الطليعة والابتكار.. فى السينوغرافيا الرقمية(5)

الطليعة والابتكار.. فى السينوغرافيا الرقمية(5)

العدد 939 صدر بتاريخ 25أغسطس2025

فن الأنساق 
إن هذا الترتيب الفني غير المحدد والمفتوح النهاية متجذر في تخصص فن الأنساق، وهي حركة فنية بدأت في أواخر الخمسينيات مع جون كيج وتمتد عبر حركة تدفقات Fluxes وE.A.T. (تجارب في الفن والتكنولوجيا) إلى ما بعد الحداثة،(1) ولا تزال تلقى استحسانًا من الممارسين والنقاد. وقد تأثرت بعلم التحكم الآلي ونظرية الأنساق. وبموجب استراتيجيتها المفتوحة النهاية، يتم إنشاء نسق قائم على القواعد ويُسمح للمنتج الفني، الذي يختلف من تكرار إلى تكرار، بالظهور؛ ويتحول التركيز المفاهيمي من المنتج إلى العملية. ويعمل عرض مذكرات لمسية وفقًا لهذه الاستراتيجية. والفرق بين هذه الاستراتيجية، على سبيل المثال، وتركيبات المربع السحري (المخطط الرياضي) عند كيج هو أن النسق أكثر تطورًا؛ والخوارزميات المستخدمة في إنشاء التركيبة الموسيقية غير المحددة والتقاط الصور وإرسالها أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فإن خط الأنابيب الشامل مشابه: 
(1) المدخلات الإيمائية البشرية، (2) الحساب المنهجي القائم على المدخلات البشرية , (3) الناتج الرقمي. في مؤلفات كيج، حدد الناتج الرقمي المتغير اختيار أدوات معينة وخصائص نوعية مثل النغمة، والدرجة، والمدة، والجرس وما إلى ذلك؛ وفي عرض مذكرات لمسية، يؤثر الناتج الرقمي لمستشعرات الانحناء بشكل مماثل على الخصائص الموسيقية - التي تم تغييرها الآن في الوقت الفعلي - ويحدد كيف ومتى يتم التقاط مقطع فيديو وإرساله عن بعد. وفي الأخير، تصبح الجودة العاطفية للرقم أكثر رسوخًا في النسيج البنيوي للنسق، لكن تظل الإستراتيجية الشاملة  كما هي. إن التقدم النسبي من الأول إلى الأخير هو من أعراض السرد الأوسع للتطور التقني: إذ أصبحت الأرقام مرتبطة بشكل أعمق بوجود العمل، وتراكم طبقات من التجريد التقني التي تقيم غموضًا متزايدًا حول عمليات التشغيل وتسهم في عدم القدرة على إدراك النسق في كليته. وفي هذا الصدد، هناك مستويات متزايدة من الوساطة والمسئولية المؤجلة للمعالج الدقيق وعملياته التقنية الآلية، والتي، من ناحية، تزيد من تعقيد العمل المذهل، ومن ناحية أخرى، تلقي بظلال من الشك على مشاركة المؤدين البشر. وتطل هذه المعضلة برأسها باستمرار طوال هذا الكتاب. إنها أمر بالغ الأهمية لفهم النقد الاجتماعي والسياسي المتأصل في الأعمال المختلفة، والتأثير العام للتطور التقني على الثقافة المعاصرة.   
 التحولات التكنولوجية فى الوسائل 
تؤكد الطبيعة غير المحددة والتجريبية والهجينة لعرض «مذكرات لمسية» أن جماليات ومنهجيات ترويكا رانش كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفئة الممكن، والتي تتشابك بشكل وثيق مع الاختراع أو الاكتشاف. وبذلك، فإنها تضع العمل بقوة داخل الطليعة. وعلى مستوى أكثر تحفظًا، فإنها تشير أيضًا إلى رسالة مؤذية واستفزازية حول الثقافة الغربية بشكل عام: يتحدد النشاط البشري بشكل متزايد من خلال وساطة متطورة في المجال التكنولوجي. وهذا يثير أحد المبادئ المركزية لهذا الكتاب، وهو مناقشة الإمكانات والقيود التي تجلبها التقنيات الرقمية إلى ممارسة السينوغرافيا. وكما هو الحال في جميع المهن المعاصرة، فإن التطورات في التكنولوجيا تمارس ضغوطًا على مختلف مجالات الخبرة في الأداء - التمثيل والإخراج وتصميم الرقصات والإضاءة والأزياء والصوت وتصميم المسرح. ومع تطور التكنولوجيا، فإنها تتطلب أن يتطور العمل وعمليات العمل أيضًا. 
