من أسرار نجيب محفوظ المسرحية!!

من أسرار نجيب محفوظ المسرحية!!

العدد 915 صدر بتاريخ 10مارس2025

قلت إن الرقيب الرابع «فتحي عمران»، تجنب في تقريره المسرحي أغلب الأحداث والملاحظات التي اعتمد عليها بقية الرقباء ورفضوا النص بسببها!! أما الرقيب الرابع فكان ذكياً وتجنب هذه الأحداث، حتى تكون موافقته مقنعة نوعاً ما، وإليك ما كتبه الرقيب في تقريره:
«الموضوع: تدور أحداث المسرحية حول بيت من بيوت الطرق الصوفية «بيت الأكرم» إلا إن أهل الحارة الطيبة تعلو بعض أصوات شبابها المتحمس للتغيير. ويتزعم هذه المجموعة شاب يدعى «علي عويس» فيتصدى للإمام الشيخ «محمود الأكرم» حفيد الأكرم قطب الطريقة، ويحدث الصراع ويبدأ كلا الفريقين في إشاعة فضائح وإشاعات حتى أن الشيخ «محمود الأكرم» يدافع عن ثروته ومجده التي جمعهما من خلال النذور ..
يدافع بأن يسفه من شأن «علي عويس» ويذكره بضعة نشأته. حتى تحدث المفاجأة وتحضر زينب أخت علي عويس لتكشف النقاب عن حقيقة زلزلت كيان الإمام محمود الأكرم، فعلي هذا هو ابنه منها وليس أخيها وتذكره بما كان بينهما من ماض. ويقرر الإمام الاستغناء عن ثروته للفقراء ليبدأ حياة نقية جديدة. والمسرحية عموماً تناقش قضية الجدل بين نظرة المريدين للطريقة الأكرمية الصوفية التي اتضح أن بها بعض نقاط ضعف وبين شباب الجامعة الذي تلقى العلم ويريد التغيير ورفع البؤس عن كاهل أهل الحارة الطيبة. «الرأي»: لا مانع من التصريح بعرض المسرحية في بيت المسرح الحديث، التابع لوزارة الثقافة حيث لا يوجد بها مخالفات رقابية».
أخيراً وصلت الرقابة إلى غرضها، ووجدت توكأة تتكأ عليها للتحايل على النظم الرقابية وتمرر الترخيص بالنص!! ولكن ماذا يفعل هذا التقرير «الوحيد» أمام ثلاثة تقارير بالرفض، وتقرير المستشار الديني بالرفض أيضاً؟!! هذه مشكلة وتحتاج إلى عقلية رقابية فذة!! وبالفعل ظهرت هذه العقلية في شخصية الرقيب «فتحي مصطفى»، الذي قرأ جميع التقارير السابقة، وقرأ النص، وكتب تقريراً «نهائياً» يُعدّ نقداً سرياً رسمياً بامتياز، لما فيه من آراء وأفكار صريحة واضحة لا غبار عليها! وهذا هو نص تقريره:
«المسرحية من النوع الرمزي، والوصول إلى معناها الحقيقي، ربما كان مستحيلاً لصعوبة الربط بين الواقع والرمز من جهة، ولاستحالة التفسير الواحد من جهة أخرى. لهذا فيمكن النظر إلى هذه المسرحية على عدة مستويات، ولعل المستوى الواقعي هو أدناها وأبعدها عن الغرض الذي من أجله كتبت المسرحية، مما حدا بأغلب السادة الرقباء إلى رفضها. وأظن أنه لا يستطيع قارئ أو متفرج أن يجزم بما تقوله هذه المسرحية، إذ إنها كتبت في مرحلة الرمز في أعمال نجيب محفوظ، وهي المرحلة التي تلت هزيمة 1967 مباشرة، حيث اختلطت الأمور ولم يعد أحد يستطيع أن يدرك أو يفهم ما الذي حدث في هذه الحرب الخاطفة والتي انتهت باحتلال جزء من الوطن. ولما لم تكن الكتابة الصريحة المباشرة ممكنة، فقد لجأ أغلب الكُتّاب إلى التلميح دون التصريح، وهذا ما ألجأ الأستاذ نجيب محفوظ إلى هذه المعالجة في هذه المسرحية، الشكل الواقعي ولكن المضمون رمزي. ولست في حلٍ من تفسير بعض رموزها، وإن كان من حقي الاجتهاد. فإذا اتفقنا بادئ ذي بدء