزيون ومخرج مسرحى بهيئة المسرح» وعندما شرع التليفزيون فى الإنتاج المسرحى تقدمت «بمشروع إنتاج مسرحى مشترك بين هيئة المسرح والتليفزيون» لحل مشكلة ضعف ميزانية الممثلين بالهيئة؛ لأن الممثل الموظف يتعاطى حوافز فقط وهى قليلة لا تشجع فبالتالى يهرب النجوم من العمل المسرحى وتلك كانت أزمة طاحنة استشرت بالثمانينيات والتسعينيات فى القرن الماضى، وكان اقتراحى أن يتولى التليفزيون التعاقد مع جميع ممثلى العرض والمؤلف والمخرج مقابل أن تتولى الهيئة بقية عناصر العرض «ديكور ومؤثرات الخ»، ويكون للتليفزيون حق تصوير المسرحية، ووافق قطاع الإنتاج على مشروعى بفضل حماس الإعلامى المستنير «يوسف عثمان» رئيس إنتاج الفيديو ونائب رئيس قطاع الإنتاج، وكان برنامج «تياترو» قد أقام مسابقة فى التأليف المسرحى وفازت بالجائزة الأولى مسرحية «خمس نجوم» فقرر قطاع الإنتاج أن تكون باكورة إنتاجه لفوزها بجائزة برنامجه مرشحًا «عادل زكى» لإخراجها على مسرح السلام، وعندما اعتذرت لارتباطى بعرض آخر رفض التليفزيون مدعمًا ترشيحه برغبة المؤلف الفائز «أحمد ستيت» أن أخرج مسرحيته لأنه شاهد لى عروضًا أعجبته بالإضافة كونى بلدياته من المنصورة، فكان الملجأ أن يؤازرنى مدير المسرح «فهمي» ولكنه رفض لمنطقية الترشيح من قبل التليفزيون كونى عضو لجنتهم وصاحب المشروع الوليد للإنتاج المشترك الذى شاء له الله أن يكون مخرجه هو مدير إنتاجه أيضًا ما يطمئن التليفزيون فى تجربته الأولى.. وهكذا قرر «المسرح الحديث» تأجيل تقديم مسرحية «النوساني» للبدء فى بروفات مسرحية «خمس نجوم» كأول إنتاج مشترك بين الهيئة والتليفزيون، وتم العرض محققًا نجاحًا جماهيريًا ونقديًا كبيرين، بينما لم تقدم فيما بعد بكل أسف مسرحية «النوساني» ولم تتكرر أيضًا تجربة الإنتاج المشترك”.
وإذا وضعنا هذه الشهادة فى سياقها التاريخى، سنكتشف أن المسرح الحديث قرر الاستغناء عن عرض «النوساني»، واستبداله بعرض «خمس نجوم» قبل إصدار الرقابة التصريح للنوسانى بفترة طويلة! ما يعنى أن المؤلف «عبدالغنى داود» كان يعانى مع الرقابة ويناقش الرقباء ويقوم بالحذف والتعديل رغمًا عنه من أجل عرض مسرحيته.. دون فائدة! فالتصريح صدر «للنوساني» يوم 13/1/1988.. ومسرحية «خمس نجوم» عُرضت يوم 20/1/1988 أى بعد تصريح النسوانى بأسبوع! مما يعنى أن المسرح قرر منذ فترة طويلة الاستغناء عن نص النوسانى واستبدله بنص خمس نجوم!
السؤال الآن: هل تم عرض مسرحية «النوساني»؟؟ وهذا السؤال سألته من قبل منذ أربعة عشر سنة، فى كلمة لى منشورة فى جريدة «الجمهورية» يوم 4/12/2011 تحت عنوان «عبدالغنى داود وديوان المظالم»، وكانت إجابتى على سؤالى هكذا: “لا وألف لا؟؟ فالمسرح الحديث ابتعد عن هذا النص، الذى يكشف مساوئ المصالح الحكومية، خشية الوقوع فى المحظور، فلم يجد المؤلف وسيلة لعرض أفكاره، سوى مسرح المظلومين، وهو مسرح قصر ثقافة القناطر الخيرية، الذى عرض النص فى مهرجان بيوت الثقافة الجماهيرية بعد ثلاث سنوات من إخراج «صبرى فواز». والطريف أن النص نُشر أخيرًا فى سلسلة «نصوص مسرحية» باسم «ديوان المظالم» وكأن التسمية مطابقة لظلم الرقابة من ناحية، ومطابقة للمسرح الذى عُرض عليه النص من ناحية أخرى”.
هذا كل ما لدى بخصوص نص مسرحية «النوساني»، أقدمه للباحثين ممن يرغبون فى استكمال الموضوع من جانبين: الأول جانب النص.. فهل النص المنشور فى السلسلة، هو نسخة طبق الأصل من المخطوطة التى أحتفظ بها، أم هو منشور وفقًا لرؤية الرقابة بعد الحذف والتعديل؟؟ والجانب الآخر يتعلق بالعرض: فهل العرض تم وفقًا لرؤية الرقابة فى الحذف والتعديل أم تمت مراقبة النص مرة أخرى؛ بحيث إن العرض تم دون حذف أو تعديل! 


سيد علي إسماعيل