لقد غيرت التقنيات الرقمية جميع مجالات الاقتصاد الاجتماعي والثقافة والسياسة بعمق كما فعلت الثورات الزراعية والصناعية، لأنها تخترق كل مجال من مجالات العمل. إن انتشار الرقمنة في الإنتاجية المعاصرة والتفاعل بين الأشخاص أمر لا مفر منه. وفي الفنون المسرحية، يتجلى هذا على المستوى الكلي، من خلال “ميل المشهد إلى التوسع ومشاركة آثاره مع أجسام أكبر من المتفرجين”، وعلى المستوى المحلي، من خلال استخدام أجهزة الاستشعار وأجهزة الكمبيوتر وأجهزة التحكم الدقيقة وما إلى ذلك، مجتمعة في نظام “يستجيب للمشاركة المجسدة (للمتفاعلين البشر) في الوقت الفعلي”. استغل عرض مذكرات لمسية كلا النوعين. لقد حشدت الخصائص الأتوماتيكية المفرطة الجديدة للمنعطف الميكانيكي الثاني
لكي تؤثر على النتيجة الفنية، وتكشفت عن تصميم رقص متأثر بالحاسوب وقابل للتوزيع عالميًا كان من غير الممكن تصوره في سياق التقنيات وأساليب الأداء الموجودة مسبقًا. وكشفت مجموعة  ترويكا رانش/ECI عن إمكانيات جديدة للعمليات الفنية التي تعكس زيادة في الوساطة والمسئولية وقصد الآلات في الفنون والمجتمع بشكل عام. لقد استخدموا هذه الخصائص الرقمية التفاعلية لاستكشاف إمكانيات جديدة غير مركزية للبشر لتصميم الرقصات والدراما عند تقاطع الإنسان والبرمجيات، ما أدى إلى إنشاء معلم تاريخي في إرث تصميم المشاهد وقطع الاقتصاد الاستطرادي حول الأداء والتكنولوجيا.
نحو عرض “فى الطائرة In Plane” 
 على الرغم من أن هذا الفصل يركز في المقام الأول على عرض مذكرات لمسية Tactile Diaries، فمن المهم، من حيث علم الأصول، أن نلقي نظرة على عرض “ في الطائرة In Plane. وبينما يمكن فهم Tactile Diaries باعتبارها لفتة طليعية عميقة، يجب النظر إلى In Plane 1994 باعتباره علامة فارقة في صقل العمليات النظرية والمنهجية لـترويكا رانش، ونضج فهمهم لكيفية تقديم الصفات الكوريجرافية والدرامية الجديدة التي توفرها تقنية MidiDancer. وتقول ستوبيلو:
كان عرض In Plane.. عملًا أساسيا بالنسبة لنا. ولم يكن أكثر أعمالنا تعقيدًا من الناحية التكنولوجية فحسب، بل أصبح أيضًا المرجل الذى قمنا فيه بتلخيص المسارات النظرية التى كنا نسير عليها طوال السنوات الأربع الماضية.
بالنسبة لستوبيللو وكونيجليو، كانت الفترة من 1989 إلى 1994 بمثابة تحقيق مستمر في البحث الإجرائي التشاركي (PaR)، والذي لم يكن مدفوعًا فقط بشغفهما الشديد بالموضوع، بل كان أيضًا مدفوعًا بالمناقشات الملهمة التي جرت في مساحة البحث الثقافي الرقمي الغنية في مركز التجارب في الفن والمعلومات والتكنولوجيا (CEAIT)، الذي أسسه مورتون سابوتنيك باستخدام صندوق أبحاث خيري تم الحصول عليه من شركة التليفون والتلجراف الأمريكيةAT&T   التي وفرت خطة التمويل لمدة عامين لعمل بدوام كامل لكونيجليو وزودته بالدعم المؤسسى والبنيوى لتجربة أفكار مختلفة مرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر ترويكا رانش. يتذكر كونيجليو:
كنت أقوم ببعض الأعمال هناك. لم يكن عملى هو الذي عرض، بل كنت أبدع أشياء، وكنا منغمسين فى السؤال، ماذا يعنى كل هذا؟ كنا نفكر باستمرار، ونناقش ونكتشف ما هذه المواد، وكيف نعمل بها، وما الذى ينجح، وما الذى لا ينجح.