على أن الإسلام ليس فيه رجل دين بالمعنى المسيحي أو اليهودي فإن من يسمونهم في الإسلام برجال الدين لا يزيدون عن كونهم بشراً عاديين ليس لهم أية قداسة أو عصمة أو امتياز، مما يجعل التعرض لهم أمراً ممنوعاً أو محرماً. وما دمنا قد أوضحنا ذلك بأنه من الممكن أن يخطئوا بل وأن يتردوا في الخطيئة إلى درجة الإسفاف، دون أن يكون في ذلك أي تعريض بالدين. لهذا فإني أرى أن رفض هذه المسرحية لتعرضها لرجال الدين، أمراً لا يجوز، حيث إن إقامة ذكر أو وقوع الجريمة على يد أحد هؤلاء لا يعني إطلاقاً أن ذلك يُعدّ تعريضاً بالدين. حيث إن إقامة الذكر ليس من صلب الدين ولم يرد في القرآن أو السنة أو الحديث وأن الآية القرآنية الكريمة التي تقول «اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» فالمقصود بكلمة ذكر هنا إنما هو العلم. أما بالنسبة لتفسير الرمز، فإن من الرموز ما يغمض وقد يظل مجهولاً. ومنها ما يمكن الوصول إليه من ذلك أنني أرى أن ما قصد بهم رجال الدين هنا إنما هو ذلك الشعب الذي غاب عن وعيه وعاش في لهو وحفلات وإذاعات وأغانٍ ظناً منه أن ذلك قد يهزم العدو، غير منتبه إلى المؤامرات التي تحاك من حوله حتى انتهى ذلك كله بالنكبة التي وقعت. أما مسألة السفاح وعدم الشرعية، فأظن أن ما حدث في ساحة الحرب من الجري والفر ربما يحمل في معناه أن الذي لا يدافع عن وطنه يمكن اعتباره «ابن حرام». والاستطراد في هذا التفسير سيجعل من المسرحية وثيقة تاريخية سياسية، ولا علاقة لها على الاطلاق، بكل ما جار في تفسير وفهم النص على لسان السادة الرقباء. وكذلك السيد المستشار الديني. على أن النظر إلى المسرحية على هذا المستوى الساذج سيجعل منها عملاً لا قيمة له على الإطلاق، بل خالٍ من المعنى تماماً، وهذا ما يخالف الواقع تماماً، إذ إن المسرحية بشيء من التركيز والوعي لما تقول، ربما اكتشف القارئ أو المتفرج ما ترمي إليه. عندئذ ستكون تلك الموانع التي ذكرها السادة الرقباء لا معنى لها، بل لا موضع لها. لهذا فأنا أرى أن هذه المسرحية تشكل قيمة أدبية وسياسية عالية، كما أنها قد سبق نشرها في جريدة الأهرام ثم في كتاب، مما يجعل رفضها «تحصيل حاصل» ولو أنها فُهمت على هذا المستوى البسيط، لما التفت إليها رجال المسرح وفكروا في تمثيلها. والأمر متروك سيادتكم للنظر في أمر الإجازة أو الرفض، بعد أن وضحت وجهة نظري فيها”.
تنفست الرقابة الصعداء، فأخيراً وجدت مخرجاً لأزمة رفض نص لنجيب محفوظ، بحيث تخرج من المأزق بحل وسط، لا تتناقض فيه مع رفض إجماع الرقباء الثلاثة، ولا تخالف رأي المستشار الديني، وفي الوقت نفسه لا تصرح بالنص على الإطلاق، لذلك وجدت في «التصريح المؤقت» مخرجاً قانونياً مقبولاً ومرضياً للجميع، فأشر المدير العام بتأشيرة قال فيها تحت عنوان «إذن مؤقت»: «يُصرح بالنص على أن يحدد موعد بروفة كاملة قبل البروفة النهائية بأسبوع كحد أدنى للمشاهدة الرقابية حتى يتسنى الترخيص بالنص». وآخر وثيقة رقابية مرفقة بالنص كانت «إيصال استلام» مؤرخاً في يوم 23/12/1985، وهذا نصه: “استلمت أنا عادل زكي مخرج مسرحية حكاية بلا بداية ولا نهاية المقدمة من المسرح الحديث نص المسرحية بإذن ترخيص مؤقت”.