من عام 1991 إلى عام 1993، قدم المركز أعمالاً تجريبية للجمهور من خلال عقد عشر فعاليات رئيسية، حيث جلبوا بعضًا من أكثر ممارسي الفنون الرقمية المعاصرة إثارة إلى الشركة الهندسية للمشروعات المتكاملة (ECI.18) واستكشفوا أفكار جديدة وطرحوا أسئلة جديدة حول هذا المجال(2). وعلى الرغم من أنها لم تكن موظفة بشكل مباشر من قبل المركز، فإن ستوبييلو كانت تحضر جميع الفعاليات وكانت شخصية محورية في المناقشات المفتوحة التي تصور ما يعنيه صنع الفن باستخدام التقنيات الرقمية. ولا يمكن التقليل من أهمية إنشاء هذا المنتدى؛ لقد كانت خطوة ثاقبة من قبل سابوتنيك Subotnick وتوضح فهمه لأهمية إنشاء محادثات مفتوحة وودية وإبداعية واستفهامية. لقد كان منتدى المناقشة والتأمل ونظرية الممارسة نموذجًا راسخًا منذ بداية الحضارة الغربية. إن كلمة logos هي الكلمة اليونانية للخطاب (أو الاستدلال) وتشكل أساس كلمة الحوار ( (Dialogue أي المناقشة بين شخصين أو أكثر. ويُفهم اللوغوس، باعتباره عملية عقلانية وإقناع من خلال الحجج المنطقية، على أنه أساس الفلسفة والجماليات الغربية منذ حوالي 2500 عام. اذ يؤثر أفراد المحادثة الجماعية ويتأثرون ببعضهم البعض من خلال الكشف عن المعرفة وامتصاصها، وبالتالي يسهمون في تطوير (تكوين) كل مشارك وإعادة تشكيل المجموعة الإجمالية. “عندما يتم نقل المعرفة من كائن إلى آخر (أو من مجموعة إلى فرد وما إلى ذلك)، يتم تفسير كل معاملة وتجسيدها بطريقة فردية - اعتمادًا على الخبرات المكتسبة بالفعل للمستقبل - وبالتالي تخضع للتمايز في إعادة استخدامها”. فكل كائن قابل للتغير وجميع المعاملات، سواء كانت شفهية أو إيمائية أو مكتوبة (رمزية)، لا رجعة فيها. وهذا المبدأ، المعروف باسم التفرد، متجذر في أساس الفلسفة القارية.

التفرد والتأثيرات على ترويكا رانش
     التفرد هو مبدأ فلسفي يصف كيف يمكن التمييز بين الأشياء الفردية وأشياء أخرى من نفس الفئة وفهمها على أنها متميزة وفريدة من نوعها. وهذا المفهوم مفيد بشكل خاص عند تطبيقه على الأنواع العضوية، مثل حيوانات القطيع. ويصبح معقدًا عند تطبيقه على البشر، بسبب الطبقات المتعددة للذاتية البشرية والهوية، والتي تتكون من عوامل داخلية وخارجية، مثل الثقافة الاجتماعية والتقاليد والخبرة واللغة وما إلى ذلك. ويقوم المبدأ على أساس أن الأفراد يتم تحديدهم على أنهم متميزون عن الأفراد الآخرين والمجموعات التي يشكلونها. ويشرح ستيجلر هذا المبدأ بإيجاز عندما يكتب: 
«لا يمكن التفكير فى الأنا، كفرد نفسى، إلا بالقدر الذى تنتمى فيه إلى نحن، وهو الفرد الجماعى: إن الأنا تشكل نفسها من خلال تبنى تاريخ جماعى، ترثه والذى تتماهى معه التعددية من الأنا”
لقد وفر هذا المبدأ أرضية مفاهيمية غنية ودقيقة للعديد من المنظرين على مر القرون، من الفرضية المبكرة جدًا لأرسطو، إلى توما الاكوينى، ودينس سكوتس، وفرانشيسكو سواريز، إلى الفترة الحديثة؛ حيث تبناها هنري برجسون، وفريدريك نيتشه، وكارل يونج. وقد تم إحياؤه في الحداثة/ما بعد الحداثة من قبل جيلبرت سيموندون (1989) وجيل دولوز وفيليكس جواتاري (1980) ويلعب الآن دورًا مهمًا في الفلسفة التكنولوجية لشتيجلر. إن هذه الزيادة الأخيرة في الاهتمام - من سيموندون إلى ستيجلر - هي الأكثر صلة بهذا الكتاب لأن وجهات نظرهم غير المتمركزة حول الإنسان تحول التركيز النظري نحو تأثير التكنولوجيا على العمليات البشرية. 
إن مساهمة سيموندون في الخطاب النظري جذرية للغاية؛ لأنه يطرح وجهة نظر غير متمركزة على الإنسان تتناقض مع المخطط الميتافيزيقي الجوهري الأرسطي السائد الذي تستند إليه مجموعة كاملة من النظريات، وبالتالي تتحدى أساس الفلسفة القارية. اذ تستند النظريات الجوهرية إلى افتراض أن الفرد والجماعة موجودان ككيانات أو مواد فردية بالفعل. يزعم سيموندون أن التفرد هو عملية سائلة وقابلة للتغيير، من خلالها يتعاون الفرد والمجموعة في تكوين بعضهما البعض، وإعادة تعريف هويتهما باستمرار. ان فلسفة سيموندون تقلب الاستراتيجية الميتافيزيقية السائدة وتسعى إلى المعرفة من خلال النظر إلى التفرد باعتباره “العملية” البدائية” التي يصبح الفرد من خلالها، والتي يكون الأفراد “وسائط منها”. وهذا يعني أن الوجود هو عملية نشوء؛ والنشوء يحجب الوجود ضمن طبيعة عملياته. فالوجود لا يشترط أن يصبح كائنًا؛ بل إن الوجود مشروط بالوجود.(3) وبالتالي يتم تصور الفرد باعتباره حالة زمنية ونسبية من الواقع في الكشف الأوسع عن الحقائق العاطفية المتعددة.
ويؤيد ستيجلر قلب سيموندون للمخطط الجوهري الميتافيزيقي نحو وجهة نظر علائقية. ويكتب: “إن الأنا هي في الأساس العملية وليست حالة، وهذه العملية هي تفرد داخلي (هذه هي عملية التفرد النفسي) من حيث أنها ميل إلى أن تصبح واحدًة، أي غير قابلة للتجزئة”. وتتم عملية التفرد هذه من خلال الحوارات والتفاعلات بين الأفراد وبيئاتهم المتفاعلة. إن التفرد البشري هو عملية تتطور باستمرار؛ إنها دائمًا في حالة تغير - لا تكون أبدًا في حالة ثابتة. ولا تصل العملية “إلى نتيجة أبدًا لأنها تواجه ميلًا مضادًا يدخل معها في توازن غير مستقر”. وعلى نحو مماثل، فإن “نحن”، كمجموعة من الأفراد على مسار نحو تأسيس هوية جماعية، هي أيضًا كيان يخضع لتغيير مستمر. إن تفرد “الأنا” “مُدرج دائمًا في تفرد “نحن”، بينما، على العكس من ذلك، فإن تفرد “نحن” لا يحدث إلا من خلال التفرد المتضارب للوجود الذي تشكله”. فالفرد والجماعة ليسا نقيضين ثنائيين مباشرين؛ إنهما موجودان داخل بعضهما البعض، ويحددان بعضهما البعض من خلال عمليات الإجماع والاختلاف، والتى هى أيضًا سائلة وعرضة لاقتصاديات الحجم. وعندما يتم توسيع هذا المفهوم إلى ثقافة عالمية مترابطة رقميًا، فإن عمليات التفرد تصبح منظمة بشكل عميق من خلال وسائل التفاعل التكنولوجية.