والترخيص المؤقت – في عُرف الرقابة – لا يُعطى إلا للنصوص المسرحية المدرسية أو المهرجانية أو لعروض المناسبات .. إلخ، أي للعرض المسرحي الذي يُعرض لليلة واحدة أو ليلتين!! مما يعني أن الرقابة بدلاً من رفض نص نجيب محفوظ، ستقول إنها وافقت وأن المسرح لم يعرض النص، وبذلك ترمي الكرة في ملعب مسرح الدولة!! ومن المؤكد أن الرقابة اتصلت بنجيب محفوظ – بوصفه المؤلف – وطلبت منه صرف النظر عن عرض هذا النص في الظروف السياسية والاجتماعية وقتذاك، لذلك اتصل نجيب محفوظ بمحمود الحديني – مدير المسرح – لتأجيل العرض – كما أوضحنا من قبل - والذي تأجل من عام 1985 وحتى الآن!!
إيصال استلام النص من قبل المخرج «عادل زكي» الذي لم يذكر اسمه محمود الحديني في حديثه في مؤتمر اتحاد الكتاب – حيث لم تسعفه الذاكرة – سألت عنه وبحثت عنه حتى علمت أنه في السعودية، فتواصلت معه، وأرسلت له كلام الأستاذ محمود الحديني، وصورة من غلاف النص وإحدى صفحاته، وإيصال استلام النص من الرقابة، وطالبته بشهادة منه حول الموضوع كي أنشرها في المقالة، فأرسلها لي مع تأكيده على أن النص بخط يده، وأنه لم يُعرض نهائياً منذ عام 1985 وحتى الآن، وها هي شهادته:
«عزيزي الأخ الفاضل د.سيد علي إسماعيل .. سلامي عليك وتحياتي إليك وهذه شهادتي بين يديك: تحمس «الأستاذ محمود الحديني» لتقديم رواية «حكاية بلا بداية ولا نهاية» على المسرح متصوراً أن سطوة «مساحة الحوار» بالنص تؤهله للظهور على المسرح بتلك الحالة!!! وبالطبع كنت مدركاً مغالاته في الأمر إلا إنني تصورت أن الفيصل هو الرؤية الإخراجية للنص وقد عقدت العزم وقتها أن يقوم صديقي دراماتورج المسرح الحديث الأستاذ «أحمد عبد المعطي» بإعداد النص مسرحياً، وأذكر أنني فرّغت حوار النص بخط يدي لمزيد من التواصل بيني وبين النص، ورأى الأستاذ الحديني أن يرسل هذه النسخة بخط يدي للرقابة لأنه كان رجلاً نظامياً للغاية بمعنى إذا أعجبه نص يلحقه بخطوتين أساسيتين: التعاقد مع المؤلف ليستأثر بالنص، ويجيزه رقابياً ليحمي نفسه من أي انتقاد، وقد كتبتُ تصوراً مسرحياً للنص وعرضته على الزميل دراماتورج المسرح ورحب به، وأيضاً استنرت برأي صديقي الكاتب المسرحي العملاق «محمد أبو العلا السلاموني» الذي أعجبه تصوري وأعجبته فكرة الرواية التي كتب لها السيناريو والحوار فيما بعد وقدمها كمسلسل ناجح بالتليفزيون، بينما لم تقدم هذه الرواية على المسرح، وكان حزني كبيراً على ضياع فرصة أن يقترن اسمي باسم «القامة نجيب محفوظ» في عمل واحد، إلا إن الله عوضني خيراً فقدمت فيما بعد عملين كبيرين له إثر فوزه بنوبل: «ثرثرة فوق النيل» رُشحت لإدارة الإنتاج المسرحي بالتليفزيون عام 86 حتى عام 92 وكنت أتخير كبار المخرجين لتقديم أعمال الرواد، فأحضر لي «العبقري سمير العصفوري» نصاً مسرحياً معداً عن الرواية الشهيرة كتبه صديقه البورسعيدي الأستاذ «علي بركات» وعلى الفور تحمس