بالنظر إلى الفردية في سياق ترويكا رانش ومشاركتهم في الحوارات الفنية في مركز CEAIT، يمكننا أن نستنتج أنهم كانوا يؤثرون ويتأثرون بالممارسين الآخرين. لقد بدأوا حياتهم المهنية وأسسوا ممارساتهم في سياق مجتمع دينامي يتكون من ممارسين ذوي خبرة كانوا يعدلون أعمالهم بناءً على الملاحظات النقدية من الثنائي الشاب. كان مركز النشاط الذي يوفره مركز CEAIT والأحداث المختلفة التي شهدها الجمهور - الممارسون الحاضرون عناصر حاسمة أثرت على ممارسة أداء الوسائط الرقمية في ترويكا رانش والإرث الكامل للسينوغرافيا الرقمية. 
     كانت الرعاية التي تلقاها كونيجليو وستوبييلو من سابوتنيك، ذات أهمية كبيرة في إطار صندوق البحث. وفي مقابل تفانيهما في خدمة مجتمع CEAIT - تطوير تطبيقات مخصصة والمساهمة في الحوارات - قامت سابوتنيك بتمويل سخي لترويكا رانش  للإقامة في سانتا في والمركز الأطلسي (فلوريدا). وكان الهدف هو أن يشارك كونيجليو وستوبييلو في حدث أداء، حيث سيعرض سوبوتنيك وودي وستينا فاسولكا وترويكا رانش
عملاً وسائطيا رقميًا. وكان عرضًا سخيًا للغاية من سوبوتنيك لأن ترويكا رانش مُنحت الوقت والموارد والحرية لاستكشاف الإمكانات الدرامية والإخراجية لتكنولوجيا MidiDancer فعلًا وسيتم تقديمها لفنانين راسخين ومشهود لهم. كما أتيحت لهم فرصة التدرب والتحدث مع فنانين ذوي خبرة وذوي مكانة عالية نحو الهدف الموحد المتمثل في ثلاثية الأداء. ويعلق كونيجليو:
لقد حصلنا فجأة على إقامة لأول مرة، حيث كان بوسعنا أن نركز بشكل كامل.. لم يكن لدينا من قبل، فى أى وقت، إلا عندما كنا طلابًا، الوقت كان مخصصًا للعمل على هذه الأشياء. لذا، كانت تلك لحظة بالغة الأهمية - يجب مساعدتنا. لذا، فإن كل هذه المعلومات تتراكم وتتسرب إلى عمليتنا، لكن الآن لدينا الوقت الحقيقى للتفكير فى الأمر.
اعترفت ستوبييلو بالتأثير الذي أحدثه آل فاسولكاس على عملهم من خلال تعريفهم بإمكانيات العمل مع لقطات الفيديو الرقمية. فقد كانت ستينا تتمتع بخبرة في استخدام كمان Midi لمعالجة لقطات الفيديو باستخدام أقراص الليزر. وبروح التفرد ونقل المعرفة، قام آل فاسولكاس بسخاء بتعليم ترويكا رانش كيفية العمل باستخدام التقنية وتعريفهم بشبكتهم المهنية، حتى يتمكنوا من الحصول على أقراص الليزر الخاصة بهم لعرض “في الطائرة «In Plane، مساهمتهم في الثلاثية.  
عرض فى الطائرة 
  قُدم عرض في الطائرة In Plane لأول مرة في مركز ووكر للفنون في مينيابوليس عام 1994. وكان هذا الأداء هو الذي صنع اسمًا حقيقيًا لفرقة ترويكا رانش. كما حفز استحسانهم ارتباط كونيجليو بمجتمع الموسيقى الإلكترونية. وقد عُرض العمل على نطاق واسع في المهرجانات الفنية ومؤتمرات الموسيقى الإلكترونية على مدى العقد التالي. وقد أحضروه إلى مركز الرقص الدولي والتكنولوجيا  IDAT ‹99(4) ، حيث نال إشادة النقاد. كان أول عمل قاموا فيه بتوحيد رؤية نوع العمل الذي طمحوا إليه موضوعيًا وفنيًا. من حيث تشغيل العرض، وكان الهدف هو أتمتة كل شيء بحيث يتعين على كونيجليو فقط إحداث بعض التغييرات في المشهد وستقوم ستوبييلو في المقام الأول بالتلاعب بالوسائط السمعية والبصرية من خلال إيماءاتها. لقد استخدموا نسخة معدلة من نظام MidiDancer، والذي تضمن «زيًا مدمجًا بثمانية أجهزة استشعار مرنة عند المرفقين والمعصمين والوركين والركبتين». يتألف إعداد المشهد من مسرح مفتوح بالكامل مع شاشة عرض كبيرة واحدة موضوعة في الخلف. كانت عروض الفيديو عبارة عن تسجيلات لستوبييلو وهي ترتدي زيًا لامعًا ومستقبليًا من الليكرا، مما أدى إلى نشوء ثنائية (انظر الشكل 3-1)؛ حيث كان المسرح مأهولًا بالراقصة المتجسدة في الحاضر وكانت الشاشة مأهولة بنسختها الرقمية. وتشرح ستوبييلو الموضوع بإيجاز:
كان من المفترض أن يكون العمل عبارة عن منافسة بين الجسد ونظيره الإلكترونى، وهو جسد ينزف ويتعرق ويتعب ويشعر بالألم مقابل جسد مصنوع من الضوء لا يحده الزمن أو المكان أو الجاذبية. أصبحت أنا الوجود الجسدى، بينما كانت صورتى المرئية المخزنة على قرص اللى زر نظيرتى الإلكترونية. أى هما كان الوجود الأقوى والأجمل؟ المرأة من لحم ودم التى تبذل قصارى جهدها إلى أقصى حد مع إمكانية الفشل الجسدى فى أى لحظة؟ أم جسد الفيديو الأثيرى الذى يطير برشاقة عبر الفضاء، ويمكنه التجمد فى الهواء، ولا يتعب أبدًا؟ 
وتعمل الأفكار على مستويين: أولاً، هناك الثنائي الرقمي، أي إسقاط الذات المعاد تنظيمها وسائطيتها (قناع عام)، وثانيًا، هناك فكرة التكنولوجيا باعتبارها نظيرًا للأداء. يستحضر المفهوم الأول سيولة الموضوع المعاصر، والتحرك بين الجسد الملموس والجسد الافتراضي، والخطاب حول حدود الذات المجسدة مقارنة بالإمكانات اللانهائية للآخر الرقمي غير المجسد. ويتعامل المفهوم الأخير مع مفهوم الوساطة التكنولوجية، وهو موضوع مركزي في هذا الكتاب؛ أي أنه عندما يتم تأسيسها كشريك للأداء، تؤثر التكنولوجيا على النتيجة الكوريجرافية والدرامية للعمل. وبدلاً من مناقشة هذه الموضوعات في سياق عمل ترويكا رانش - لأن أعمالهم يمكن أن تشكل هذا الكتاب بالكامل بسهولة - تتم مناقشة هذه الموضوعات في الفصول التالية، فيما يتعلق بـستيلارك و كلاوس أوبرماير وشانكي موف. وبدلاً من ذلك، سننتقل مباشرةً إلى استنتاج موجز حول الإرث السينوغرافي لترويكا رانش» . 
فكرة أخيرة عن ترويكا رانش 
يمثل هذا السجل الفرعي الذي يمتد لخمس سنوات لمجموعة أعمال Troika Ranch مساهمة هائلة في مجال تصميم المشاهد الرقمية. كان هناك مجموعة من العوامل التي أتاحت لهم البحث الاجرائي التشاركي  PaR: توافر التكنولوجيا الجديدة، التي تطلبت التكهن والتجريب بشأن أسئلة فنية وثقافية جديدة؛ والتعاون مع ECI وCEAIT، والتي وفرت أماكن لعرض أعمال ملهمة ورائدة ومنتدى للتطوير والتفكير في الممارسة؛ والرعاية التي سهلت الإقامة ووفرت الوقت والمساحة والحوار اللازم لتطوير أعمال دقيقة. ومن الآن فصاعدًا، تمكنت ترويكا رانش من تطوير أساس مفاهيمي واضح وقوي للبحث الإجرائي التشاركي PaR ونشر تقني بليغ للخصوصيات الرقمية في سياق الأداء. 