الأستاذ «يوسف عثمان» رئيس إنتاج الفيديو ورئيس لجنة المسرح بالتليفزيون فذهبت لمنزل «القامة نجيب محفوظ» وتعاقدت معه، وتم تقديم العرض على مسرح العرائس بالعتبة لمدة عشرة أيام قبل تصويره، ويعتبر من أروع العروض المسرحية الاستعراضية النادرة التي يملكها التليفزيون ولا يعرضها، وهو بطولة: محمد عوض، هالة فاخر، محمود الجندي، أسامة عباس، ونجوم مسرح الطليعة، أغاني أحمد عفيفي، ألحان علي سعد، استعراضات عاطف عوض، مدير الإنتاج عادل زكي. [والعمل الآخر] «بداية ونهاية» هذه الرواية نجحت بالسينما والمسرح القومي نجاحاً مدوياً، ورأيت أن أخرجها كنوع من التحدي لنفسي وأيضاً لأني رأيت أن المؤلف كتبها عام 1951 متطلعاً أن يتحقق للمجتمع العدالة الاجتماعية بينما المخرج سيخرجها عام 1991 متطلعاً لنفس الأمل بعد أربعين عاماً من الانتظار، وقد وافقني المؤلف على ذلك فشرعت فوراً في العمل الذي كتبه الأستاذ «أحمد عبد المعطي» وحقق نجاحاً منقطع النظير بمسرح الثقافة الجماهيرية .. تلك «د.سيد» كانت الحكاية، ولكنها هذه المرة كانت لها بداية ونهاية، عذراً أني أسهبت ولعلي أوضحت .. تحياتي وتقديري».
إذن هناك شخص ثالث تدخل في إعداد النص وهو «أحمد عبد المعطي»، وحاولت الوصل إليه، لكنه سبقنا إلى دار الآخرة منذ عشر سنوات .. رحمه الله!! وأعلمني الأستاذ «عادل زكي» أن جهود أحمد عبد المعطي في الإعداد لا يعلمها أحد ولم توثق أو تُكتب لأن المسرحية لم تتم، وأن الإعداد كان قاصراً على جهودهما معاً «أحمد عبد المعطي» و«عادل زكي».

خاتمة الموضوع
لقد وضعت كل ما لدي عن نص مسرحية «حكاية بلا بداية ولا نهاية»، فماذا تركت للباحثين؟! تركت لهم الاشتغال على مسرحة القصة القصيرة، كون النص الأصلي عبارة قصة قصيرة، فكيف تحولت إلى نص مسرحي؟! وهل التحويل كان بحذف السيناريو والبقاء على الحوار فقط كما قال الفنان محمود الحديني؟ أم كان التحويل إعداداً قام به «أحمد عبد المعطي» دراماتورج المسرح الحديث مع الأستاذ «عادل زكي»؟! أم التحويل كان إعداداً معتمداً على رؤية المخرج كما قال الأستاذ «عادل زكي» في شهادته؟! وهل النص المرفوض رقابياً عام 1985 يصلح للعرض الآن عام 2025 أي بعد مرور أربعين سنة؟! وهل النص المخطوط بخط يد «عادل زكي» يُعدّ نصاً مسرحياً مؤلفاً لنجيب محفوظ، كون اسم نجيب هو الموجود على النص وعلى التقارير والوثائق الرقابية الرسمية بوصفه مؤلفاً، مما يعني أن النص صالح للنشر كأثر من آثار نجيب محفوظ المسرحية المجهولة! أما آخر الدراسات التي من الممكن كتابتها أن التقارير الرقابية المرفقة بالنص تصلح للدراسة النقدية، كونها نماذج دالة على «النقد السري» أو «النقد الرسمي»، ناهيك عن أن الوثائق المرفقة تُعدّ دليلاً على التلاعب الإداري من أجل ترخيص نص مسرحي مرفوض بالإجماع، كون المؤلف «نجيب محفوظ» والمسرح الذي يريد عرض النص هو أحد مسارح الدولة!!


سيد علي إسماعيل