لقد أصبحت ستوبييلو وكونيجليو أكثر خبرة في التعامل مع المشاكل المفاهيمية المتعلقة بالتجسيد والتفاعل. وكان هدف هذا الفصل هو الاعتراف بالإبداع الخالص في بداية بحوثهما والإشادة بها. وعلى الرغم من أن تقنيات الاستشعار الإلكتروني كانت راسخة بالفعل في دوائر الهندسة الإلكترونية، إلا أن نشرها في السياقات الثقافية كان نادرًا جدًا - حيث كان الاستخدام محجوزًا للتطبيقات الصناعية والأمنية عالية التقنية. يمثل عمل ترويكا رانش ابتكارًا ثقافيًا عميقًا - اندماجًا كيميائيًا للمعرفة التقنية (الكمية) مع المعرفة الثقافية (النوعية). يجب فهم تركيبتهما الأصلية للرقص والاستشعار الإلكتروني كحدث فني أداء. وهذا يعني أن أصالتهما تفتح “حقيقة اجرائية” فريدًة تقترح موقفًا فلسفيًا جديدًا تمامًا , وهو مستوى جديد من الفكر الذي يثير في بعض الأحيان تأملات معرفية وتقنية تاريخية واجتماعية وسياسية. إن استخدامهم للتكنولوجيات المستجيبة للتعبير الكوريجرافي يبشر بنموذج جديد لسرد قصص خاصة بالتقنيات الرقمية. وهو يُظهِر إرادة للتجريب وإعادة اختراع النماذج الثقافية وتحدي وجهات النظر والأذواق السائدة التي تديرها المؤسسات الثقافية. لا يزعم الفنانون أنهم ينوون تمزيق التاريخ؛ ومع ذلك، فإن نشرهم لتقنيات الاستشعار الرقمي في سياق ثقافي يفرض مفاجأة “بمعنى أنها تقفز إلينا فجأة ... تؤثر علينا، وتجعلنا مدمنين، إلى الحد الذي يوجهنا نحو لغز”  . ويخلق اندماجهم الإبداعي بين المواد السمعية والبصرية والكوريجرافيا على المسرح صدمة تحفز قطيعة ثقافية. لا يمكن التقليل من أهمية مساهمتهم الرائدة في هذا المجال، وتعيش إرثهم وتتنفس في كل مشروع للفنون المسرحية ينخرط في موضوعات رقمية على وجه التحديد في سياق حي. إن براعتهم في تطوير أساليب جديدة للتعبير الإبداعي يتردد صداها بعمق مع النظريات الثقافية السيبرانية المعاصرة، والتي يحركها ظهور الرقائق الإلكترونية الدقيقة والمجتمع الشبكي. وقد كان هناك إجماع بين المنظرين في تسعينيات القرن العشرين على أن الأنساق السيبرانية توفر القدرات الجديدة لاختراع نسخة بديلة من الذات، وتقديمها في المجتمعات عبر الإنترنت (المعروفة بغرف الدردشة، في ذلك الوقت) كشخصية (أفاتار)  أخرى ,  تتألف من ذاتيات نفسية جسدية مختلفة عن تلك التيتم تعيينها عند الولادة. وقد دافع علماء مؤثرون عن الإمكانات الإيجابية لهذا النموذج الجديد بين الأشخاص، معتبرين أن “الفضاء الإلكتروني”، باعتباره فضاءً عالميًا جديدًا خاليًا من الأفكار المسبقة والتحيزات، يوفر فرصة للديمقراطية. ومن خلال البدء من جديد، كانت هناك فرصة لتقليص، وربما حتى نفي، الإيديولوجيات المهيمنة القمعية والبطريركية والرأسمالية . هذه النظريات، التي ركزت على الإمكانات اليوتوبية لتقليص التجسيد من الذاتية، لم تظهر فجأة مع وصول الإنترنت؛ لقد كانت راسخة بالفعل في نظريات ما بعد الحداثة التي صيغت على أساس تبادل المعلومات في الرأسمالية المتأخرة. لكن وصول النصوص التشعبية والترابط الجماهيري أعطى ملائمة ملموسة للنظريات.ومن خلال فحص أعمال ستيلارك، يتتبع الفصل التالي هذا السرد النظري، الذي يمتد  من ما بعد الحداثة إلى الثقافة الإلكترونية، بهدف فهم الوصول النظري والجسدي الناتج عن ذلك الى السايبورغ، سواء في النظرية الثقافية أو الفنون المسرحية.

الهوامش 
1-  ورغم أنه من الخطأ أن نحاول تعريف ما بعد الحداثة كفترة، فإنني أشير هنا إلى الفترة ما بعد عام 1969 (ما بعد الثورات الطلابية في باريس) وحتى بداية العصر الرقمي (حوالي عام 1990).
2-  كان الأداء الذي عمل عليه كونيجليو جديرًا بالملاحظة بشكل خاص وهو التعاون بين ديفيد روزنبلوم (عميد مدرسة الموسيقى، في
كال آرتس) والملحن البسيط الشهير تيري رايلي، والذي تألف من ثنائي موسيقي مرتجل عابر للقارات، بين ECI، في لوس أنجلوس، وCIRM، المركز الوطني للإبداع الموسيقي، في نيس (1993) (جوي 2010: 53). كان دور كونيجليو هو إنشاء برنامج يسمى Midiphone، الذي يرسل ويستقبل ملاحظات MIDI عبر مودم 56 كيلوبت في الثانية. تضمنت القطعة تركيب بيانوين Disklavier في كل مكان. عمل الأداء بحيث يعزف الموسيقيون على بيانو واحد في كل موقع، وكان البيانو الآخر غير مأهول. أرسلوا الملاحظات التي تم تشغيلها إلى المواقع البعيدة المتقابلة، عبر Midiphone، والتي تم استلامها وتشغيلها بواسطة البيانو غير المأهول، مثل البيانو الآلي. كان الجانب الارتجالي الذي توفره التكنولوجيا الرقمية ذا أهمية بالغة؛ فقدرة الموسيقيين على الارتجال معًا عبر فجوة جغرافية مكانية هائلة كانت رائدة. وقد ترك العمل انطباعًا عميقًا على كونيجليو: “ربما كانت تلك هي اللحظة التي بدأت فيها أفهم لماذا كان كيت وشيري على حق بشأن الحاجة إلى الارتجال” (كونيجليو 2019).
3- إن مصطلح “النشوء” يرتبط في الأغلب بدولوز لأنه معروف بعمله الشامل على النظرية وفئاتها الفرعية المختلفة، والذي استكشفه باستفاضة في جميع أعماله. والواقع أن تبلور نظرياته يعود إلى سيموندون، الذي تم الكشف عن أطروحاته ومفاهيمه ضمناً أو تم الاستشهاد بها صراحة. وكانت بينهما صداقة وثيقة، وتم استخلاص المفاهيم التي اشتهرا بها الآن من خلال سلسلة من الحوارات؛ والواقع أن دولوز هو الشخص الأكثر مسؤولية عن لفت انتباه الجمهور إلى أعمال سيموندون.
4-  استضافت جامعة ولاية أريزونا مؤتمر IDAT ‹99، ونظمه جون ميتشل. وكان الحدث مهمًا لأنه كان أول مؤتمر من نوعه، الأمر الذي سمح للمجتمع العالمي أخيرًا بالالتقاء والالتقاء وجهًا لوجه. وكان هناك العديد من الشخصيات الرائدة المهمة التي حضرت المؤتمر، مثل يوهانس بيرينجر، وباليندروم، وفريدر فايس، على سبيل المثال لا الحصر.

- هذه المقالة هي الفصل الأول من كتاب «Digital Scenography” تأليف مايكل أودوير  الصادر عن دار نشر بلومسبري عام 2021 
- وأود أن أشير الى أن فرقة ترويكا رانش واحدة من أهم الفرق المسرحية في الولايات المتحدة الأمريكية حاليا والتي تستخدم التقنيات الحديثة والأدوات الرقمية في مجال الأداء المسرحي الآن.


ترجمة أحمد عبد الفتاح